أشعل قرار تغيير سعر صرف الدينار العراقي نار الأسعار في الأسواق، من دون أن ترافقه إجراءات جدية لحماية القدرة الشرائية للمواطنين أو تدعيم دخولهم، ولا سيما ذوي الدخل المحدود الذين سيكونون أول من يدفع ثمن القرار. فالحكومة التي راحت تبحث عن مخارج لأزمتها المالية وتحاول إنقاذ نفسها من ضغوطها الاقتصادية، لم تبدُ في المقابل منشغلة بالقدر نفسه بما سيحل بالمواطنين الذين ستتآكل دخولهم بفعل ارتفاع أسعار السلع والخدمات.
ولم يتوقف أثر القرار عند حدود الأرقام والنشرات الرسمية، بل سرعان ما امتد إلى السوق، حيث يتحول أي انخفاض في قيمة الدينار إلى موجة غلاء تطال الاحتياجات الأساسية وتزيد الأعباء على الأسر العراقية. وفي بلد يعتمد فيه ملايين المواطنين على رواتب ثابتة ومداخيل محدودة، فإن رفع سعر الدولار يعني عملياً خفض قيمة ما يحصلون عليه من أجور ومدخرات، وتركهم في مواجهة أسعار تتغير بسرعة أكبر من قدرتهم على التكيف معها.
وفي مقابل ذلك، تعالت أصوات من داخل مجلس النواب رفضا للقرار، في ظل غياب معالجات واضحة لحماية الفئات الأكثر تضرراً.
ويبدو أن القرار، الذي اتخذ في محاولة لمعالجة اختلالات مالية، لم يحظَ بما يكفي من الدراسة بشأن انعكاساته الاجتماعية والمعيشية، ليجد المواطن نفسه مرة أخرى في مقدمة من يتحمل كلفة السياسات الاقتصادية، من دون أن يكون له دور في صناعتها.
مسودة قانون موازنة 2027
وتطرح الأرقام الأولية لموازنة العراق لعام 2027 جملة من التساؤلات بشأن قدرة السياسة المالية على تحقيق التوازن بين الإنفاق العام والإيرادات، في ظل نفقات تقترب من 217.2 تريليون دينار مقابل إيرادات بنحو 174.2 تريليون دينار وعجز يتجاوز 43 تريليون دينار.
ومع استمرار اعتماد الجزء الأكبر من الإيرادات على النفط، وارتفاع حصة النفقات التشغيلية والرواتب والرعاية الاجتماعية من إجمالي الإنفاق، يبرز سعر الصرف بوصفه أحد المتغيرات المؤثرة في احتساب الإيرادات النفطية بالدينار، خصوصاً مع اعتماد 1500 دينار للدولار في تقديرات الموازنة.
وبينما تفتح هذه الأرقام نقاشاً حول مصادر تمويل العجز ومدى استدامة الإنفاق العام، تتباين قراءات الخبراء بشأن انعكاسات الموازنة على المالية العامة والمواطن والاقتصاد العراقي.
إنفاق تشغيلي مرتفع
وتكشف الأرقام الأولية لموازنة 2027 عن استمرار اختلال هيكل المالية العامة، مع بلوغ النفقات 217.239 تريليون دينار مقابل إيرادات تبلغ 174.234 تريليون دينار، وبعجز مخطط يقارب 43 تريليون دينار.
ولا تكمن المشكلة في حجم العجز وحده، بقدر ما تظهر في طبيعة الإنفاق ومصادر تمويله، إذ تستحوذ النفقات التشغيلية على نحو 78 في المائة من إجمالي الإنفاق، مقابل نحو 22 في المائة للنفقات الاستثمارية.
وتزداد حساسية هيكل الموازنة مع وصول الرواتب والرعاية الاجتماعية إلى 101.157 تريليون دينار، بما يعادل نحو 46.6 في المائة من إجمالي النفقات، في وقت لا تزال فيه الإيرادات النفطية تشكل أكثر من 83 في المائة من الإيرادات العامة المقدرة. وتعكس هذه الأرقام استمرار اعتماد المالية العراقية بدرجة كبيرة على النفط، مقابل محدودية الإيرادات غير النفطية قياساً بحجم الإنفاق العام.
وتأتي هذه المؤشرات بالتزامن مع تعديل سعر صرف الدينار، إذ حدد البنك المركزي سعر شراء الدولار من وزارة المالية عند 1500 دينار، وبيعه للمصارف عند 1510 دنانير، وللجمهور عند 1520 ديناراً، اعتباراً من 7 تشرين الأول 2026. ويمنح اعتماد سعر أعلى للدولار مقابل الدينار الحكومة عدداً أكبر من الدنانير مقابل إيراداتها النفطية المقومة بالدولار، لكنه يأتي في الوقت نفسه في ظل اعتماد الموازنة على سعر صرف 1500 دينار للدولار ضمن احتساب إيرادات صادرات النفط.
مواصلة الاقتصاد الريعي
يرى استاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي، أن تقييم موازنة العراق لعام 2027 لا ينبغي أن يقتصر على حجم الإنفاق أو العجز، بل يجب أن يركز على اتجاهات المالية العامة: هل هي موازنة إصلاحية تعالج اختلالات الاقتصاد، أم محاولة للحفاظ على الإنفاق القائم عبر البحث عن موارد إضافية؟
ويقول السعدي في تعليق لـ"طريق الشعب"، إن المشكلة الأساسية تتمثل في استمرار إدارة اقتصاد ريعي كبير بالآليات نفسها، مع بقاء الإنفاق الجاري مرتفعاً والاعتماد على النفط كبيراً. فالموازنة تتضمن تثبيت العقود والأجراء وإضافة نحو 100 ألف عقد جديد، ما يزيد الالتزامات المرتبطة بالأجور بدلاً من معالجة تضخم القطاع العام. ولا يعني ذلك وقف التوظيف في القطاعات المحتاجة أو التخلي عن الحماية الاجتماعية، لكن الوظائف الحكومية لا يمكن أن تكون بديلاً عن خلق فرص عمل في الاقتصاد الحقيقي. ويؤكد أن العراق يحتاج إلى الانتقال من دولة توظف المواطنين إلى دولة تهيئ بيئة تجعل الاقتصاد يوظفهم.
سعر الصرف
ويعد السعدي سعر الصرف أكثر نقاط الموازنة حساسية. فرفع سعر الدولار إلى 1500 دينار، ووصول سعر البيع للمستفيد إلى 1520 ديناراً، يمنح الحكومة دنانير أكثر مقابل الإيرادات النفطية. غير أن هذا المورد لا ينتج عن زيادة في الإنتاج أو تنويع الإيرادات، بل تنتقل كلفته إلى الاقتصاد والمستهلك عبر ارتفاع أسعار السلع والخدمات المستوردة وتراجع القوة الشرائية.
ويستنتج، أن تغيير سعر الصرف لا يمثل إصلاحاً مالياً بحد ذاته، بل أداة قد توفر متنفساً مؤقتاً من دون معالجة أصل المشكلة.
وتؤكد أرقام المسودة استمرار الاعتماد على النفط؛ إذ تبلغ الإيرادات النفطية نحو 144.7 تريليون دينار من أصل 174.2 تريليوناً، أي قرابة 83 في المائة من إجمالي الإيرادات.
ويعتقد السعدي أن الأزمة المالية يجب شأن تكون فرصة لإعادة بناء الموازنة، عبر خفض الإنفاق التشغيلي غير الضروري، ومراجعة الرواتب والمخصصات والامتيازات، ومعالجة الازدواج الوظيفي، وتحويل الإنفاق من الاستهلاك إلى الاستثمار المنتج الذي يولد دخلاً وفرص عمل خارج القطاع الحكومي.
ويحذر من اعتماد معالجة العجز على زيادة الموارد عبر سعر الصرف أو الرسوم والضرائب، مع إبقاء حجم الإنفاق وهيكله دون تغيير، لأن المواطن سيتحمل جزءاً من كلفة الاختلال. ويشدد على ضرورة خفض الهدر، وضبط نمو فاتورة الرواتب، وإصلاح المؤسسات، ورفع كفاءة الاستثمار العام، وزيادة الإيرادات غير النفطية بصورة حقيقية.
ويخلص إلى أن التنويع لا يتحقق برفع تقديرات الإيرادات على الورق، بل بوجود قطاع خاص منتج، وصناعة وزراعة وخدمات قابلة للنمو، ونظام ضريبي وجمركي فعال، ومصارف تمول الاقتصاد، وبيئة استثمارية تقلل الاعتماد على النفط، منبها إلى أن رفع سعر الصرف يوفر دنانير أكثر، والتعيينات تمنح دخلاً لآلاف الأسر، وزيادة الإيرادات النفطية قد تسد جزءاً من العجز، لكن أياً منها لا يبني اقتصاداً منتجاً. لذلك يجب أن تبدأ الموازنة بالإصلاح، لا من جيب المواطن، بل من إعادة هيكلة الدولة نفسها.
الموازنة بالارقام
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي والاكاديمي د. نبيل المرسومي إن الأرقام الأولية في موازنة عام 2027 تشير إلى أن إجمالي النفقات العامة يبلغ 217.239 تريليون دينار، موزعة بين 47.897 تريليون دينار للنفقات الاستثمارية و169.342 تريليون دينار للنفقات التشغيلية.
واضاف المرسومي أن رواتب الموظفين على الملاك الثابت تبلغ 68.125 تريليون دينار، بزيادة قدرها 8.951 تريليون دينار، فيما تبلغ مخصصات الرعاية الاجتماعية 33.032 تريليون دينار، بزيادة قدرها 8.329 تريليون دينار.
وأشار إلى أن إجمالي الرواتب والرعاية الاجتماعية يبلغ 101.157 تريليون دينار، موضحا أن الإيرادات العامة تبلغ 174.234 تريليون دينار، تتوزع بين 144.720 تريليون دينار للإيرادات النفطية و29.514 تريليون دينار للإيرادات غير النفطية.
غياب الخطوات الاصلاحية
الى ذلك، اكد الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي أن مسودة موازنة العراق لعام 2027، وما رافقها من حديث عن سعر الصرف، تعكس استمرار الضغوط المالية وغياب المعالجات الكافية لتداعيات الحرب على إيران، محذراً من تحميل المواطنين جزءاً من كلفة الاختلالات المالية والإدارية.
وقال الهاشمي لـ"طريق الشعب"، إن تفاصيل الموازنة المقترحة تشير إلى أن الوضع المالي للحكومة لا يزال غير مريح، في ظل استمرار ارتفاع الإنفاق والهدر مقابل تذبذب الإيرادات، معتبراً أن الاعتماد على الإيرادات النفطية والاقتراض لم يعد كافياً لتغطية الإنفاق العام المتزايد. وأضاف أن اللجوء إلى تغيير سعر الصرف، سيكون خياراً لتأجيل مسار الإصلاح المالي، الذي يتطلب إجراءات وقرارات أكثر صرامة لمعالجة الاختلالات في الإنفاق والإيرادات، محذراً من أن تخفيض قيمة الدينار قد يؤدي إلى تحميل المواطنين تبعات الإخفاقات المالية والإدارية.
وفي ما يتعلق باستحداث 150 ألف وظيفة جديدة ضمن الموازنة المقترحة، أشار الهاشمي إلى أن ذلك قد يؤدي إلى توجيه جزء من آثار تغيير سعر الصرف نحو زيادة أعداد الموظفين، في وقت تعاني فيه مؤسسات الدولة، بحسب رأيه، من تضخم في أعداد العاملين.
وأوضح أن زيادة التوظيف الحكومي يمكن أن تكون مبررة في حال جرى استبدال موظفين وهميين بموظفين حقيقيين، بما يسهم في تقليص الهدر والفساد المرتبطين بالوظائف الوهمية، وضمان توجيه الرواتب إلى موظفين فعليين قادرين على تقديم قيمة مضافة للمؤسسات الحكومية. وأشار الهاشمي إلى أن الموازنة المقترحة، رغم ما وصفه بمحاولات الحكومة إبراز جوانب إيجابية فيها، لا تزال تحمل بعض سمات الموازنات السابقة، وفي مقدمتها تضخم الإنفاق الجاري، واستمرار مستويات الهدر، وضعف الإنفاق الاستثماري، فضلاً عن محدودية تنمية الإيرادات غير النفطية. ولفت إلى وجود محاولة لتطبيق خطة البرامج والأداء، إلا أنه اعتبرها محدودة ولا تزال نتائجها غير مضمونة، مؤكداً أن استمرار هذه المؤشرات يعكس، من وجهة نظره، غياب خطوات إصلاحية واضحة يمكن أن تحدث تحولاً ملموساً في الاقتصاد العراقي وتخفف الأعباء عن المواطنين.
تآكل مباشر لدخل الموظف والمتقاعد
من جانبه، انتقد النائب حسين العنكوشي القرار، معتبرا أن رفع سعر الصرف يمثل، من الناحية الاقتصادية، إعادة تسعير للقوة الشرائية للمواطن العراقي. وأوضح أن راتب المليون دينار، الذي كانت قوته الشرائية تعادل نحو 757 دولارا وفق السعر السابق، بات يعادل نحو 666 دولارا بالسعر الرسمي الجديد، فيما تنخفض قيمته أكثر عند احتساب سعر السوق.
وقال العنكوشي إن هذا الانخفاض يمثل، بحسب تقديره، تآكلا مباشرا في دخول الطبقة المتوسطة والموظفين والمتقاعدين، محذرا من أن أي إصلاح للمالية العامة ينبغي ألا يتحول إلى كلفة يتحملها المواطن أو القطاع الخاص.
الشارع لن يتحمل أعباء جديدة
فيما دعا النائب مقداد الخفاجي، مجلس النواب إلى عقد جلسة طارئة وإلزام الحكومة بالتراجع عن قرار رفع سعر الصرف، محذرا من انعكاساته على الأسعار والقوة الشرائية للمواطنين.
وقال الخفاجي إن رفع سعر الدولار يأتي في وقت تتنافس فيه الكتل السياسية على الوزارات واستحداث المناصب، معتبرا أن القرار يضيف عبئا جديدا إلى المواطن العراقي، ويزيد الضغوط على الموظفين وأصحاب الدخل المحدود.
وطالب الحكومة بإعادة النظر في القرار وتقييم آثاره الاقتصادية والمعيشية، واضعا مصلحة المواطن وقوته الشرائية في مقدمة الاعتبارات.
القرار سيضغط على السوق والأسعار
أما النائبة ابتسام هاشم الهلالي فرفضت قرار تغيير سعر الصرف، محذرة من تداعياته المباشرة على الاقتصاد والأسواق المحلية.
وقالت الهلالي إن معالجة الأزمة المالية، بحسب رؤيتها، كان يفترض أن تتم بسعر صرف أقل، مشيرة إلى أن رفع الدولار سينعكس على أسعار المواد الغذائية وحركة السوق، فيما أكدت أن مجلس النواب سيكون له رأي في تعديل سعر الصرف ضمن قانون الموازنة وبالتشاور مع الحكومة.