في القصائد المطوّلة التي يزيد عدد أبياتها على خمسين بيتًا، نلاحظ أن الشاعر يفقد ما نسمّيه وحدة الموضوع، إضافةً إلى وجود أبيات قد تُعَدّ من الحشو الذي لا موجب لذكره، وهذا يحدث غالبًا في القصائد العمودية.
قرأت الكثير مما ينتجه الشاعر يوسف المحمداوي، سواء في الصحف اليومية أو عبر صفحته الشخصية في وسائل التواصل الاجتماعي، ويمكنني القول إن الشاعر المحمداوي خريج المدرسة الكلاسيكية التي تُعَدّ أساسًا في بناء القصيدة. وربما يرى البعض أن من يكتب الشعر العمودي لم تلبسه الحداثة ثوبها الجديد، وهذا زعم خاطئ، كما أرى. فلو عدنا إلى كبار الشعراء الشعبيين، لوجدنا أن بداياتهم كانت عبارة عن قصائد تنتمي إلى المدرسة الكلاسيكية.
ومثال ذلك شاعرنا الكبير، الرمز الوطني والمناضل مظفر النواب، رحمه الله. ولو تصفّحنا ديوانه البِكر، وربما الوحيد الذي طبعه بنفسه، لوجدنا أن غالبية القصائد المنشورة فيه تُحال إلى المدرسة الكلاسيكية. ولا ننسى الشاعر الراحل شاكر السماوي، والشاعر الراحل عزيز السماوي، صاحب أغنية "خطار عدنه الفرح"، وكذلك الشاعر الراحل عريان السيد خلف، الذي نادرًا ما كان يكتب القصيدة الحديثة.
وأكرّر القول إن التجديد في الشعر لا يعني تغيير نمط بناء القصيدة الشعبية فحسب، بل يمسّ متن القصيدة أيضًا، من خلال تنوّع صورها التنويرية، وغزارة مفرداتها وعمقها. ويُنسب إلى الشاعر الكبير الراحل السيد مصطفى جمال الدين، رحمه الله، قوله "ويبقى الخمر خمرًا مهما استجدّ الإناء".
ونلاحظ عمق ما أورده الشاعر؛ فالخمر كان يُحتسى قديمًا في الكوز المصنوع من الطين المفخور، أما اليوم فيُحتسى في أكواب منمّقة ومزخرفة تجذب الأنظار إليها، على أن الخمر لم يتغيّر طعمه أو مذاقه أو مفعوله، قديمًا وحديثًا.
وهنا يقول السيد جمال الدين إن الشعر لا يتغيّر، سواء أكان بناء القصيدة كلاسيكيًا أم حديثًا. وقد ظهرت الآن موجة قصائد الومضة وقصيدة النثر الشعبية، التي ربما كتب فيها الشاعر رياض النعماني.
وقال أحد النقاد إن الشعر عبارة عن ساقية ماء تجري بين ضفتين، وعلى الشاعر الفطن أن يزرع أزهاره بين الضفتين، وعلى ضفاف الساقية أو النهر. ولا شك في أن الضفتين هنا ترمزان إلى التمسّك بوزن القصيدة، أي ميزانها العروضي.
وهذا لا يعني أن شاعرنا المحمداوي يكتب القصيدة الكلاسيكية حصرًا، بل هو متنوّع في كتاباته، ومنها القصائد الحديثة. ففي نصّه (كوابيس من نهر جاسم)، يقول:
"اعترفلك واعترف
للرادني اغلط
آني أحمق
مو صبور…
واملك بشوفي
صور حلوه البلادي
شلون من طارت
بجنحانه الطيور…
شلون من لبسيت خاكي…
وضابط التجنيد رايدنه
لابن صبحه فطور".
في هذه القصيدة، يحاول المحمداوي أن يختزل لنا الحرب العبثية، ويصوّرها بأقسى الصور المرعبة:
"وچان ملك الموت سيارة الايفا
من الفجر باسمي ينادي..
ورحت للجبهه
ودعاء امي عتادي".
كما يستحضر بقية الصفحات المظلمة التي مررنا بها عراقيين:
"وچان حلم الماتو بصفي حبيبه وبرتقاله…
وچان حلمي …
مثل حلم الله
عَلَگ … من شيلة امي
لو وصية والد
بشيشة عطور".
يتذكّر الجميع أن كثيرًا من الأغنياء تمكّنوا، بأموالهم الخاصة، من النجاة من الموت المحقّق في نهر جاسم وغيره من جبهات القتال، في حين كان الفقراء وقودًا لحروب الطغاة، وكل ذلك يجري أمام أنظار السماء:
"هذا للگطان گلبه…
وذاكه للبنيه چبده…
وانته فخذك للصِبور…
والسمه تباوع علينه"
ربما غادر الكثير من الشعراء الشعبيين الأوزان الفراهيدية، وأخذوا يكتبون النصوص الحديثة. ولا أقول إن ذلك يعود إلى صرامة الميزان العروضي الذي ربما لا يُحسنه الكثيرون، فحسب، بل إن مساحة الفضاء المتاح للشاعر في القصيدة الحديثة أوسع من المساحة التي تتيحها القيود الفراهيدية. وهذا لا يعني أن كتابة النص الحديث أمر سهل، بحيث يستطيع أي شاعر أن يخوض غماره.
هنا يعيدنا المحمداوي إلى وزن يصعب على المرء الكتابة فيه ما لم يذق الألم ويتجرّع سهام الفراق، سواء أكان فراق ابن شهيد، أم إخوة شهداء، أم حبيب. لقد عاد بنا المحمداوي إلى وزن النعي، المشتق من بحر الرجز، الذي يُكتب بتفعيلتين أساسيتين هما: (مستفعلن مستفعلاتن) أو (مستفعلن مستفعلاتان". كيف لي أن أختار نموذجًا لذلك، والقصيدة المكتوبة بهذا الوزن، بأبياتها كلها، حزينة ومؤلمة، تستدرّ دموع المتلقّي وتحيله إلى كتلة من الحزن والوجع لا يعرفهما إلا العراقيون؟
من قصيدة (وجعة رصاصة) نستلّ:
"كيف وشته
وضحكات عريس…
وجعة رصاصة
بگلب اليجيس…
روح الوكت
مابيها احاسيس…
والچان مومن
صاير ابليس…"
ويقول:
"صفنه وشته
والليل وهواس…
و فزز جروحي
بضحكة الكاس…
بردت وجعته
الما يشد راس…
ميّة شمر
بس ماكو عباس".
وفي هذا المقطع، أحيل التعليق إلى القارئ الكريم:
"ليل وشته
وحلمي مخده..
تصرخ يلاهي
الراح رده …
خطار حزني
صار مده …
صحره الحديقة
بغير ورده…"
يبدو أن المحمداوي تعلّم الحزن والدمع، حتى في ما ينتجه من قصائد الغزل. وقبل أن أختم مقالتي، أورد قوله:
"كون عشر عيون عدي من أحب
حتى اكفي دموع فرگاكم حبيبي من تصب….
كون عشر عيون عدي
حتى اشبع شوف منك وبرضاتك مو غصب".
وأختم حديثي موجّهًا كلامي إلى المحمداوي، ومحيلًا إياه إلى ما يقوله في إحدى قصائده:
"گوم فك حزن الدلال بهيل جيتك
وخلي تتمرجح الگهوه اعلى الدرب".