تتواصل أزمة السكن في العراق رغم تعاقب الحكومات وتعدد المبادرات والوعود التي أُطلقت على مدى السنوات الماضية لمعالجتها، فيما لا تزال ملايين الأسر تواجه صعوبات في امتلاك منزل يؤويها، في ظل ارتفاع أسعار العقارات والإيجارات، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع الفجوة بين الحاجة الفعلية إلى الوحدات السكنية وما يُنفذ منها على أرض الواقع.
ومع كل حكومة جديدة، يعود ملف السكن إلى الواجهة بمبادرة تحمل وعوداً واسعة، قبل أن تصطدم، في كثير من الأحيان، بتعقيدات التنفيذ ونقص الخدمات والتمويل، أو تتعثر عند حدود الإعلان والتخطيط.
وفي أحدث هذه المحاولات، أطلقت الحكومة الحالية مبادرة «وطن» لتوزيع مليون قطعة أرض سكنية مخدومة في عموم المحافظات، في خطوة تقول إنها تستهدف تخفيف أزمة السكن وتلبية احتياجات المواطنين. غير أن المبادرة، على أهمية توفير الأراضي فيها، تفتح الباب أمام سؤال جوهري يتعلق بقدرتها على معالجة الأزمة فعلياً، لا سيما أن امتلاك قطعة أرض، حتى وإن كانت مخدومة، لا يعني بالضرورة امتلاك منزل، في بلد تعيش فيه شرائح واسعة تحت ضغط الغلاء وتدني الدخول وشح فرص العمل.
فالمشكلة لا تتوقف عند توفير الأرض، بل تمتد إلى قدرة الأسرة على بناء منزل فوقها، وتأمين تكاليف البناء والمواد الإنشائية والخدمات الأساسية، في وقت بالكاد تستطيع فيه أسر كثيرة تدبير نفقات الطعام والسكن والتعليم والصحة.
"وطن".. هل تكفي الأرض لحل الأزمة؟
وتأتي مبادرة «وطن» لتوزيع مليون قطعة أرض سكنية في محاولة جديدة لتوسيع فرص التملك، مع اعتماد الكثافة السكانية ونسب الفقر في تحديد الحصص التقريبية للمحافظات. وبحسب الأرقام المعلنة من وزارة الإعمار والإسكان والبلديات العامة، تتصدر بغداد الحصص بنحو 192 ألف قطعة، تليها البصرة بـ135 ألفاً، ثم نينوى بـ88 ألفاً، فيما تتوزع بقية الحصص على المحافظات الأخرى.
وتتضمن المبادرة، بحسب ما أعلنته الجهات المعنية، التوجه إلى توفير قروض ميسرة للمستفيدين، إلى جانب إشراك المستثمرين والمطورين العقاريين والمتبرعين في تمويل البنى التحتية وإيصال الخدمات إلى الأراضي، وفق آليات أقرتها الحكومة. كما يجري الإعداد لإطلاق رابط إلكتروني موحد للتقديم، على أن تُعلن الضوابط والمعايير الخاصة بالمفاضلة بين المتقدمين.
لكن هذه الإجراءات، على أهميتها، لا تحسم وحدها مصير المبادرة، إذ يتوقف نجاحها على طبيعة الأراضي المخصصة ومواقعها، ومدى اكتمال خدمات الماء والكهرباء والصرف الصحي والطرق، فضلاً عن سرعة إنجاز إجراءات التوزيع والتسجيل. كما أن توفير الأرض لا يجيب عن السؤال الأهم: كيف ستتمكن الأسرة محدودة الدخل من بناء منزلها؟
فالعائلة التي لا تمتلك مسكناً وتستنزف الإيجارات جزءاً كبيراً من دخلها، قد تجد نفسها أمام التزام جديد إذا حصلت على قطعة أرض من دون امتلاكها الموارد اللازمة للبناء. وستحتاج هذه الأسرة إلى تمويل إضافي لشراء مواد البناء ودفع أجور العمال وإكمال المرافق الأساسية، وهي تكاليف قد تتجاوز قدرتها المالية، حتى لو كانت الأرض مجانية.
أما القروض الميسرة، فإنها قد تساعد بعض المستفيدين، لكنها ليست حلاً شاملاً ما لم تُصمم بما يتناسب مع دخول الأسر الفقيرة ومحدودة الدخل، وبما يضمن أن تكون الأقساط وفترات السداد في متناولها. فليس كل من يحتاج إلى منزل مؤهلاً للحصول على قرض، وليس كل من يحصل عليه قادراً على تحمل التزاماته المالية لسنوات طويلة.
وعليه، فإن التحدي أمام مبادرة «وطن» لا يتمثل في توزيع مليون قطعة أرض فحسب، بل في منع تحولها إلى فرصة متاحة لمن يمتلك القدرة المالية على البناء.
نمو سكاني ونزوح يضاعفان الحاجة
وفي قراءة لأسباب تفاقم الفجوة السكنية، يعزو عضو لجنة الاستثمار والتنمية النيابية، ضياء هندي الحسناوي، جانباً من المشكلة إلى التباطؤ في تنفيذ المشاريع الإسكانية، رغم الخطط الحكومية المعلنة، مشيراً إلى أن الوعود التي قُدمت خلال السنوات الماضية من دون نتائج ملموسة أسهمت في تراجع ثقة المواطنين بجدية هذه المشاريع.
ويؤكد الحسناوي، الحاجة إلى معالجة البيروقراطية والإجراءات المعقدة التي تعرقل تنفيذ المجمعات السكنية، ولا سيما في المحافظات التي تواجه ضغطاً سكانياً متزايداً.
كما يشدد على ضرورة التعامل مع الحق في السكن اللائق بوصفه أولوية ضمن السياسات الوطنية، في ظل تزايد السكان وارتفاع كلف الإيجارات.
ثلاثة عوامل رئيسية
من جانبه، يحدد الخبير الاقتصادي كريم الحلو ثلاثة عوامل رئيسية وراء اتساع أزمة السكن، تتمثل في الزيادة السكانية التي تقدر بنحو مليون نسمة سنوياً، وتوسع النزوح من الريف إلى المدن نتيجة تدهور الأوضاع الزراعية وغياب فرص العمل، فضلاً عن عدم وضع حلول حكومية كافية لمعالجة الأزمة.
ويشير الحلو، إلى أن المجمعات السكنية التي كان يفترض أن تكون موجهة حصراً إلى من لا يمتلكون مساكن، دخلت إليها، بحسب تقديره، أموال المضاربة وغسيل الأموال، إلى جانب شراء بعض التجار والفاسدين أعداداً كبيرة من الوحدات السكنية وإعادة بيعها بأسعار مرتفعة.
وتكشف هذه المعطيات عن جانب آخر من الأزمة، يتمثل في أن زيادة المعروض السكني لا تؤدي بالضرورة إلى تسهيل التملك أمام المواطنين إذا ظلت الوحدات خاضعة للمضاربة، أو تحولت إلى أدوات للاستثمار والادخار بدلاً من كونها مساكن للأسر التي تحتاج إليها. ومن ثم، فإن توسيع البناء من دون وضع ضوابط فعالة للاستحقاق والبيع قد يضيف وحدات جديدة إلى السوق، لكنه لا يضمن وصولها إلى الفئات الأكثر حاجة.
ويشدد الحلو على ضرورة تبني حلول تشمل بناء مجمعات سكنية تناسب الفئات الفقيرة والمتوسطة وذات الدخول الأعلى، وتوفير وحدات للبيع وأخرى للإيجار، مع حصر بعض البرامج السكنية بمن لا يمتلكون مساكن، إلى جانب معالجة الأسباب التي تدفع السكان إلى مغادرة الريف والتوجه نحو المدن.
أراضي التربويين
ولا تقتصر تعقيدات ملف الأراضي على المبادرات العامة، بل تمتد إلى مشاريع تخص شرائح مهنية واسعة، لم تتمكن حتى الآن من حسم استحقاقاتها السكنية.
وفي هذا السياق، كشفت نقابة المعلمين عن دراسة مجلس الوزراء مقترحاً لدمج أراضي منتسبي وزارة التربية ضمن مبادرة «وطن»، بعد قرار إيقاف مشروع المطور العقاري الخاص بهم.
وقال نقيب المعلمين، عدي العيساوي، إن لجاناً مشتركة شُكلت برئاسة رئيس الهيئة العليا التنسيقية وعضوية النقابة ووزارات الزراعة والتربية والبلديات والمالية، لتأسيس لجان فرعية برئاسة المحافظين ومناقشة المقترح، تمهيداً لوضع ضوابط خاصة بمنتسبي الوزارة في حال التوصل إلى رؤية واضحة.
لكن العيساوي يرى أن دمج المشروع في المبادرة العامة لا يخدم منتسبي النقابة بالقدر المطلوب، لأن مبادرة «وطن» تستهدف توزيع مليون قطعة أرض لجميع المواطنين، في حين يتجاوز عدد التربويين المنتمين إلى النقابة مليوناً و250 ألفاً في بغداد والمحافظات.
وأشار إلى أن النقابة تمتلك موافقات حكومية سابقة على مشروع المطور العقاري الخاص بأراضي منتسبيها، وتعمل على إعادة تفعيله بما يضمن شمول المعلمين والمدرسين والإداريين وموظفي الخدمة العاملين في وزارة التربية.
السكن العشوائي
ومن بين الفئات التي يُنتظر أن تستفيد من مبادرة «وطن» سكان الأحياء العشوائية، إلى جانب العاملين في القطاع الخاص المشمولين بالضمان الاجتماعي، وفق ما أوضحه رئيس مجلس محافظة كربلاء، قاسم علي اليساري.
وبيّن اليساري أن التقديم سيكون عبر رابط إلكتروني موحد لجميع المحافظات، مع إعطاء الأولوية لمن لا يمتلكون داراً سكنية أو عقاراً مسجلاً بأسمائهم، وفق ضوابط يجري إعدادها. وأوضح أن شمول سكان العشوائيات يستهدف معالجة هذا الملف، وأن المقصود هو الأحياء السكنية العشوائية القائمة، وليس بالضرورة كل حالة تجاوز على أراضي الدولة.
كما أشار إلى أن تمليك الأراضي المتجاوز عليها يواجه عوائق تتعلق بطبيعة ملكيتها وتخصيصاتها ضمن التصاميم الأساسية، إذ قد تكون بعض المواقع مخصصة للمدارس أو المرافق الأمنية أو الخدمات العامة، فضلاً عن عدم مطابقة بعض الأبنية للمعايير المعتمدة. ولذلك، فإن التوجه المطروح هو منح المستفيدين قطع أراضٍ ضمن المبادرة، مع توفير قروض ميسرة.
وتتطلب معالجة السكن العشوائي، في هذا الإطار، التمييز بين من اضطر إلى السكن في هذه المناطق بسبب الفقر وانعدام البدائل، وبين حالات الاستيلاء على الأراضي العامة لأغراض تجارية أو استثمارية. فالمعالجة التي تقتصر على إزالة التجاوزات من دون تأمين بدائل سكنية مناسبة قد تنقل المشكلة من موقع إلى آخر، من دون أن تنهي أسبابها.
كما أن منح الأرض لا يكفي لضمان انتقال الأسر إلى مساكن نظامية، ما لم تُرفق العملية ببرامج تمويل وبناء وخدمات، تراعي مستويات الدخول وتمنع عودة المستفيدين إلى السكن العشوائي بسبب عجزهم عن إكمال البناء أو تحمل تكاليف العيش في المناطق الجديدة.
مطلوب سياسة إسكانية
إن معالجة أزمة السكن تتطلب الانتقال من سياسة تقوم على إطلاق المبادرات والإعلان عن أعداد الأراضي إلى سياسة إسكانية وطنية طويلة الأمد، تحدد حجم العجز السكني الفعلي، وتوزع المسؤوليات بين الحكومة الاتحادية والمحافظات والجهات الاستثمارية، وتضع جداول زمنية ملزمة للتنفيذ، مع إعلان دوري عن نسب الإنجاز وأسباب التأخير.
ويفترض أن تتضمن هذه السياسة أكثر من مسار، يبدأ بتوفير وحدات سكنية مدعومة أو منخفضة الكلفة للأسر الفقيرة، وتوسيع مشاريع الإيجار الميسر لمن لا يستطيعون التملك، وصولاً إلى تنظيم سوق العقارات والحد من المضاربة على الوحدات السكنية، وتسهيل التمويل للفئات المتوسطة، فضلاً عن تطوير البنى التحتية في المناطق الجديدة قبل توزيع الأراضي أو بالتزامن معه.
ومن الضروري أيضاً ربط الخطط الإسكانية بسياسات تنمية الريف وتوفير فرص العمل والخدمات فيه، للحد من النزوح المتواصل نحو المدن. فاستمرار تراجع النشاط الزراعي وغياب فرص العمل في المناطق الريفية يدفعان مزيداً من الأسر إلى مراكز المدن، حيث تتزايد الضغوط على الأراضي والإيجارات والخدمات، وتتسع الحاجة إلى مساكن جديدة بوتيرة تفوق قدرة المشاريع المتعثرة على الاستجابة.