حرية الصحافة بين احتكار الدولة وتعدد السلطات
نشر موقع Asia Times مقالًا للباحث ماثيو الفورد عن واقع الحريات في العراق، ذكر فيه أن الإعلام، الذي تحرر عام 2003 من احتكار الدولة، لم يتخلص من منطق السيطرة؛ فالزيادة العددية التي تحولت فيها خمس صحف إلى مئات، وثلاث قنوات تلفزيونية إلى أكثر من مئة، لم تنتج حرية حقيقية للصحافة، مما أبقى البلاد في المرتبة 162 من بين 180 دولة على مؤشر الحريات الإعلامية، محصورًا بين السودان وتركيا.
تعدد الأسياد
وأشار المقال إلى أنه بعد سقوط صدام، الذي كان يوجه كل بث، راحت الأحزاب السياسية والمؤسسات الدينية والفصائل المسلحة تمتلك قنواتها الخاصة، ويروّج كل منها لجزء من الحقيقة، مما لا يمثل حرية أو مساءلة، بل حالة من التفكك والتنافس بين شبكات الرعاية. فحرية الصحافة لا يمكن قياسها بعدد المنافذ فقط، بل يجب الحكم عليها بناءً على ما إذا كان بإمكان الصحفيين العمل دون خوف، وما إذا كان بإمكان المواطنين الوصول إلى المعلومات التي تتحدى الأقوياء. وحتى الآن، فإن الإجابة في العراق هي: لا.
وفي معرض تطرقه إلى سبل استغلال الثقافة والإعلام في زمن الدكتاتورية، ذكّر المقال بالمبالغات ذات الأبعاد الخطيرة التي حملتها العديد من النتاجات الفنية، مثل فيلم الأيام الطويلة وملحمة ثورة العشرين، والتي حاول من خلالها الدكتاتور تمجيد شخصه وتزوير حقائق تاريخية قريبة بما يخدم أيديولوجية البعث، مستفيدًا من ميزانيات ضخمة رُصدت من المال العام لإنجاز هذه الأعمال، ومستقدمًا خبرات عالمية كبيرة من أجل ذلك، مثل تيرينس يونغ، مخرج أفلام جيمس بوند، وأوليفر ريد وغيرهما.
تغير المشهد الإعلامي
وتغير المشهد الإعلامي في العراق بشكل كبير بعد سقوط صدام. ففي غضون عام واحد فقط، كان هناك حوالي 80 محطة إذاعية و20 قناة تلفزيونية تبث، كما ظهرت أكثر من 200 صحيفة ومجلة. لكن ما يقارب نصف هذه المؤسسات اختفى بعد 12 شهراً، من دون أن يعود احتكار الدولة للإعلام، رغم وجود عمليات إعلامية خاصة بمراكز النفوذ المتنافسة في البلاد اليوم، تتضمن إعداد أرشيف رقمي ضخم لكل منها من الأفلام المجانية، والوثائقيات، وبرامج الحوار، والبرامج الدينية وغيرها.
وأكد المقال أن المزيد من وسائل الإعلام لا يعني بالضرورة المزيد من الحقيقة أو حرية صحافة أكبر، معتبرًا أن التغيير الأعمق الذي حدث يتمثل في تفتيت قوة الإعلام، التي أصبحت الآن موزعة بين العديد من المراكز المتنافسة، في صورة تعبر تمامًا عن التوزيع الأوسع للسلطة في العراق. كما تشير المعطيات إلى امتلاك فصائل مسلحة قنوات تلفزيونية وعمليات إعلامية، رغم وجود مشروع لدى الحكومة يقضي بضرورة حصر سلاحها بيد الدولة.
وتوصل الباحث إلى أن حرية الصحافة في العراق لا تزال بعيدة المنال؛ فرغم زوال القبضة الحديدية لصدام حسين على العراق، واختفاء ملايين من صوره التي كانت منتشرة وترعب المواطنين، فإن احتكاره الإعلامي ما زال قائمًا بأشكال وصور مختلفة ومتنافسة، حسب تقدير الكاتب، منها ملكية وسائل الإعلام وطريقة إدارتها، وتوجهات العاملين فيها، وعمق انحيازهم، ودرجة شعورهم بالأمان، والمساحة المتاحة لهم كي يكتبوا ما يرونه، وللحقيقة التي يمكنهم أن يعكسوها كما هي لا كما يراها الممولون. وفيما يكافح الصحفيون ووسائل الإعلام المستقلة، القليلة نسبيًا، من أجل الحصول على مساحة حرة، فإن الوفرة الإعلامية لا تعني بالضرورة حرية الإعلام مهما تم تزويق الأمور.