مع دخول مئات الآلاف من الشباب العراقيين إلى سوق العمل سنويا تتسع الفجوة بين أعداد الباحثين عن وظائف وقدرة السوق على استيعابهم، في ظل استمرار اعتماد البلاد على النفط والإنفاق الحكومي، وضعف القطاعات الإنتاجية والقطاع الخاص.
ويضع هذا الواقع العراق أمام تحد اقتصادي متصاعد، لا يتعلق بالبطالة وحدها، بل بقدرته على تحويل النمو السكاني والشريحة الشابة إلى قوة منتجة، عبر توفير وظائف مستقرة ومستدامة في مختلف المحافظات.
وتتواصل احتجاجات الخريجين القدامى وحملة الشهادات العليا والأوائل في بغداد وعدد من المحافظات، للمطالبة بتوفير فرص العمل والتعيين الحكومي، وتشريع قانون ينصف الخريجين القدامى، وإدراج تعيينات أصحاب الشهادات العليا والأوائل ضمن الموازنة العامة. وقد شهد بعض تلك الاحتجاجات، تصعيداً وتدافعاً مع قوات مكافحة الشغب في أواخر أيلول الماضي، بينما تتواصل الوقفات والاحتجاجات قرب وزارة المالية والمنطقة الخضراء ومواقع أخرى في بغداد.
وتعاطيا مع ذلك، وجّه رئيس الوزراء علي الزيدي بتوفير 150 ألف فرصة عمل للخريجين، في خطوة تهدف إلى معالجة جزء من أزمة البطالة وتوسيع فرص العمل أمام الباحثين عن وظائف.
قطاعات معطلة والبطالة تتزايد
يقول مصطفى عبد الواحد، المدير التنفيذي لمنظمة تدارك لحقوق الانسان، ان "العراق ما يزال يفتقر لهوية اقتصادية واضحة يمكن على أساسها وضع خطط تستجيب لاحتياجات سوق العمل"، مبيناً أن عدم حسم طبيعة العلاقة بين القطاعين العام والخاص.
ويضيف عبد الواحد في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن البطالة ولا سيما بين الشباب، تمثل مؤشرا متزايدا مع ارتفاع أعداد السكان، في ظل عدم وجود حلول حقيقية تستوعب الداخلين الجدد إلى سوق العمل، موضحاً أن القطاع العام لا يزال الخيار الاساسي أمام الشباب الباحثين عن العمل، لاسباب من بينها الضمانات الوظيفية التي يوفرها.
ويشير الى ان العراق يواجه نوعين من البطالة إحداهما البطالة المقنعة التي تظهر في وجود اعداد كبيرة من الموظفين في مؤسسات وقطاعات لا تتناسب أعداد العاملين فيها مع حجم الإنتاج والحاجة الفعلية، مستشهداً بعدد من الشركات والمصانع التابعة لوزارة الصناعة والمعادن، التي تضم آلاف الموظفين، لكنها لا تحقق إيرادات تغطي حتى كلف رواتب العاملين فيها.
ويتابع ان هذا الواقع يجعل حجم البطالة الحقيقية أكبر مما تظهره المؤشرات الرسمية، لافتا الى أن تنظيم القطاع الخاص ما يزال دون المستوى المطلوب، رغم وجود قانون العمل رقم 37 لسنة 2015، لكن المشكلة لا تكمن في التشريع فقط، وإنما في ضعف الاجراءات التنفيذية والرقابة على تطبيقه.
ضمانات لا تحمي حقوق العاملين
ويؤكد أن أوضاع العاملين في القطاع الخاص لا تتناسب في كثير من الحالات مع حجم الجهد والعائدات المالية التي تحققها الشركات، في ظل ضعف الضمانات الحقيقية التي تحمي العاملين وتضمن استمرارهم في وظائفهم، فضلاً عن الحاجة إلى تفعيل نظام الضمان الاجتماعي من خلال المؤسسات المعنية.
ويقول عبد الواحد إن هذه المشكلات لم تُعالج ضمن استراتيجيات واضحة للحد من البطالة، منتقداً رفع شعارات القضاء الكامل عليها خلال الحملات الانتخابية، معتبرا أن القضاء على البطالة بصورة نهائية أمر غير واقعي، فيما يمكن العمل على خفض مستوياتها تدريجياً من خلال سياسات اقتصادية وتشغيلية واضحة.
ويشير كذلك إلى مشكلة الازدواجية في العمل، موضحا أن عددا من العاملين في القطاع العام يعملون في الوقت نفسه في القطاع الخاص، مستفيدين من ساعات العمل أو الإجازات الممنوحة لهم، الأمر الذي يزيد الضغط على فرص العمل المتاحة أمام الباحثين عنها، ويؤكد الحاجة إلى تنظيم حالات الجمع بين العملين ووضع ضوابط أكثر فاعلية.
500 ألف شخص يدخلون سوق العمل سنويا
من جانبه، بين رئيس مؤسسة عراق المستقبل للدراسات والاستشارات الإقتصادية الدكتور منار العبيدي، إن عدد سكان العراق يتجاوز 46 مليون نسمة، مع زيادة سكانية تقارب مليون نسمة سنوياً، مبيناً أن أكثر من 44 في المائة من السكان تقل أعمارهم عن 25 عاماً.
وأضاف العبيدي في بيان اطلعت عليه "طريق الشعب" أن نحو 500 ألف شخص يدخلون سوق العمل سنوياً، في وقت يتجاوز فيه عدد العاطلين مليوناً ونصف المليون، ما يفرض تحدياً كبيراً أمام قدرة الاقتصاد على توفير فرص عمل جديدة.
المعالجة مرهونة بتوسيع الاقتصاد غير النفطي
وتعليقا على ذلك، يقول أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي إن العراق يواجه تحديا حقيقيا في خلق فرص العمل، موضحاً ان اعتماد الاقتصاد على النفط والإنفاق الحكومي يمثل أبرز التحديات أمام معالجة مشكلة البطالة.
ويضيف السعدي لـ"طريق الشعب" أن التوسع المستمر في التوظيف الحكومي لم يعد قادرا على أن يكون حلا دائما، بل أصبح يشكل ضغطا متزايدا على الموازنة العامة، ويحد من قدرة الدولة على توجيه الانفاق نحو الاستثمار والمشاريع التنموية.
ويرى السعدي ان معالجة ازمة فرص العمل تتطلب توسيع الاقتصاد غير النفطي وتعزيز دور القطاع الخاص ولا سيما في قطاعات الصناعة والزراعة والصناعات الغذائية والإنشاءات والنقل واللوجستيات والسياحة والاقتصاد الرقمي والطاقة المتجددة والخدمات.
ويؤكد أن هذه القطاعات يمكن أن تستوعب أعداداً كبيرة من الشباب، شرط توفير بيئة استثمارية ومصرفية وتشريعية تساعد على نمو المشاريع وتوسعها، بدلاً من استمرار اعتماد الباحثين عن العمل على الوظيفة الحكومية.
ويلفت السعدي الى ان استمرار نمو أعداد الداخلين لسوق العمل من دون توسع مماثل في النشاط الاقتصادي سيؤدي الى مزيد من البطالة والعمل غير الرسمي، فضلا عن زيادة الضغوط المرتبطة بالفقر والهجرة، واستمرار المطالبات الحكومية بتوفير وظائف عامة.
وبحسب السعدي، فإن المطلوب من الحكومة لا يقتصر على توفير وظائف بصورة مباشرة، وإنما "بناء اقتصاد قادر على خلق الوظائف وهو ما يتطلب إصلاح بيئة الأعمال ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتطوير القطاع المصرفي وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل".
كما يشدد على أهمية توجيه جزء أكبر من الإنفاق العام نحو المشاريع المنتجة والبنية التحتية، بما يسهم في تحفيز النشاط الاقتصادي وخلق فرص عمل خارج الجهاز الحكومي.
ويتابع بالقول إن المشكلة الأساسية في العراق لا تتمثل في نقص الموارد، وإنما في هيكل الاقتصاد، محذرا من أن استمرار الاعتماد على النفط والوظيفة الحكومية سيجعل تحدي تشغيل الشباب اكبر عاما بعد آخر ما لم ينتقل الاقتصاد نحو نموذج يعتمد بصورة اكبر على الانتاج والاستثمار والقطاع الخاص.
ارتفاع معدلات البطالة بين الخريجين
وفي السياق، يقول علي عودة السهلاني، صحفي وناشط مدني من ذي قار، إن المحافظة تمتلك موارد بشرية كبيرة في ظل ارتفاع نسبة الشباب بين سكانها، الا ان هذه الفئة تواجه تحديات متزايدة في الحصول على فرص عمل مستقرة، في وقت ما تزال فيه البطالة واحدة من أبرز المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المحافظة.
ويعلل السهلاني في حديثه لـ"طريق الشعب"، تلك الأزمة بمحدودية قدرة القطاع الخاص وضعف الاستثمارات، إلى جانب اعتماد نسبة كبيرة من السكان على الوظائف الحكومية باعتبارها الخيار الوظيفي الأكثر استقرارا، ما يترك سوق العمل المحلي أمام خيارات محدودة لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الباحثين عن العمل.
ويشير الى أن ارتفاع معدلات البطالة بين الخريجين يأتي في مقدمة التحديات التي تواجه شباب المحافظة، إضافة لعدم توافق مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل مما يزيد الفجوة بين ما يحصل عليه الشباب من تعليم وما تتطلبه الوظائف المتاحة.
ويضيف ان محدودية المشاريع الانتاجية والصناعية تمثل عائقا اخر أمام توفير فرص العمل، لافتاً الى ان ضعف البنية التحتية الاقتصادية ومحدودية التمويل المخصص للمشاريع الصغيرة والمتوسطة يقللان من فرص تأسيس أعمال جديدة قادرة على توفير وظائف مستدامة.
ويرى ان معالجة هذه المشكلة تتطلب الانتقال من التعامل مع البطالة بوصفها أزمة توظيف حكومي الى العمل على بناء اقتصاد محلي أكثر تنوعاً، يوفر مساحات أوسع أمام الشباب للعمل والإنتاج.
ويؤكد السهلاني ان تحسين الواقع الاقتصادي للشباب في ذي قار يحتاج لخطط تنموية مستدامة تركز على خلق فرص عمل حقيقية وتنويع مصادر الدخل، مقترحاً تشجيع الاستثمار في القطاعات الزراعية والصناعية والسياحية، التي تمتلك المحافظة، بحسب رأيه، مقومات يمكن البناء عليها.
كما يدعو الى دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة من خلال توفير القروض الميسرة والتدريب والاستشارات الفنية، بما يساعد الشباب على تأسيس مشاريعهم الخاصة وتوسيع قدرتها على توفير فرص عمل جديدة.
وفي الوقت ذاته، يشدد على أهمية تطوير مهارات الشباب في مجالات التكنولوجيا والتحول الرقمي وريادة الأعمال، لتمكينهم من المنافسة في سوق العمل المحلي والعالمي، بدلاً من حصر خياراتهم في الوظائف الحكومية أو التخصصات التقليدية.
ويشير السهلاني الى ان تعزيز الشراكة بين الجامعات والمعاهد والمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص يمكن أن يسهم في تقليص الفجوة بين التعليم وسوق العمل، من خلال مواءمة التخصصات والمهارات التي يكتسبها الطلبة مع احتياجات القطاعات الاقتصادية المختلفة.
ويخلص السهلاني الى ان الاستثمار في الشباب لا ينبغي أن ينظر إليه بوصفه معالجة لمشكلة البطالة فقط، وإنما باعتباره جزءا من بناء اقتصاد أكثر قدرة على الإنتاج وتوفير فرص العمل، مؤكداً ان تطوير قدرات الشباب وفتح المجال أمامهم للمشاركة الاقتصادية يمثلان ركيزة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في ذي قار والعراق عموما.