اخر الاخبار

هل سيتراجع النفوذ الأمريكي أم يعيد تشكيل أدواته؟

نشر موقع Eurasia Review  مقالاً للكاتب جيمس دورسو حول العلاقات الأمريكية العراقية، أشار فيه إلى أن رحيل قوات التحالف الدولي قد يؤدي إلى تراجع تأثير أدوات الضغط المباشر، لكن قدرة واشنطن على ممارسة النفوذ عبر النظام المالي القائم على الدولار، والعقوبات، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، ومبيعات الأسلحة، والاستثمار في التكنولوجيا والطاقة، بموجب اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة عام 2008، لا تزال قوية. وتساءل دورسو عن مدى رغبة البيت الأبيض في استخدام هذه الأدوات للتأثير في القرارات العراقية أو التحكم فيها، متوقعًا أن يكون الفشل مصير النهج الأخير.

حصر السلاح

وأشار الكاتب إلى أن دمج العديد من الفصائل المسلحة الحليفة لإيران في مؤسسة الحشد الشعبي، يمثل القضية الأكثر تعقيداً.  ورأى أن على واشنطن دعم خطة الحكومة العراقية الرامية إلى دمج هذه الفصائل تدريجياً وإنهاء قياداتها المستقلة، محذراً من أن نزع سلاحها فوراً قد يؤدي إلى اندلاع صراع.

كما نصح واشنطن بتجنب مطالبة العراق بقطع صلاته المهمة مع إيران المجاورة، والسماح له بالحفاظ على علاقاته مع كل من واشنطن وطهران، مع دعم سيادته في اتخاذ قراراته الأمنية. ودعا إلى إضفاء طابع استراتيجي أوسع على العلاقات العراقية الأمريكية، مع تقليل التركيز على الجوانب الأمنية، مبررا ذلك بحاجة العراق إلى التكنولوجيا والاستثمارات الأمريكية والغربية في مجالي البنية التحتية والطاقة.

الضغوط المالية

وتوقع الكاتب استمرار النفوذ المالي الأمريكي حتى بعد رحيل القوات، إذ تتدفق عائدات تصدير النفط الخام عبر النظام المالي القائم على الدولار، وتُحفظ في حساب للبنك المركزي العراقي لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. ورغم أن هذه الآلية تندرج في إطار حماية نظام الدولار، ولا ترتبط رسميًا بالقرارات السياسية الداخلية، فإن واشنطن استخدمتها مرارًا للضغط على بغداد. ومما يثير القلق احتمال استخدامها مجددًا إذا احتفظت الفصائل المسلحة بأسلحتها، ولم تتعافَ صادرات النفط من آثار إغلاق مضيق هرمز.

مخاوف حقيقية وأوهام

ورغم تأكيده على أهمية التخلص التدريجي من سلاسل القيادة المستقلة، والعمليات غير المصرح بها، والأسلحة الثقيلة، حذر الكاتب من اللجوء إلى العنف لفرض حصر السلاح بيد الدولة، أو تسريح عشرات الآلاف من العسكريين من دون استيعابهم في مؤسسات الدولة، إذ قد يؤدي ذلك إلى تكرار ما حدث عام 2003، حين حُلَّ الجيش العراقي السابق. 

كما أكد ضرورة التعامل بجدية مع مخاوف إقليم كردستان من التطورات المحتملة بعد الانسحاب، سواء فيما يتعلق بعودة تنظيم داعش الإرهابي إلى النشاط، أو احتمال اندلاع صدام مع حلفاء إيران، أو حتى مع القوات الإيرانية نفسها. ويبدو أن خروقات عديدة في هذا المجال قد ضاعفت تلك المخاوف، ودفعت حكومة الإقليم إلى تذكير بغداد بتعهداتها المعلنة بشأن قدرة قواتها على حماية العراق بأكمله.

ألم تختفِ المبررات؟

وذكر الكاتب أن كثيرًا من العراقيين يتساءلون عن أسباب احتفاظ الفصائل المسلحة بأسلحتها، بعدما كانت تبرر ذلك بوجود قوات أجنبية في العراق؛ وهو الملف الذي أُغلق برحيل القوات الأمريكية والاتفاق على جلاء القوات التركية عن قاعدتين في شمال العراق. كما أن اتخاذ هذه الفصائل قرار المشاركة في الحرب الأخيرة بمعزل عن الحكومة أثار إشكاليات عديدة تتعلق بالسيادة الوطنية وحصرية قرارَي الحرب والسلم بيد الدولة الحديثة، على حد تعبيره.

وأشار الكاتب إلى أن واشنطن قد تقبل، على مضض، بنفوذ إيراني يُمارَس عبر العملية السياسية العراقية، لكنها لن تتقبل أن يُمارَس هذا النفوذ من خلال هيكل عسكري موازٍ، أو عبر حلفاء متغلغلين في البنية التحتية الحيوية.

تغير المواقف

ووفقًا لتقديرات الكاتب، تنظر النخب السياسية العراقية اليوم بإيجابية متزايدة إلى الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، مقارنةً بما كان عليه الحال عام 2011، حين انسحبت القوات الأمريكية للمرة الأولى. كما باتت هذه النخب تنظر إلى الاستثمار والتكنولوجيا والنمو الاقتصادي المشترك باعتبارها مجالات أكثر أهمية من التعاون الأمني وحده. ويعتقد بعضهم أن على واشنطن ترجمة الكلمات الإيجابية التي أطلقها الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش عام 2003، حين احتلت القوات الأمريكية العراق وأسقطت نظام صدام حسين، بشأن قدرة الشعب العراقي على "المشاركة في ركب التقدم والازدهار الذي يشهده عصرنا بعد أن يتحرر من وطأة القمع". 

وذكر الكاتب أن ممارسة قدر أقل من السيطرة العلنية قد تكون أكثر فاعلية في الحفاظ على النفوذ الأمريكي وتوسيع التعاون، في ضوء خمسين اتفاقية ومذكرة تفاهم وُقّعت بين الحكومة العراقية وشركات أمريكية، بقيمة إجمالية تتجاوز 60 مليار دولار أمريكي في تموز الماضي.