اخر الاخبار

أعاد تجدد العقوبات الأميركية على مصرف عراقي فتح التساؤلات بشأن فاعلية الاصلاح المصرفي، وقدرة الإجراءات الحكومية على معالجة ثغرات الامتثال والرقابة وضمان استمرار ارتباط القطاع المالي العراقي بالنظام المصرفي الدولي.

وعود الاصلاح هواء في شبك

وتأتي العقوبات الأميركية الجديدة على مصرف التنمية الدولي، ضمن حملة استهدفت شبكات مالية قالت وزارة الخزانة الأميركية إنها تسهّل وصول إيران إلى الدولار وتساعد على الالتفاف على العقوبات.

واتهمت واشنطن المصرف بتسهيل وصول إيران إلى العملة الأميركية وإقامة صلات مع جهات إيرانية ومجموعات مسلحة متحالفة معها، فيما رفض المصرف هذه الاتهامات، ووصف المعلومات التي استندت إليها بأنها غير صحيحة، وأبدى استعداده للتعاون مع البنك المركزي والخزانة الأميركية لتوضيح الحقائق.

برنامج إصلاح المصارف يدخل عامه الثاني

وجاءت الخطوة بعد إعلان الحكومة العراقية، في 18 تموز الماضي، تأهيل سبعة مصارف لاستئناف التعامل مع المصارف المراسلة الأجنبية بعملات غير الدولار، تمهيداً لإمكانية استعادة التعامل بالدولار بعد استكمال متطلبات الامتثال والحوكمة.

وكان البنك المركزي قد أطلق، في أيلول 2025، برنامجاً متعدد السنوات لإصلاح المصارف الخاصة، يتضمن مسارات للاستمرار أو الاندماج أو الخروج من السوق، مع تشديد متطلبات الحوكمة والمتانة المالية وإدارة المخاطر. كما أوضح أن استيفاء معايير الإصلاح لا يرفع تلقائياً القيود المفروضة لأسباب أخرى، ومنها إدراج المصرف على قوائم العقوبات الأميركية.

وفي 22 تشرين الأول الجاري، وجّه البنك المركزي العراقي المصارف والمؤسسات المالية غير المصرفية المرخصة بمنع مصرف التنمية الدولي من التعامل بالدولار بأي شكل، عقب العقوبات الأميركية. ويعكس هذا الإجراء تداخل مسار الإصلاح والرقابة المحلية مع القيود الخارجية التي تواجه بعض المصارف العراقية.

وتتجاوز أهمية هذه التطورات المصارف المشمولة بالعقوبات، نظراً إلى ارتباط تمويل التجارة الخارجية والتحويلات الدولية بقدرة المصارف العراقية على الاحتفاظ بعلاقات مراسلة فاعلة.

وكان صندوق النقد الدولي قد دعا ايضاً، في ختام مشاورات المادة الرابعة مع العراق في أيار 2025، إلى مواصلة تحديث القطاع المصرفي وتعزيز علاقات المصارف المراسلة، وتحسين الحوكمة والبنية الرقمية والأمن السيبراني، ومعالجة أوجه القصور في إجراءات مكافحة غسل الأموال وتمويل الارهاب.

تساؤلات بشأن نتائج الاصلاح المصرفي

في هذا الصدد، رأى أستاذ في الاقتصاد الدولي أن تكرار العقوبات الأميركية على المصارف العراقية يكشف عن اختلالات هيكلية في القطاع المصرفي، ويثير تساؤلات بشأن فاعلية إجراءات الإصلاح المتخذة وقدرة المؤسسات المعنية على معالجة ثغرات الرقابة والامتثال ومكافحة غسل الأموال، رغم الوعود الحكومية المتكررة.

وقال السعدي لـ"طريق الشعب"، إن الإصلاح المصرفي لا يُقاس بالتصريحات والاتفاقيات، وانما بالنتائج الفعلية، وفي مقدمتها قدرة المصارف على تنفيذ التحويلات الخارجية بصورة طبيعية ومستدامة، واستعادة علاقاتها بالمصارف المراسلة، وتحسين مستويات الشفافية والحوكمة والامتثال للمعايير الدولية.

وأضاف أن التفاهمات مع الجانب الأميركي قد تتيح للمصارف المستوفية للشروط استعادة علاقاتها الدولية، لكنها لا تعني انتهاء المشكلات أو رفع القيود عن جميع المصارف، مشدداً على ضرورة تقديم الحكومة ووزارة المالية والبنك المركزي نتائج قابلة للقياس بدلاً من الاكتفاء بالإعلان عن استمرار الإصلاح.

وحذر من أن استمرار القيود على التعامل بالدولار قد يرفع تكاليف التحويلات الخارجية، ويعقّد تمويل التجارة والاستيراد، ويزيد الضغط على سوق الصرف الموازي إذا تعذر تلبية الطلب المشروع على العملة الأجنبية عبر القنوات الرسمية.

وأشار إلى أن هذه التداعيات لا تعني بالضرورة انخفاض قيمة الدينار أو ارتفاع التضخم، إذ يتوقف حجم التأثير على عدد المصارف المتأثرة، وقدرة بقية المصارف على استيعاب التحويلات، والسياسات النقدية وحجم المعروض من العملة الأجنبية.

ودعا إلى الانتقال من المعالجات المؤقتة إلى إصلاح مؤسسي شامل، يتضمن تطوير أنظمة مكافحة غسل الأموال، وإعادة تقييم المصارف المتعثرة، وتعزيز التدقيق المستقل، وتحديث أنظمة الدفع والتحويلات، ونشر مؤشرات دورية لقياس تقدم الإصلاح.

ولفت إلى أن المسؤولية تتوزع بين البنك المركزي في الرقابة والإشراف المصرفي، والمصارف في ضمان سلامة عملياتها والامتثال للقوانين، والحكومة ووزارة المالية ضمن اختصاصاتهما في الإصلاح المالي والإداري.

الإصلاح المصرفي لم يكتمل

من جانبه، اوضح الخبير الاقتصادي، علي دعدوش أن المشكلة لم تعد مرتبطة بعدد المصارف التي تُفرض عليها العقوبات، بقدر ما تتعلق بقدرة العراق على بناء نظام مصرفي يحمي أمواله ويحافظ على علاقاته المالية الدولية، مشيراً إلى أن ظهور عقوبات جديدة بالتزامن مع الحديث عن تقدم الإصلاح يطرح تساؤلات بشأن مدى معالجة الثغرات فعلياً.

وأضاف دعدوش في حديث لـ"طريق الشعب"، أن تكرار هذه الحالات يكشف أن الإصلاح لم يصل بعد الى مستوى يمنع المخاطر بصورة مستدامة، موضحاً أن استعادة بعض المصارف قنوات التعامل الدولي لا تعني استعادة جميع المصارف حق التعامل بالدولار، إذ إن فتح مسار للإصلاح يختلف عن استكمال شروطه واجتياز اختباراته.

وأشار إلى أن آثار العقوبات قد تتجاوز المصرف المستهدف لتشمل كلفة التحويلات، وسرعة تمويل الاستيرادات، وثقة المستثمرين، وقدرة القطاع الخاص على إنجاز معاملاته، محذراً من أن اتساع القيود أو تعطل قنوات الدفع الرسمية قد يزيد الضغوط على السوق الموازية.

ودعا دعدوش إلى تجاوز الإعلانات العامة عن الإصلاح نحو نتائج قابلة للقياس، من خلال التدقيق المستقل، وتعزيز الشفافية في المعاملات، ومحاسبة المقصرين، ووضع جدول زمني واضح لمعالجة أوضاع المصارف التي تواجه صعوبات في استيفاء المتطلبات.

واعتبر أن نجاح الإصلاح يُقاس بقدرة المصارف العراقية على العمل دولياً بصورة مستقرة، وحماية أموال المواطنين، وخفض كلفة التجارة والتحويلات على الاقتصاد الوطني.

موقف محرج للمركزي

من جانبه، اشار الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي الى أن فرض عقوبات أميركية جديدة على مصرف عراقي يضع تعهدات محافظ البنك المركزي بشأن عدم فرض عقوبات إضافية على المصارف العراقية أمام اختبار جديد، ويثير تساؤلات بشأن فاعلية إجراءات الرقابة والإصلاح المصرفي المتبعة.

وقال الهاشمي لـ"طريق الشعب"، إن خطورة التطور لا تقتصر على انعكاساته على مصداقية تعهدات محافظ البنك المركزي، حيث تمتد إلى استمرار ما وصفه باختراقات في النظام المصرفي العراقي، وإمكانية استخدامه منصةً لتمويل أنشطة غير قانونية والالتفاف على العقوبات الدولية، رغم إجراءات التدقيق وخطة الإصلاح التي قال إن البنك المركزي نفذها بالتعاون مع شركة أميركية.

وأضاف أن العقوبة الجديدة تضع البنك المركزي في موقف محرج أمام الجمهور وشركائه الدوليين، معتبراً أنها تثير تساؤلات بشأن مدى قيامه بدوره الرقابي في معالجة الممارسات المشبوهة ومنع ارتباط المصارف العراقية بأنظمة مالية خاضعة للعقوبات.

وحذر من أن استمرار هذه الثغرات قد يفتح المجال أمام فرض مزيد من العقوبات على مصارف عراقية، بما يزيد الضغوط على القطاع المصرفي وعلاقاته المالية الدولية.