اخر الاخبار

تتسارع التطورات العسكرية في اليمن مع اتساع رقعة المواجهات على الساحل الغربي ومناطق في تعز والحديدة، بالتزامن مع هجمات للحوثيين على أهداف في السعودية، وغارات سعودية ويمنية على مواقع تابعة لهم. ويأتي التصعيد في بلد أنهكه أكثر من عقد من الحرب والانقسام والانهيار الاقتصادي، فيما تتزايد أعداد النازحين وتتراجع قدرة الخدمات الأساسية على الاستجابة للاحتياجات المتنامية.

تطورات ميدانية متسارعة

تركزت المعارك الأخيرة على الساحل الغربي، حيث حققت قوات الحوثيين تقدماً وسيطرت على مدينة المخا ومناطق ساحلية، وسط استمرار المواجهات مع القوات المناهضة لهم. كما امتدت العمليات إلى مناطق في تعز والحديدة ومأرب، بينما تحدثت تقارير عن انسحابات واسعة في صفوف القوات المناهضة للحوثيين، مع تباين الروايات بشأن أسباب التراجع وحجم الخسائر.

وتزامنت التطورات البرية مع تصعيد في الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة والغارات الجوية. فقد كثف الحوثيون هجماتهم باتجاه المدن والمنشآت السعودية، بينما نفذت القوات السعودية واليمنية ضربات جوية على مواقع للحوثيين. وتأتي هذه التطورات بعد فترة من الهدوء النسبي أعقبت الهدنة التي ساعدت على خفض مستوى القتال منذ عام 2022، قبل أن يعاود التصعيد اتساعه خلال الأشهر الأخيرة.

ولا تنفصل التطورات داخل اليمن عن التوتر الإقليمي الأوسع، إذ باتت المواجهات مرتبطة بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، الأمر الذي يضيف إلى الصراع اليمني بعداً يتجاوز حدود البلاد.

حيث نقلت وكالة "رويترز" عن مصادر إيرانية أن طهران تلقت طلبًا من الصين للضغط على جماعة الحوثي لوقف هجماتها ضد السعودية، وذلك بعد طلب مماثل من باكستان.

باب المندب في واجهة التصعيد

يمثل مضيق باب المندب ممراً رئيسياً للتجارة الدولية، ويربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، فيما يشكل الطريق البحري عبر قناة السويس أحد المسارات الأساسية بين آسيا وأوروبا.

ومع تقدم الحوثيين على أجزاء من الساحل الغربي واقتراب القتال من المناطق المحاذية للمضيق، تصاعدت المخاوف الدولية بشأن سلامة الملاحة. ودعت إيطاليا إلى زيادة الوجود البحري في البحر الأحمر في ظل تصاعد المخاطر على حركة السفن، فيما يستمر الاهتمام الدولي بتأمين خطوط التجارة البحرية.

ويعني استمرار التوتر في هذه المنطقة أن آثار الحرب قد تمتد إلى حركة التجارة والطاقة وكلفة النقل، بما يضيف ضغوطاً اقتصادية إلى أزمة إنسانية قائمة أصلاً داخل اليمن.

موجة نزوح واسعة

لكن التأثير الأكثر مباشرة للتصعيد يظهر داخل المجتمع اليمني. فقد أدت المعارك الأخيرة إلى نزوح عشرات الآلاف من الأسر من مناطق القتال، فيما اضطر بعض السكان إلى الفرار مرات متعددة بعد أن سبق أن فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم خلال سنوات الحرب.

وتشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن أكثر من 104 آلاف شخص نزحوا منذ تصاعد القتال على الساحل الغربي في حزيران، بينهم أكثر من 101 ألف شخص خلال الفترة بين الأول والخامس عشر من أيلول وحدها. وتتركز أعداد كبيرة من النازحين في تعز ولحج، إلى جانب الحديدة وعدن وأبين ومناطق أخرى.

وبحسب بيانات أممية أحدث، تجاوز عدد النازحين داخلياً 112 ألف شخص خلال موجة التصعيد الأخيرة، فيما فر قرابة 3 آلاف شخص عبر البحر إلى جيبوتي، في رحلات محفوفة بالمخاطر وعلى متن قوارب مكتظة.

الأطفال في قلب الأزمة

وتظهر الكلفة الإنسانية بصورة أوضح بين الأطفال. فقد أعلنت اليونيسف أن أكثر من 104 آلاف شخص، بينهم أكثر من 57 ألف طفل، نزحوا خلال أسبوعين فقط. ومنذ الثالث من أيلول، أُبلغ عن مقتل تسعة أطفال وإصابة 12 آخرين، فيما أُبلغ عن فقدان ثلاثة أطفال. كما أدت المواجهات إلى تعطيل خدمات 26 مرفقاً صحياً تدعمه اليونيسف، وإغلاق أو تعليق الدراسة في 243 مدرسة، ما أثر في أكثر من 137 ألف طالب.

وتأتي هذه التطورات في بلد يعاني أصلاً أوضاعاً إنسانية شديدة الصعوبة. وتشير خطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية لعام 2026 إلى أن أكثر من 22 مليون شخص يحتاجون إلى المساعدات والحماية، بينهم 5.2 مليون نازح. كما يواجه 18.3 مليون شخص انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، فيما يعاني أكثر من 2.2 مليون طفل دون الخامسة سوء تغذية حاداً.

اقتصاد منهك وخدمات متراجعة

ولا يمكن فصل النزوح والجوع وتراجع الخدمات عن الانهيار الاقتصادي الذي أصاب اليمن خلال سنوات الحرب. فقد تقلص الاقتصاد اليمني بأكثر من 50 في المائة منذ بدء الصراع، وتراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي بأكثر من النصف، فيما يعتمد اليمن على استيراد نحو 90 في المائة من احتياجاته الغذائية، ما يجعله شديد التأثر باضطراب التجارة والأسعار العالمية.

كما لا تعمل سوى نحو 59 في المائة من المرافق الصحية بصورة كاملة، بينما يحتاج ملايين السكان إلى المياه وخدمات الصرف الصحي والنظافة. ويعني استمرار القتال أن الموارد المحدودة أصلاً يجري استنزافها بصورة أكبر، بينما تتسع الفجوة بين الاحتياجات وقدرة المؤسسات المحلية والمنظمات الإنسانية على الاستجابة.

النساء والنازحون

وتتحمل النساء والأطفال والنازحون جانباً كبيراً من تبعات التصعيد. فالنزوح لا يعني فقدان المسكن فقط، بل غالباً فقدان مصدر الدخل، وصعوبة الحصول على الغذاء والمياه والرعاية الصحية والتعليم. وتزداد المخاطر على النساء الحوامل والأطفال في المناطق التي تضررت فيها المرافق الصحية أو أصبح الوصول إليها صعباً بسبب القتال.

كما يفرض تدفق النازحين ضغوطاً إضافية على المجتمعات التي تستقبلهم، في وقت تعاني فيه تلك المناطق أصلاً نقصاً في الخدمات وفرص العمل والموارد الأساسية.

وتواجه عمليات الإغاثة بدورها عقبات بسبب استمرار المعارك وتضرر الطرق والبنية التحتية وقيود الحركة وانقطاع الاتصالات في بعض المناطق