احتضنت حدائق شارع أبو نؤاس وسط العاصمة بغداد، يومي الجمعة والسبت 30 و31 تشرين الأول 2026، الدورة الحادية عشرة لمهرجان جريدة «طريق الشعب»، تحت شعار «كلمة.. حرية.. أمل»، بمشاركة واسعة من المؤسسات الصحفية والثقافية، ودور النشر والمبادرات المدنية والمنظمات النسوية والفنانين، االقادمين من بغداد ومحافظات عراقية متعددة، في مشهد ثقافي ـ اعلامي جمع الصحافة والفكر والفنون والإبداع.
وعلى امتداد يومين، تحولت الحدائق إلى فضاء مفتوح للحوار المثمر، تداخلت فيه معارض الكتب والصحافة، والندوات الفكرية، والعروض الفنية والموسيقية، والأعمال اليدوية، ومعارض الرسم والتصوير، إلى جانب فعاليات احتفت بالقراءة والتنوير وحرية التعبير، واستقطبت جمهوراً متنوعاً من العائلات والشباب والمثقفين.
الكلمة الحرة والأمل
استُهلت فعاليات المهرجان بكلمة رئيسه مفيد الجزائري، الذي توقف عند أهمية استمرار هذه التجربة ووصولها إلى دورتها الحادية عشرة، مؤكداً أن شعار المهرجان لا يقتصر على كلمات تُرفع في مناسبة ثقافية، بل يعبر عن حاجة المجتمع إلى الكلمة الحرة، وإلى فضاء يسمح بتعدد الآراء وتبادل الأفكار.
وأشار إلى أن الكلمة تظل قيمة متجددة، وأن الحرية شرط أساسي لحضورها، فيما يمثل الأمل ضرورة إنسانية وثقافية لا ينبغي أن تغيب مهما اشتدت التحديات.
وعقب ذلك، افتتح سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي رائد فهمي فعاليات المهرجان رسمياً، وتجول بصحبة جمهرة من الحضور في أجنحته وتفقد خيام المؤسسات الصحفية والثقافية والمنظمات المشاركة، مطّلعاً على إصداراتها وأنشطتها.
الصحافة والإعلام في مواجهة التحولات
احتل الإعلام ومستقبله جانباً مهماً من برنامج المهرجان، عبر ندوات ناقشت أهمية التنوير الاقتصادي الرقمي، وعلاقة الإعلام الرقمي بالعملية التربوية والتعليمية، ودور البرامج الرياضية التلفزيونية في تطوير الرياضة الوطنية.
وشهدت الندوات حوارات بشأن التحولات التي يعيشها الإعلام، والتحديات التي تواجه المؤسسات الصحفية في مواكبة التطور الرقمي، فضلاً عن دور المؤسسات التعليمية في إعداد صحفيين يمتلكون أدوات العمل الإعلامي الحديث، ويستجيبون لمتطلبات المهنة وتغيراتها.
كما تضمن البرنامج لقاءً مفتوحاً مع سكرتير الحزب الشيوعي العراقي رائد فهمي، تناول الأوضاع السياسية والاقتصادية، وأتاح للمشاركين والجمهور فرصة الحوار وتبادل الآراء بشأن القضايا العراقية الراهنة، وما يحيط بها من تطورات تشهدها المنطقة والعالم.
كُتب من مواطن الجبال والأهوار
وكانت المشاركات القادمة من المحافظات والمناطق المختلفة إحدى السمات البارزة للمهرجان، إذ حملت الأجنحة معها تجارب ثقافية وإبداعية متنوعة، عكست ثراء المشهد العراقي وتعدد روافده.
وعرضت مكتبة ودار «نوروز» إصدارات باللغة العربية عن الثقافة الكردية. وقال صاحب الدار حسين قليخال فيلي إن المشاركة تهدف إلى تعزيز التواصل بين مكونات الشعب العراقي، وإتاحة الفرصة أمام المثقف العربي للتعرف على الأدب والفنون الكردية.
ومن ذي قار، حضرت مبادرة «الناصرية تقرأ» بخيمة ثقافية، قدمت من خلالها تجربة في نشر القراءة وتعزيز حضور الكتاب بين الجمهور. وقال الكاتب كرار أحمد إن المبادرة وزعت 10 آلاف كتاب مجاناً في موسمها الأول، وتخطط لتوزيع 20 ألف كتاب في الموسم المقبل، إلى جانب تنظيم فعاليات مسرحية وثقافية.
وأوضح أن المبادرة تسعى أيضاً إلى التعريف بتراث الأهوار وتسليط الضوء على معاناة سكانها جراء الجفاف والتغيرات البيئية.
كما أقامت دار المأمون للترجمة والنشر جناحاً ضم أكثر من 150 عنواناً من إصداراتها، في حضور أتاح للزوار الاطلاع على مجموعة واسعة من الكتب والمطبوعات.
المرأة حاضرة بإبداعها ومبادراتها
وسجلت المشاركة النسوية حضوراً لافتاً في مختلف أركان المهرجان، من الأدب والحرف اليدوية إلى الموسيقى والرسم والأنشطة الثقافية.
وشملت الفعاليات النسوية الأشغال اليدوية والموسيقى والرسم والطهي وتوقيع الكتب والمشاركة في الندوات، بما عكس تنوع المبادرات النسوية واتساع إسهام المرأة في الحياة الثقافية والاجتماعية.
لطفية الدليمي شخصية المهرجان
وخصص المهرجان جانباً مهما من برنامجه للاحتفاء بالكاتبة والروائية والمترجمة لطفية الدليمي، التي اختيرت شخصية هذه الدورة، تقديراً لمكانتها وإنجازها الثقافيين وتجربتها الأدبية وإسهاماتها في السرد والترجمة والثقافة النسوية.
حيث شهد اليوم الثاني ندوة تناولت تجربتها الإبداعية، واستحضرت مسيرتها ومكانتها في المشهد الثقافي العراقي(انظر الصفحتين).
جوائز التنوير وحرية التعبير
وشكلت الجوائز الثقافية والإعلامية محطة بارزة في برنامج المهرجان، الذي يستحضر عبرها أسماء شخصيات عراقية ارتبطت بالتنوير وحرية التعبير والكتابة الصحفية.
وشهدت الدورة الحالية الإعلان عن منح الجوائز الثلاث:
جائزة هادي المهدي لحرية التعبير الى الحركة الاحتجاجية، باسم الشهيد حيدر القبطان.
جائزة كامل شياع لثقافة التنوير الى للدكتور صالح ياسر.
جائزة شمران الياسري (أبو كاطع) للعمود الصحفي الى الصحفي والكاتب الدكتور إبراهيم إسماعيل.
وتجسد هذه الجوائز التقدير للتجارب والمواقف التي تسهم في الدفاع عن حرية الرأي، وترسيخ ثقافة التنوير، وتعزيز دور الصحافة في التعبير عن قضايا المجتمع وحقوقه.
الفن يوسع فضاء المهرجان
ولم تقتصر فعاليات المهرجان على الصحافة والكتاب والندوات، بل امتدت إلى الفنون التشكيلية والموسيقى والغناء والشعر، في تنوع منح الحدائق طابعاً ثقافياً مفتوحاً.
وشهدت الدورة معرضاً لرسوم الفنان خضير الحميري الكاريكاتيرية، المكرسة لموضوعة حرية التعبير، والتي خص بها جريدة «طريق الشعب» ، إلى جانب سمبوزيوم للرسم شارك فيه عديد من الفنانين التشكيليين العراقيين المعروفين.
كما تضمن برنامج المهرجان عروضاً موسيقية وغنائية، ومسرحاً مفتوحاً للمواهب الفنية والشعرية الواعدة، فيما احتضنت الأجنحة المختلفة الأعمال اليدوية ومقتنيات متنوعة ومعارض للرسم والتصوير الفوتوغرافي.
واختتمت فعاليات المهرجان بحفل حاشد القيت فيه كلمة المهلرجان قدمتها الرفيقة انتصار الميالي، عضو اللجنة المركزية للحزب، وكذلك توزيع جوائز المهرجان، وشارك الفنان عمر هادي وفرقته في احيائه.
يذكر ان فعاليات اليوم الاول اختتمت كذلك بحفل كبير القيت فيه كلمة طريق الشعب قدمها الرفيق مفيد الجزائري ، وساهم فيه الشاعر ياس السعيدي وفرقة الفنون البصرية والفنان زيدون حسين وفرقته.
تقليد ثقافي واعلامي يتجدد
وعبّر عديد من المشاركون عن اعتقادهم إن المهرجان يتطور عاماً بعد آخر، سواء في تنوع فقراته أو اتساع مشاركة الشباب والمؤسسات الصحفية والثقافية، بضمنها القادمة من المحافظات، بما يعزز حضوره كملتقى مفتوح للصحافة والثقافة والفنون.
وكان مهرجان «طريق الشعب» قد انطلق لأول مرة عام 2013 في حدائق أبو نؤاس نفسها، التي احتضنت جميع دوراته اللاحقة تقريباً، وحتى دورة هذا العام الحادية عشرة، مع تقليد سنوي يقوم على اختيار شخصية ثقافية تحمل الدورة اسمها وتُكرم تجربتها وإنجازها.
وهكذا، لم تكن حدائق أبو نؤاس على مدى اليومين الأخيرين من تشرين الأول 2026، مجرد مساحة لاستعراض الفعاليات والمبادرات الإعلامية والفنية والثقافية، بل وغدت ملتقى لتجارب عراقية متعددة، تلاقت فيه أصوات الصحافة والفكر والفن، وتجددت فيه رسالة المهرجان في الدفاع عن الكلمة الحرة، وترسيخ الثقافة التنويرية، وإطلاق آفاق الإبداع والأمل.