لا تزال المختبرات والتجهيزات العلمية في عدد من المدارس العراقية تعاني نقصاً واضحاً، ما يحد من قدرة الطلبة على تطبيق ما يتعلمونه نظرياً داخل الصفوف، ويعمّق الفوارق التعليمية بين مدارس المدن والأطراف والمناطق الريفية؛ إذ يؤكد تربويون وناشطون في مجال التعليم أن توفير المختبرات لا ينبغي أن يقتصر على وجود أبنية أو غرف مخصصة لها، بل يتطلب تجهيزها بالأدوات والأجهزة والمواد اللازمة، إلى جانب تدريب الكوادر التدريسية على استخدامها بصورة آمنة وفعالة.
ضرورة تحسين البيئة المدرسية
يقول نقيب المعلمين في كركوك، إحسان الشمري، إن "معظم المدارس، ولا سيما المتوسطة والإعدادية والفروع العلمية، تحتاج إلى مختبرات علمية مجهزة، لتمكين الطلبة من تطبيق التجارب العلمية عملياً وعدم الاكتفاء بالجانب النظري في المناهج الدراسية".
ويضيف الشمري في حديث لـ"طريق الشعب"، أن "الكلام شيء والواقع العملي شيء آخر"، مبيناً أن وجود المختبرات والأجهزة والمعدات العلمية وأجهزة الحاسوب ووسائل العرض داخل المدارس، يجعل المادة الدراسية أكثر قرباً من الطالب، ويساعده على فهمها واستيعابها بصورة أفضل.
ويؤكد أن التجارب العلمية تمثل جزءاً أساسياً من العملية التعليمية، لأنها تتيح للطلبة الانتقال من المعرفة النظرية إلى التطبيق العملي، الأمر الذي يسهم في ترسيخ المعلومات وفهمها بصورة أكثر وضوحاً.
ويرى الشمري أن المدارس تعاني في السنوات الأخيرة من الإهمال، خصوصاً في ما يتعلق بتوفير المختبرات والتجهيزات والمستلزمات التعليمية والترفيهية، مشدداً على أن تحسين البيئة المدرسية يتطلب توفير احتياجات المدارس الأساسية بما ينسجم مع متطلبات العملية التعليمية.
مدارس المدن لا تشبه مدارس الأرياف
وتقول المدرسة سميرة الخفاجي إن مدرستها تضم مختبرات علمية، مثل مختبرات الأحياء والحاسوب والكيمياء، إلا أن واقع تلك المختبرات يختلف من مدرسة إلى أخرى، موضحة أن "الكثير من المدارس، خصوصاً في أطراف المدن والنواحي، لا تتوفر فيها مختبرات علمية من الأساس، فيما توجد مختبرات في مدارس أخرى لكنها تفتقر إلى التجهيزات المناسبة، خاصة إذا كانت المدارس كرفانية أو طينية".
وتضيف الخفاجي لـ"طريق الشعب"، أن بعض المدارس التي عملت فيها كانت مختبراتها موجودة، لكن أدواتها قديمة أو غير صالحة للاستخدام بالشكل المطلوب، مبينة أن "الأدوات الموجودة لا تتناسب أحياناً مع التجارب التي يفترض أن يجريها الطلبة ضمن المنهج الدراسي"، ما يجعل بعض الدروس العملية تقتصر على الشرح النظري.
وتشير الخفاجي إلى أن المشكلة تشمل أيضاً أجهزة الحاسوب، قائلة إن "بعض الحواسيب قديمة ولا تتلاءم مع احتياجات المادة الدراسية"، الأمر الذي يحد من إمكانية استخدام التقنيات الحديثة في العملية التعليمية.
وتؤكد أن الفارق بين المدارس لا يقتصر على توفر الأبنية أو الصفوف، بل يمتد إلى المختبرات والتجهيزات التعليمية، لافتة إلى أن الطلبة في بعض المدارس الواقعة في القرى وأطراف المدن يدرسون المواد العلمية من دون فرصة لإجراء التجارب عملياً.
وترى الخفاجي أن توفير المختبرات وحده لا يكفي، بل يجب تجهيزها بالأدوات والمواد والأجهزة الحديثة، إلى جانب صيانة الحواسيب وتحديثها، حتى تتحول الدروس العلمية من معلومات نظرية إلى تجارب عملية تساعد الطلبة على فهم المادة واستيعابها.
أهمية تأهيل الكوادر التدريسية
من جهتها، تؤكد منى جعفر، ناشطة في مجال التعليم، أن "مشكلة المختبرات المدرسية لا تتعلق فقط بوجود غرفة تحمل اسم مختبر، وإنما بمدى دخولها فعلياً في العملية التعليمية، فهناك مدارس تمتلك مختبرات لكنها لا تستخدم بصورة منتظمة بسبب نقص المواد أو الأجهزة أو عدم جاهزيتها".
وتضيف جعفر لـ"طريق الشعب"، أن "غياب الجانب العملي من التعليم يخلق فجوة بين الطلاب، لأن الطالب الذي تتوفر له فرصة إجراء التجارب ومشاهدة النتائج بنفسه يحصل على تجربة تعليمية مختلفة عن طالب يعتمد طوال سنوات دراسته على الكتاب والشرح النظري".
وتوضح أن "المشكلة تكون أكثر وضوحاً في المدارس الواقعة في أطراف المدن والمناطق الريفية، وقد تكون الأولوية هناك لتوفير أبسط متطلبات العملية التعليمية، بينما تأتي المختبرات والتجهيزات العلمية في مراحل متأخرة، وهذا ينعكس على فرص الطلاب في الحصول على تعليم متكافئ".
وتشير إلى أن "جزءاً من المشكلة يرتبط أيضاً بتأهيل المدرسين، فوجود مختبر مجهز لا يكفي إذا لم يكن المدرس مدرباً على استخدام الأجهزة وإجراء التجارب بطريقة آمنة ومناسبة للمنهج، لذلك فإن تطوير المختبرات يجب أن يترافق مع تدريب مستمر للكوادر التعليمية".
وتحذر من أن "السلامة داخل المختبرات يجب أن تكون جزءاً أساسياً من أي خطة للتطوير، إذ لا يكفي توفير الأجهزة والمواد من دون التأكد من صلاحيتها وتوفير شروط التخزين والاستخدام الآمن، لأن المختبر بيئة تعليمية تحتاج إلى ضوابط واضحة لحماية الطلاب والمدرسين".
وترى أن "المناهج العلمية نفسها تحتاج إلى أن تكون مرتبطة بالإمكانات الموجودة في المدارس، فلا يمكن أن نطالب المدرس بتطبيق الجانب العملي من المنهج بينما لا تتوفر له الأدوات والمواد اللازمة، وهذا يجعل بعض التجارب تتحول إلى شرح نظري فقط".
وتنوه بأن "المختبر ليس مساحة إضافية أو ترفاً في المدرسة، بل جزء من حق الطالب في الحصول على تعليم جيد، لأنه يساعده على الملاحظة والتحليل والاستنتاج وحل المشكلات، وهي مهارات لا يمكن تطويرها بالاعتماد على الحفظ وحده".
وتدعو جعفر إلى "اعتماد مؤشرات واضحة لقياس مدى استخدام المختبرات، وليس الاكتفاء بتسجيل وجودها ضمن أبنية المدارس، مع تخصيص مبالغ للصيانة والتجهيز المستمر، ومتابعة المدارس للتأكد من أن المختبر يتحول من غرفة مغلقة إلى مساحة تعليمية يستخدمها الطلاب فعلياً".