إغلاق منفذ الشيب.. إجراء أمني أم تغيير مسار؟
نشرت مجلة The Cradle مقالاً للكاتب مالك الخوري حول العلاقات العراقية الإيرانية عقب انسحاب القوات الأمريكية من العراق، أشار فيه إلى أن الفترة التي أعقبت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران شهدت تغييراً في طبيعة علاقة العراق بجاره الشرقي، بعد عقدين من الزمن كان العراق خلالهما بمثابة الحديقة الخلفية لطهران وساحة رئيسية لما يُعرف بوحدة الساحات.
وتمثّل هذا التغيير في إعادة تقييم علاقات بغداد مع طهران، بدءاً من المنافذ الحدودية التي تُعد شرياناً حيوياً للتبادل التجاري، مروراً بحركة الزوار، وانتهاءً بانتقال البضائع والأموال بين البلدين. وأثار إغلاق منفذ "الشيب" الحدودي في محافظة ميسان، المقابل لمنفذ "تشزابيه" الإيراني في محافظة خوزستان، أمام المسافرين والمركبات والشاحنات التجارية حتى إشعار آخر، تساؤلات مهمة بشأن ما إذا كان القرار مجرد تدبير أمني مؤقت أم حلقة أخرى في صراع أوسع حول السيطرة على المسارات التي تربط دول غرب آسيا.
ملابسات أمنية وسياسية
وأشار الكاتب إلى أن القرار جاء بعد سلسلة من الأحداث التي كان منفذ الشيب والمناطق المجاورة له مسرحاً لها، بدءاً من تعرّض خط أنابيب النفط السعودي لهجوم بطائرات مسيّرة، ادّعت الرياض أنها انطلقت من موقع داخل محافظة ميسان، مروراً بتصريح هيئة المنافذ الحدودية العراقية بشأن عدم كفاية الترتيبات الأمنية في منفذ الشيب، وانتهاءً بتحذير أحد مستشاري رئيس الحكومة من مخاطر تهريب المخدرات والعملات المزيفة عبر المنفذ.
وفيما عزت الحكومة قرار الإغلاق إلى ضعف الجاهزية التقنية واللوجستية في المنفذ، وقررت تحسين البنية التحتية الحدودية، نفت أن تكون واشنطن قد فرضت هذا الإغلاق. في المقابل، ذكرت بعض الوكالات الإخبارية أن رئيس الحكومة أبلغ قادة الإطار التنسيقي بأن بغداد تلقت طلباً من وزارة الخزانة الأمريكية بإغلاق المعابر الحدودية مع إيران. وحين رفضت الطلب اقترحت واشنطن الإبقاء على معبرين فقط. ويبدو ـ حسب الكاتب ـ أن رئيس الحكومة اختار إغلاق منفذ يعاني مشكلات أمنية وتدور حوله الشبهات، رغم أهميته الاقتصادية؛ إذ تعبره نحو 600 شاحنة يومياً، محمّلة بالخضروات والبطيخ والسيراميك والأسمنت الأبيض وحديد التسليح، كما يستقبل نحو 1.5 مليون مسافر.
أهم أسواق التصدير
وأورد المقال أن قيمة الصادرات الإيرانية إلى العراق بلغت نحو 11.9 مليار دولار خلال العام الماضي، وأن منفذ الشيب يُعد أحد الشرايين المهمة لهذه الصادرات، التي تدعم الاقتصاد الإيراني في ظل العقوبات. ويجعل ذلك إغلاق المنفذ، حتى وإن كان مؤقتاً، عاملاً قد يسهم في تراجع حجم التجارة بين البلدين، في وقت يفاقم فيه الحصار البحري الأمريكي الضغوط المفروضة على طهران.
مسارات جديدة
وأعرب الكاتب عن اعتقاده بأن ملامح مسارات اقتصادية أخرى بدأت تتشكل عبر الأراضي العراقية. فقد عاد الحديث عن مشروع "طريق التنمية"، الذي يمتد لمسافة 1200 كيلومتر من ميناء الفاو الكبير إلى الحدود التركية، والذي تسعى وزارة النقل العراقية إلى تمويله بصيغة (النفط مقابل الإنشاءات)، وكذلك في مساعي تفعيل خط الأنابيب الواصل إلى مدينة بانياس السورية، وإعادة النظر في مشروع مسار العقبة الذي طالما جرى بحثه.
وفي الوقت الذي تراقب فيه طهران هذه التطورات، تحاول ثني العراق عن تطوير مسارات بديلة لتصدير النفط، عبر السماح لناقلات النفط العراقية بالمرور من مضيق هرمز. وفي المقابل، يرى الباحثون أن طهران قد لا تنظر إلى طريق التنمية باعتباره مشروعاً تنموياً عراقياً فحسب، بل بوصفه جزءاً من مسعى أوسع لتجاوزها أو تطويقها أو احتواء نفوذها.
ويتجلى هذا السباق في أحد أهم الروابط التي تسعى إيران إلى ترسيخها داخل العراق، والمتمثل في خط سكة حديد (شلامجة–البصرة)، الذي يهدف إلى ربط شبكتي السكك الحديدية في البلدين وتعزيز حركة التجارة وتنقل الزوار. ففي الوقت الذي أنجزت فيه إيران 70 في المائة من أعمال المشروع، لم يُحرز العراق تقدماً مماثلاً في تنفيذه.
اختبار قوة التوازن
ورأى الكاتب أن رئيس الحكومة العراقية يبدو مهتماً بمواصلة سياسة التوازن، إذ يحافظ على علاقات وثيقة مع ترامب، وفي الوقت نفسه الذي يحضر فيه جنازة المرشد الأعلى السابق في طهران. وهي سياسة لا تحظى بقبول عدد من حلفائه، الذين يرون أنها تميل لمصلحة طرف على حساب آخر. وإذا صحت تقديرات هؤلاء، فلن يعود العراق قادراً على أداء دور البوابة التي تربط واشنطن بطهران، في ظل سؤال جوهري: عمن يملك مفتاح هذه البوابة!