لا تنتهي معاناة سكان القرى البعيدة في ذي قار عند نقص خدمة واحدة، فالمسافة عن مراكز المدن تضعهم أمام سلسلة من المشكلات المتداخلة، تبدأ من المياه ولا تنتهي عند الصحة والتعليم وفرص العمل، وبين مشاريع خدمية متأخرة وأخرى لم تكتمل، يجد سكان المناطق الطرفية أنفسهم أمام واقع تنموي أقل من احتياجاتهم، وتتحول المسافات الطويلة لجزء ثابت من حياتهم اليومية.
اتساع الفجوة التنموية بين المدن والارياف
يقول سجاد ستار، ناشط سياسي من ذي قار، إن ما تشهده المحافظة ولا سيما قضاء الناصرية من ارتفاع في معدلات البطالة وتعثر المشاريع، يتجاوز كونه مشكلة إدارية ليكشف عن أزمة تنموية تنعكس بشكل أكبر على المناطق البعيدة عن مراكز المدن، حيث تتراكم مشكلات نقص الخدمات وفرص العمل، وتتسع الفجوة بين تلك المناطق ومراكز المحافظات.
ويضيف ستار لـ"طريق الشعب"، أن أبناء المناطق الطرفية يواجهون واقعا أكثر صعوبة، في ظل محدودية الخدمات الأساسية وتأخر المشاريع التي يمكن أن توفر فرصاً للعمل وتحسن الظروف المعيشية، موضحاً أن استمرار المشاريع المتلكئة وتأخر تنفيذ الخطط التنموية يفاقمان من معاناة السكان، ويدفعان كثيراً من الشباب إلى البحث عن فرص في مناطق أخرى.
ويعتقد أن ذي قار لا تعاني من نقص في المقومات بقدر ما تعاني من ضعف في التخطيط وبطء في الإنجاز وسوء إدارة الملفات الخدمية والتنموية، الأمر الذي جعل مناطق واسعة خارج مراكز المدن، تواجه تحديات متراكمة من دون حلول مستدامة.
ويتابع أن استمرار هذا الواقع ينعكس على حياة المواطنين اليومية، من فرص العمل لمستوى الخدمات، ويعمّق شعور السكان ولا سيما الشباب، بأن مناطقهم لا تحظى بالاهتمام الكافي، محذراً من أن اتساع الفجوة التنموية بين مراكز المدن والمناطق الطرفية سيؤدي إلى مزيد من الفقر والإحباط وتراجع الثقة بالمؤسسات الحكومية.
ويرى ستار، أن معالجة أزمة ذي قار تتطلب الانتقال من الوعود والخطط المؤجلة إلى مشاريع فعلية تصل إلى المناطق التي تعاني نقصاً في الخدمات وفرص العمل، مؤكداً أن نجاح الحكومتين المحلية والمركزية يجب أن يقاس بما يتحقق على الأرض، وبمدى قدرة المشاريع التنموية على تحسين حياة السكان في مختلف مناطق المحافظة، وليس في مراكز المدن فقط.
متعارضون يصلون السماء قبل وصول المستشفى
يقول رئيس لجنة الصحة والبيئة في مجلس محافظة ذي قار، د. احمد الخفاجي، ان المحافظة، التي تعد رابع محافظات العراق من حيث عدد السكان، تعاني نقصاً في الخدمات الصحية المتكاملة في المناطق البعيدة عن مركزها، نتيجة اتساع رقعتها الجغرافية وتباعد مناطقها السكنية.
ويوضح الخفاجي لـ"طريق الشعب"، أن "المحافظة مترامية الأطراف إذ تبعد بعض القرى عن مركز المحافظة أكثر من 150 كيلومتراً، فيما تعاني المستشفيات والمراكز الصحية في الأقضية والنواحي البعيدة نقصاً كبيراً في الملاكات الطبية المتخصصة والأجهزة الطبية والأدوية".
ويشير الى أن "هذا النقص يدفع المواطنين في المناطق النائية إلى السفر نحو مدينة الناصرية لتلقي العلاج في مستشفيات مركز المحافظة، ما يشكل عبئاً إضافياً على المرضى وذويهم".
ويجد أن "قطع هذه المسافات الطويلة للوصول للخدمات الصحية قد يؤدي إلى تفاقم الحالات المرضية، ولا سيما مع تأخر تلقي العلاج، الأمر الذي قد يتسبب بمضاعفات خطرة تهدد حياة بعض المرضى".
ويؤكد أهمية استكمال الخدمات الصحية في المناطق النائية وتوفير الملاكات الطبية والأجهزة والأدوية اللازمة بما يضمن حصول المواطنين على الرعاية الصحية بالقرب من مناطق سكنهم ويحد من اضطرارهم لقطع مسافات طويلة للحصول على العلاج.
نقص في الخدمات الأساسية
يقول معن الغالبي، أحد سكان قرية السحالات، في محافظة ذي قار، إن سكان القرى البعيدة عن مراكز المدن ما زالوا يواجهون تهميشا خدميا برغم إدراج عدد من المشاريع ضمن خطط حكومية، يفترض أن تسهم في تحسين واقعهم المعيشي.
ويضيف الغالبي لـ"طريق الشعب"، أن قرية السحالات، بجانب قرى أخرى قريبة منها، تعاني من مشكلات مرتبطة بتوفير المياه، الأمر الذي يجعل الاهالي يعتمدون على حلول مؤقتة، لا توفر استقراراً حقيقياً للخدمة، خصوصاً خلال فترات شح المياه وارتفاع درجات الحرارة.
ويشير إلى أن "وزارة التخطيط أعلنت في شباط 2025 عن مشروع لمد خط ناقل للماء لقرية السحالات، ضمن مشاريع الصندوق الاجتماعي للتنمية في ذي قار، إلى جانب مشاريع لشبكات المياه في قرى الدبات وأبو هيفة، وهي مشاريع قالت الوزارة إنها تستهدف نحو 12 ألف مواطن. كما أعلنت الوزارة حينها أن نسبة إنجاز مشروع المياه بلغت 83 في المائة، وأن إنجازه كان متوقعاً قبل نهاية العام".
ويضيف أن المشكلة بالنسبة لسكان القرى لا تتعلق بالمياه وحدها إذ إن البعد عن مراكز المدن يجعل الوصول إلى عدد من الخدمات أكثر صعوبة، سواء في الصحة أو التعليم أو النقل، فيما تتحول المسافات الطويلة لجزء يومي من حياة السكان، ولا سيما عند الحاجة إلى مراجعة المراكز الصحية أو إنجاز المعاملات او الوصول للمدارس والخدمات الحكومية.
ويحذر من ان تأخر المشاريع أو عدم اكتمالها يضاعف شعور الأهالي بأن الخدمات تصل إلى مراكز المدن بصورة أسرع من المناطق الريفية، مؤكداً أن سكان القرى لا يطالبون بخدمات استثنائية، وإنما بخدمات أساسية ومستقرة، تضمن لهم ظروفاً معيشية أفضل.
ويرى ان المسؤولين يتخذون من القرى والنواحي مراكز انتخابية يزورونها قبيل الانتخابات بشهر، ويختفون بعد انتهاء الانتخابات.
ويرى أن معالجة واقع القرى تحتاج لمتابعة المشاريع بعد إحالتها وليس الاكتفاء بإعلانها او تحديد نسب إنجاز لها، فضلا عن وضع المناطق الأبعد عن مراكز المدن ضمن أولويات الخطط الخدمية، لأن استمرار ضعف الخدمات يدفع السكان ولا سيما الشباب، للبحث عن فرص العمل والتعليم والخدمات في المدن، ويزيد الفجوة بين الريف ومراكز المحافظات.