أعلن المتحدث باسم الامانة العامة لمجلس الوزراء عن تشكيل لجنة تتولى تنفيذ توجيهات المجلس الأعلى للسكان واعداد الوثيقة الوطنية للدراسات السكانية. ومن هذا الإعلان يتضح أن المجلس الأعلى للسكان يضم في عضويته 20 جهة رسمية وهذه اللجنة وفقا للإعلان ستتولى دراسة مقترحات وبرامج وأنشطة خاصة بالسياسات السكانية أو المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني بالتنسيق مع مراكز البحوث.

 ومن الواضح أن السياسيات السكانية التي يتولى المجلس الأعلى بحث اشكالياتها ووضع الخطط والاستراتيجيات في  مختلف الجوانب ذات التأثير المباشر وغير المباشر في حياة السكان العراقيين، إلا أنني أجد من المناسب التوقف عند إشكالية السكن كمفصل مهم من مفاصل السياسات السكانية، فأزمة السكن كما هو معروف تشكل أهم الأعباء التي يئن تحت وطئتها العراقيون منذ اجيال وغالبا ما استخدمتها  الحكومات المتعاقبة كورقة دعائية دون أن تدخل في جوهر المشكلة رغم تعاظم عدد السكان، فحسب احصاءات وزارة التخطيط في عام 2018 يقدر عدد السكان أكثر من 37 مليون نسمة، وفي آخر إحصاءاتها فان العدد وصل إلى 40 مليون نسمة  بمعدل نمو سكان سنوي ثابت 2.7 في المائة، فيما تشير بعض الدراسات إلى أن المعدل السنوي المركب لعام 2010 كان 7 في المائة مع استقرار لمتوسط حجم الأسرة عند (9.6 ) افراد وهذا هو السبب الأول في الأزمة،  أما السبب الثاني فيعود إلى عدم المرونة في تصاميم المدن لتستوعب الضغوط العمرانية  والتحولات الاقتصادية وسوء الاستخدام الأمثل للأرض في ضوء الطلب الاقتصادي والخدمي والسكني والتكامل الوظيفي للمستوطنات.

ولم تقف أسباب الأزمة عند هذا الحد بل اقترنت بالاوضاع غير الطبيعية التي مرت بها البلاد المتمثلة بعدم توافر الاستقرار السياسي من جهة وتفاقم الانهيار الأمني ودخول الارهاب وتخريب المدن نتيجة لسوء الادارة الحكومية سياسيا وأمنيا،  فضلا عن سكوت الحكومات المتعاقبة عن الخروقات القصدية للتشريعات النافذة ومنها على سبيل المثال الخروج عن التصميم الاساسي للمدن وتجزئة الوحدة السكنية إلى عدة وحدات بالإضافة إلى تجزئة أو تجريف  الأراضي الزراعية وتحويلها إلى احياء سكنية بتصاميم عشوائية تفتقر إلى الجمالية والهدر في الأرض والخدمات الأساسية وإعادة السكن بحيث اقرب إلى القرى منه إلى المدن الحضرية،  والخطأ   الحكومي الفادح في تقويض دور شركة المقاولات وفروعها التي تعرضت إلى الإهمال المتعمد وتخريبها بعد الاحتلال وتلكؤ المشاريع الممولة من الدولة بفعل الفساد واسع الانتشار.

نستخلص مما تقدم أن تفاقم أزمة السكن بابعادها الاقتصادية والاجتماعية والخدمية ينبغي أن تكون لها الأولوية على طاولة المجلس الأعلى للسياسات السكانية وتتطلب وضع استراتيجيات واقعية قابلة للتنفيذ وهذا يتم عبر خطط سنوية وخمسية من خلال تفعيل الدورالمباشر للدولة وتنشيط الاستثمار وتحسين بيئته، وفي هذا المجال نقترح ما يلي:

  • اعادة النظر بمعايير توزيع الدخل بين المواطنين وتمكين الأكثر احتياجا الفقراء وذوي الدخل المحدود من الحصول على وحدات سكنية والأخذ بنظر الاعتبار مواجهة الانشطار الأسري ومستوى الاسعار في قطاع العقار.
  • تغيير الانماط السكنية باعتماد السكن العمودي، بدلا من النمط الافقي الذي كان سببا في تفاقم أزمات السكن وخدمات الكهرباء والماء والمجاري والابتعاد عن آلية توزيع الأراضي السكنية التي تؤدي إلى الابقاء على الأزمة وتعميق نتائجها الضارة، عبر نهج الاستثمار على غرار تجربتنا في مشروع بسماية ومجمع الزهور ومجمع ضفاف دجلة من خلال تخفيض الأسعار وتسهيل القروض بفوائد ميسرة ولاجال طويلة.
  • اصدار التشريعات المناسبة للإسهام في حل الأزمة بعدة أوجه، ومنها قيام الوزارات بتخصيص أراضيها لإقامة مشاريع سكنية وفق النمط العمودي واستحداث دائرة متخصصة بإدارة عملية الإسكان ترتبط برئاسة الوزراء وتمنح صلاحية استملاك اراضي الدولة وتخصيصها للاستثمار في السكن بما فيها الأراضي العائدة لوزارة المالية وتفعيل مبادرة البنك المركزي في الاقراض وحتى الاراضي الزراعية البور المحاذية للمدن ان لم تكن مخصصة لمشاريع صناعية أو مشاريع اقتصادية في قطاع الانتاج.
عرض مقالات: