اخر الاخبار

1

كتاب الأستاذ مزاحم الجزائري (السرد والشعريَة في مواويل الحاج زاير – مقاربة نقدية) يجيء كخطوة متقدمة في القراءة والتحليل وفق مناهج نقدية حديثة؛ خطوة متقدمة في مواجهة فطرة شعريّة فيها كثير من مزايا الموهبة العالية. ومن هنا تكون مراجعتنا للكتاب متداخلة مع هذه الخطوة ، وتتقاطع معها في أكثر من تشخيص. وقبل التداخل، أُشير إلى ما متوفّر من مراجع ودراسات عن الحاج زاير، وقد اطّلع عليها المؤلف، عدا استثناء واحد:

* ديوان الحاج زاير بطبعات عدة، جمع وإعداد محمد باقر الإيرواني النجفي.

* الشاعر الحاج زاير الدويچ،  صادق حمودي، 1989.

* الحاج زاير، رنين الوتر الفراتي، ريسان الخزعلي 2000 ، 2013، ويبدو أن َّ المؤلف لم يتوافر عليه.

* مقالات ودراسات متفرّقة منشورة في الصحافة والدوريات التي تهتم ّ بالأدب الشعبي.

2

في قراءة الكتاب، استوقفني ما يوجب الالتفات إليه، ومثل هذا الالتفات لا يتعارض مع الجهد الكبير المبذول فيه، غير أن التداخل قد يمنحنا ما يمكن إضافته من أجل الاكتمال، وليس الكمال:

 مقدمات المؤلف لفصول كتابه عن: السرد، والحكاية، والشعرية، والزمن النحوي، والسخرية، وهي معززة باستشهادات لنقاد وكتّاب معروفين، عربيًا وعالميًا، تصحّ لأن تكون كتابًا تنظيريًا مستقلًا؛ إذ إن ما جاء فيها يمكن تطبيقه على نصوص كثيرة، معاصرة أو حديثة أو قديمة، شرط توافر العناصر الفنية/الجمالية، والبُعد الثقافي/المعرفي؛ ومن الإقحام أن تُطبَّق على شعرية فطرية.

كثرة المصادر والمراجع، إذ بلغ عددها (112). وقد أُثقل الكتاب بها، وبما لا يتناسب مع تحليل مواويل معدودة لا تتجاوز الخمسة، في حين كان هدف الكتاب: مواويل الحاج زاير.

في مباحث السرد، وتحولات السرد، وبنية الجملة الشعرية، أقتصر التحليل والتطبيق على موّال واحد، تكرر في هذه المباحث، مما جعل الوصول إلى الكم/النوعي غير وارد في التطبيق.

في مبحث الحكاية، تم تحليل موّال منسوب إلى الشاعر الحاج زاير، وغير منشور في ديوانه، وإنما رواه صديق له، وأسماه المؤلف بيتًا! كما جاء التوضيح في الهامش: "أخذت هذا البيت عن الصديق الراحل هادي القريشي في العام 1991م، وهو من أهالي الشطرة، وسكن مدينة الحرية الأولى ببغداد، وهو من المهتمين بأدب الحاج زاير، ولكنّي لم أعثر عليه في ديوانه". (انتهى الهامش).

وهنا لا يصحّ التطبيق على موّال غير موثّق، ونُسقط التحليل عليه، وكأنه للحاج زاير. وحسب ذاكرتي أن هذا الموال للشاعر مطشّر عبد النبي المجرّاوي.

في مبحث الشعرية، لا يمكن أن تكون الشعرية هي الشاعرية، حتى وإن كانت الاستعارة من (تودوروف). فالشعرية هي خصائص الشعر الفنية/الجمالية، أما الشاعرية فإنها ترتبط بقوة الموهبة، وسعة المخيلة، وممكنات الشاعر الذاتية.

إن إسقاط مفاهيم واصطلاحات نقدية ومناهج أدبية تحليلية على تجربة شاعر فطري/أمّي/موهوب لا غير، يبدو مناقضًا للفطرة التي تفتقد إدراك هكذا معرفة؛ فلا علاقة للحاج زاير بتقنيات لا يقصدها، وتعتمد: الميثولوجيا، والسرد، والحكاية، والحوار، والسايكولوجية، والزمن النحوي، والشعرية، والصورة الشعرية، والأنسنة، وتحليل فرويد النفسي، وغيرها. إن هكذا تقنيات لا بد لها من ثقافة واسعة تستوعبها، وثقافة الحاج زاير – إن صحّت التسمية – ثقافة مجتمعية/عشائرية/دينية.

يقول المؤلف عن الصورة في شعر الحاج زاير، وهو مثال عن الإقحام النقدي: "الصورة الشعرية تماهت في أنساقها مع ميثولوجيات متخيّلة ومجاز غريب، دفعت بالشاعر دفعًا صوب المضي قدمًا في تخليق صورة الغرائبية، حتى وصل الأمر به إلى أنسنة الورد، ما أسبغ على النص قدرًا من الحوارية تتسم مقارباتها برقة متناهية".

وفي المفتتح الأخير، لا بد من التأكيد بأن هذا الكتاب يعكس ثقافة المؤلف، وطبيعة تذوقه الشعري، ومديات اطلاعه على المناهج النقدية التي أسقطها على شعرية الفطرة!