في شهري أيار وحزيران الفائتين، شلّت احتجاجاتٌ واسعة بوليفيا. وطالب المحتجون باستقالة الرئيس اليميني رودريغو باز، الذي تولى مهام منصبه في تشرين الثاني 2025.
جاءت الاحتجاجات بعد تخفيض الدعم الحكومي للوقود، بعد شهر واحد من وصوله إلى السلطة. في البداية تقبّل الشعب القرار، لكن سرعان ما تدهور الوضع الاقتصادي، وارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية بشكلٍ جنوني. عندها خرج المتضررون إلى الشوارع، واستمرت الاحتجاجات 53 يومًا. لقد كانت الاحتجاجات عفوية وأفقية، ولم تخضع لمركز قيادي. واكد المحتجون أن: "ما تقدمه الحكومة لا يغطي متطلباتنا المعيشية". وفور اندلاع الاحتجاجات اتهمت الحكومة الرئيس اليساري الأسبق إيفو موراليس بالتحريض على الاحتجاج. لقد دعم موراليس الاحتجاجات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لكنه لم يكن قائدها.
أسباب اندلاع الاحتجاجات
بالإضافة إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية، التي أشعلت فتيل الاحتجاجات، لم يفِ الرئيس بأي من وعوده الانتخابية. وأراد الرئيس البدء بخصخصة الأراضي، كمقدمة لتنفيذ برنامج خصخصة واسع، مما أثار غضب السكان، وخصوصا السكان الأصليين في شرق بوليفيا، الذين نظموا مسيرة إلى العاصمة لاباز. ومن الضروري الإشارة إلى أن السكان الاصليين، ناضلوا طيلة عقود في سبيل حق امتلاك الأرض. وهو حقٌ يكفله الدستور، الذي شُرع في عهد حكومة اليسار، وما زال نافذا في البلاد. وفي نهاية المطاف، أجبرت الحكومة على التراجع والتخلي عن خططها. لكن الرئيس ما يزال مصممًا على خصخصة شركات القطاع العام، بحجة ان هذه الشركات غير مفيدة، ومن المفيد أن يقوم القطاع الخاص بعمليات التزويد بالبنزين والديزل. تُعدّ قضية الوقود حساسة للغاية بالنسبة للسكان. ففي بداية العام، طرحت الحكومة نوعًا من البنزين تسبب في أضرار للسيارات، ما أدى إلى فوضى عارمة في وسائل النقل العامة والخاصة.
اتفاق بين النقابات والحكومة
توصلت الحكومة إلى اتفاق مع الرئيس التنفيذي آنذاك، لاتحاد النقابات المركزي، ماريو أرغولو، لإنهاء الاحتجاجات، ووعدت بإجراء حوار ودراسة المشاكل في التعليم والرعاية الصحية والإمدادات الغذائية. لكن هذه الوعود لم تُنفذ، وبقي الوضع على حاله. وشنت الحكومة حملة اعتقالات، شملت قادة النقابات، وأقامت دعاوى جنائية ضد عدد منهم، وكذلك ضد الرئيس اليساري الأسبق موراليس، بتهم التحريض على الفتنة والإرهاب. والأخطر من ذلك، أعلنت الحكومة حالة الطوارئ، التي ما تزال سارية المفعول.
رغم أن الرئيس اليميني كان قد وعد بعدم إعلان حالة الطوارئ، لكن أول ما فعله هو إعلانها. وهذا يعني منع التجمعات والتظاهرات. وقد سُجن عدد من قادة النقابات والقيادات السياسية.
أقلية منتفعة
أعربت العديد من جمعيات المزارعين من السكان الأصليين عن معارضتها للاتفاق بين اتحاد النقابات المركزي والحكومة. ويعود ذلك إلى عدم استشارة جميع النقابات المنضوية تحت راية اتحاد النقابات المركزي، مثل نقابة عمال الزراعة الموحدة في بوليفيا، وهي أكبر منظمة تمثل جميع المزارعين في البلاد. وتجدر الإشارة إلى أن المنظمات الاجتماعية في بوليفيا تعاني حاليًا من انقسام حاد. حتى أن بعض قادة المزارعين أعلنوا دعمهم للحكومة طمعًا في الحصول على منافع، إلا أن هؤلاء أقلية، فيما تمتاز الأكثرية بالنزاهة.
تعيش النقابات والحركات الاجتماعية حالة من الترقب، بسبب إعلان حالة الطوارئ، التي ينتظرون انتهاءها، لكن الكثير من المتابعين يؤكدون أن البوليفيين حصلوا في عهد ايوفو موراليس على مكتسبات كبيرة من الصعب التخلي عنها.
انخفاض شعبية الرئيس
أدت الاحتجاجات، إلى خفض تأييد الرئيس إلى 30 في المائة، بعد ان كانت في بداية عهدة 60 في المائة، ويتوقع انخفاضها أكثر، لأن الفساد والمشاكل الأمنية في بوليفيا تتفاقم يوميًا.
ويتم الكشف عن حالات فساد كل يوم. هناك، على سبيل المثال، التنقيب غير القانوني عن الذهب. ثم كانت هناك قضية الـ 33 حقيبة قادمة من الولايات المتحدة، باسم عضوة الكونغرس لورا روخاس، والتي تجاوزت الجمارك ودخلت بوليفيا؛ وحتى يومنا هذا، لا يُعرف ما بداخلها. يقول البعض إنها أسلحة، ويقول آخرون إنها أموال، لا أحد يعلم. لكن روخاس اعتُقلت. وهناك أيضًا قضايا فساد تتعلق بتهريب المخدرات من البلاد مخبأة في صادرات الأخشاب. وأحدث هذه الحوادث، وأكثرها إثارة للقلق، يتعلق بفرناندو سيريميدو، أحد أبرز مستشاري الرئيس.
لقد كشفت المحامية ناديا بيلر، التي تعرضت لمحاولة اغتيال بانها تملك أدلة على فساد داخل عائلة الرئيس، وكذلك ضد عدد من الوزراء.