لم يعد الهاتف مجرد وسيلة للترفيه لدى كثير من الأطفال بل أصبح جزءا من يومهم يصعب التخلي عنه مع الانتقال المستمر بين مقاطع الريلز التي تقدم محتوى سريعا ومتجددا. وفيما تلجأ بعض الأسر إلى الهواتف لإشغال أطفالها، تواجه صعوبة في إقناعهم بتركها والعودة للعب الأنشطة اليومية.
وهنا، يقول مراقبون ان تأثير هذه المقاطع ينعكس في سلوك الأطفال وعلاقاتهم الاجتماعية، وقدرتهم على الصبر والتركيز، وسط اختلاف واضح بين تجارب الطفولة اليوم وما عاشته الأجيال السابقة.
مخاطر الهاتف على الأطفال
تقول رسل علي، أم لطفلين، إن الهاتف ومقاطع الريلز أصبحا يشغلان جزءا كبيرا من يوم طفليها؛ إذ يقضيان وقتا طويلا في التنقل بين الفيديوهات القصيرة، ما جعلها تلاحظ صعوبة في إقناعهما بترك الهاتف والانتقال إلى أنشطة أخرى، حتى عندما تحاول إشغالهما باللعب أو قضاء الوقت مع العائلة. وتبين انها تعطيهما الهاتف حتى تتخلص من ازعاجهما.
وتضيف علي في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن المشكلة كانت تظهر بوضوح عندما تطلب منهما إغلاق الهاتف، إذ يصران على مواصلة المشاهدة، وقد يدخلان في نوبات من البكاء والرفض، فيما تجد نفسها مضطرة لتكرار الطلب أكثر من مرة، وأحيانا الدخول في نقاش طويل معهما.
وتوضح أن الأمر لم يكن سهلا عليها، خصوصاً عندما تكون منشغلة بأعمال المنزل؛ إذ كان الهاتف يوفر لهما وسيلة سريعة للتسلية، لكنه في الوقت نفسه جعل تحديد وقت المشاهدة أمرا صعبا.
وتتابع علي، أنها بدأت تبحث عن طريقة تساعدها على تنظيم استخدام طفليها للهاتف، إلى أن اكتشفت خاصية تحديد وقت استخدام التطبيقات في إعدادات الجهاز، التي تتيح وضع مدة زمنية محددة، وبعد انتهائها يتوقف التطبيق عن العمل وفق الإعدادات المختارة. وقررت تجربة الخاصية لتقليل الوقت الذي يقضيه الطفلان في مشاهدة المقاطع القصيرة، أملا في أن يساعدها ذلك على وضع حدود واضحة للاستخدام.
لكنها تفاجأت بأن المشكلة لم تنته بمجرد تفعيل الخاصية، إذ استمر الطفلان في الاعتراض والبكاء عند توقف التطبيق، ومحاولة إقناعها بالسماح لهما بوقت إضافي.
وتقول إن التجربة جعلتها تدرك أن تنظيم استخدام الهاتف لا يعتمد على إعدادات الجهاز وحدها، بل يحتاج إلى صبر واستمرار في تطبيق القواعد، بجانب توفير أنشطة بديلة تجذب اهتمام الطفلين وتساعدهما على الابتعاد عن الشاشة تدريجيا، خاصة وانهما أصبحا منعزلين عن اللعب مع الأطفال.
تأثير الريلز في سلوك الأطفال
تقول الباحثة الاجتماعية بلقيس الزاملي، إن الاستخدام المفرط لمقاطع الريلز قد ينعكس على سلوك الأطفال داخل المنزل وخارجه، وحتى للكبار، موضحة أن بعض الأسر تلاحظ وجود صعوبة في إقناع أطفالها بترك الهاتف، أو شعورهم بالملل سريعاً عند ممارسة أنشطة تحتاج إلى وقت، مثل القراءة أو الرسم أو إكمال لعبة مع إخوتهم.
وتضيف الزاملي لـ"طريق الشعب"، أن الطفل الذي اعتاد مشاهدة مقاطع متتابعة لا تتجاوز ثواني أو دقائق قد يصبح أكثر ميلاً إلى تغيير النشاط عندما لا يحصل على المتعة بسرعة، مبينة أن ذلك لا يعني بالضرورة أن كل طفل يشاهد المقاطع القصيرة سيواجه مشكلة في التركيز، لكن من المهم الانتباه للوقت الذي يقضيه أمام الشاشة وتأثيره في أنشطته اليومية.
وتوضح أن مسؤولية الأسرة لا تقتصر على منع الهاتف أو تحديد ساعات استخدامه، بل تشمل أيضاً توفير بدائل تجذب الطفل، مثل اللعب الجماعي والخروج إلى الحدائق وممارسة الهوايات، مشيرة إلى أن بعض الأهل يلجؤون إلى إعطاء الهاتف للطفل عند انشغالهم بأعمال المنزل أو لتجنب بكائه، ما قد يحوله تدريجياً إلى وسيلة أساسية للتهدئة والتسلية.
وتتابع الزاملي أن الاعتماد المستمر على الهاتف قد يقلل فرص تفاعل الطفل مع أقرانه، فعلى سبيل المثال، قد يفضل بعض الأطفال البقاء أمام الشاشة بدلاً من المشاركة في اللعب مع أطفال آخرين، فيما قد يواجهون صعوبة في تقبل الخسارة أو انتظار دورهم في الألعاب الجماعية، وهي مواقف يتعلم الأطفال من خلالها الصبر والتعاون والتعامل مع الآخرين.
وتؤكد أن التعامل مع هذه الظاهرة يتطلب مشاركة الأسرة والمدرسة، إلى جانب توفير مساحات آمنة للعب والأنشطة الترفيهية، لافتة إلى أن الهدف ليس حرمان الأطفال من التكنولوجيا، وإنما مساعدتهم على استخدامها باعتدال، من دون أن تحل محل تجارب الطفولة الأساسية.
إشكاليات الترفيه الرقمي
من جانبها، تقول التربوية هدى ياسر، ان الاختلاف بين الاطفال اليوم والاجيال السابقة لم يعد يقتصر على الألعاب ووسائل الترفيه، امتد لطريقة قضاء الوقت والتعامل مع التفاصيل اليومية، موضحة أن الطفل في السابق كان ينتظر موعد اللعب مع أصدقائه أو عودته من المدرسة حتى يخرج إلى الشارع، بينما أصبح الهاتف اليوم متاحا في أي لحظة، ويستطيع الطفل الانتقال بين عشرات المقاطع خلال دقائق معدودة.
وتضيف ياسر لـ"طريق الشعب"، ان ما يلفت الانتباه في الجيل الحالي هو سرعة انتقاله من شيء الى آخر في وقت كانت فيه الألعاب القديمة حتى البسيطة منها، تفرض على الأطفال الانتظار والتفكير والاتفاق مع الآخرين على قواعد اللعب.
أما اليوم، فإن بعض اشكال الترفيه الرقمية تقدم للطفل محتوى جديدا باستمرار، من دون أن يحتاج لبذل جهد كبير للحصول عليه، وهو ما يثير تساؤلات بشأن تأثير هذه العادات في قدرته على الاستمرار بنشاط واحد مدة أطول.
وتوضح كحلاء أن الفرق يظهر أيضا في مصادر المعرفة والاهتمامات؛ ففي السابق كان الطفل يعتمد بدرجة أكبر على ما يسمعه من أسرته ومعلميه وما يقرأه في الكتب، أما الآن فيتعرض لمحتوى متنوع قد يتجاوز عمره ومرحلة إدراكه، وقد يقلد كلمات أو حركات يشاهدها في المقاطع من دون أن يفهم معناها أو ملاءمتها للموقف. وهنا، بحسب قولها، لا تكمن المشكلة في اطلاع الأطفال على العالم بل في وصولهم إلى محتوى متنوع من دون توجيه كاف أو قدرة على التمييز بين ما يناسبهم وما لا يناسبهم.
وتشير الى ان المقارنة بين الأجيال لا تعني أن الأطفال في الماضي كانوا أفضل في كل شيء، فلكل جيل ظروفه ووسائله، كما تتيح التكنولوجيا الحالية فرصاً للتعلم واكتساب المهارات. لكن الفارق، كما تراه، هو أن الطفل سابقا كان يحتاج للبحث والسؤال والتجربة حتى يصل لما يريد، بينما أصبح المحتوى يصل إليه تلقائياً، الأمر الذي يجعل دور الأسرة والمدرسة أكثر أهمية في تعليمه الاختيار، وعدم التعامل مع كل ما يظهر على الشاشة بوصفه أمرا يستحق المشاهدة.