في وقت تتسارع فيه التطورات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي لتعيد تشكيل اساليب التعليم في العالم، ما تزال المدارس العراقية تواجه تحديات تحد من قدرتها على مواكبة هذا التحول، بدءا من ضعف البنية التحتية والتجهيزات التكنولوجية، مروراً بمحدودية تدريب الكوادر التعليمية، وصولا الى مناهج وأساليب تدريس لا تزال في جوانب منها أسيرة النمط التقليدي القائم على الحفظ والتلقين.
معظم المدارس تفتقد التجهيزات التكنولوجية
ويرى تربويون وناشطون في مجال التعليم أن الانتقال إلى تعليم أكثر تفاعل وارتباطا بمتطلبات العصر لم يعد ترفا بل أصبح حاجة ملحة لضمان إعداد الطلبة بالمهارات التي يحتاجون إليها في حياتهم العملية والمستقبلية
وترى المرشدة التربوية هدى ياسر عبد الزيد أن الفجوة التي تعاني منها العملية التعليمية اليوم ترتبط بدرجة كبيرة بضعف تدريب الكوادر التربوية على استخدام الوسائل التعليمية الحديثة، بجانب افتقار معظم المدارس للتجهيزات التكنولوجية التي يفترض أن تواكب التطورات المتسارعة في مجال التعليم.
وتقول هدى لـ"طريق الشعب"، إن غياب الشاشات والحواسيب وغيرها من الوسائل والتقنيات الحديثة أسهم في إبقاء العملية التعليمية ضمن إطار تقليدي، سواء على مستوى أساليب التدريس أو المناهج، ما أدى إلى عدم تعزيز الجانب التكنولوجي في البيئة المدرسية بالشكل المطلوب".
وتضيف أن افتتاح عدد كبير من المدارس التي انشئت ضمن مشروع القرض الصيني خلال العام الحالي والعام الذي سبقه، من دون استكمال تجهيز المدارس الأخرى بالمستوى نفسه، خلق تفاوتا بين المؤسسات التعليمية.
وترى أن تميز هذه المدارس بالتجهيزات الحديثة يفترض أن يكون حافزا لبقية المدارس، للحاق بها ومواكبة التطور، لا أن تتحول الفوارق في الإمكانات إلى فجوة أوسع بين الطلبة والمدارس.
وبحسب هدى، فإن المشكلة لا تتعلق بالتجهيزات وحدها، بل تمتد إلى الكوادر التعليمية نفسها، التي ما زال جزء كبير منها مهيأ للعمل وفق المناهج والأساليب القديمة.
وتشير إلى ان بعض المعلمين والإدارات المدرسية يرغبون في إدخال الوسائل الحديثة إلى العملية التعليمية، لكن ذلك لا يكفي، في ظل غياب الدعم والتعاون والإمكانات التي تساعدهم على تحويل هذه الرغبة إلى ممارسة فعلية داخل المدرسة.
وتعتقد أن توفير أبسط الاحتياجات التعليمية غالبا ما يصطدم بعبارة "انتظروا الموازنة"، الأمر الذي يؤخر تطوير المدارس، ويجعل احتياجاتها معلقة لفترات طويلة.
وتستشهد ياسر بتجربتها الشخصية، موضحة أنها خلال العام الماضي طالبت بتوفير شاشة وتجهيزات أخرى، إضافة إلى افتتاح مكتب بهدف استخدامه في عقد جلسات الإرشاد داخل المدرسة، إلا أن هذه الاحتياجات، بحسب قولها لم تستكمل حتى الان، رغم مرور عام واقتراب نهاية العام الثاني على افتتاح المدارس الجديدة.
وتختصر ياسر المشكلة بالقول ان تطوير التعليم لا يمكن أن يتحقق بمجرد تحديث المناهج او افتتاح مدارس جديدة، ما لم يرافق ذلك تدريب حقيقي ومستمر للكوادر التربوية وتوفير التجهيزات الحديثة لجميع المدارس بصورة متوازنة، حتى لا تبقى التقنيات المتطورة حاضرة في بعض المؤسسات وغائبة عن أخرى.
تطوير أساليب التعليم
من جانبه يؤكد حيدر كاظم، ناشط تربوي، أن التطور التكنولوجي في المناهج الدراسية لم يعد خيارا ثانويا بل أصبح ضرورة لمواكبة متطلبات العصر، مشيرا الى أن توظيف التكنولوجيا في التعليم لا يقتصر على إدخال الأجهزة والتطبيقات إلى المدارس، بل يتطلب إعادة تطوير أساليب التعليم، بما يجعل الطالب أكثر تفاعلاً وقدرة على التفكير والإبداع وحل المشكلات.
ويقول كاظم لـ"طريق الشعب"، إن تطوير المناهج ينبغي ان يركز على تحديث المحتوى التعليمي وربطه بالتطورات العلمية والمعرفية الحديثة، إلى جانب توظيف الوسائط المتعددة والفيديوهات والمحاكاة والتطبيقات التعليمية، لتعزيز تفاعل الطلبة وجعل عملية التعلم أكثر تشويقاً وفاعلية.
ويشير الى أن التحول التكنولوجي في التعليم يسهم في الانتقال من أساليب الحفظ والتلقين لتنمية مهارات التفكير النقدي والإبداع وحل المشكلات، فضلاً عن مراعاة الفروق الفردية بين الطلبة من خلال توفير مصادر وطرائق تعلم متنوعة، وتعزيز التعلم الذاتي وتمكين الطالب من الوصول إلى مصادر المعرفة المختلفة.
ويعتقد أن أهمية هذا التحول تتجاوز الجانب الأكاديمي إذ يسهم في ربط التعليم بالحياة العملية وإكساب الطلبة المهارات الرقمية التي يحتاجون إليها في سوق العمل والمستقبل، كما يوفر للمعلم أدوات تساعده على تقديم الدروس بصورة أكثر وضوح وتشويق وتحسين قدرته على متابعة مستوى الطلبة وتقييم احتياجاتهم.
المناهج العراقية والتطور التكنولوجي
وفي ما يتعلق بالتعليم العراقي، أكد كاظم أن المناهج الدراسية في العراق بحاجة لمواكبة حقيقية للتطور التكنولوجي، ولا سيما في ظل التطورات المتسارعة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتعليم الرقمي وطرائق التعلم الحديثة.
ويحذر من ان استمرار المناهج بأساليب تقليدية، من دون دمج حقيقي للتكنولوجيا، يوسع الفجوة بين الطالب والواقع الذي سيعيش ويعمل فيه مستقبلا، مبيناً أن التعليم الحديث لم يعد قائما على حفظ المعلومات فقط، وإنما أصبح يعتمد على البحث والتفكير النقدي والتعلم التفاعلي والمهارات الرقمية والقدرة على توظيف التكنولوجيا في بناء المعرفة.
ويشدد كاظم على ضرورة تطوير المناهج العراقية، بالتوازي مع تأهيل المعلمين وتوفير البنية التحتية الرقمية، داعياً إلى الانتقال من نموذج تعليمي يركز على استظهار المعلومات إلى نموذج، يصنع طالباً قادراً على التعلم المستمر والتفكير والابتكار والمنافسة.
ويقترح جملة من الخطوات العملية القابلة للتنفيذ، من بينها تحديث المناهج بصورة تدريجية بدل من انتظار تغييرات شاملة، وإطلاق مشاريع تجريبية في عدد من المدارس لقياس أثر التعليم الرقمي قبل تعميمه، وإنشاء محتوى تعليمي رقمي عراقي مرتبط بالمناهج الرسمية، فضلاً عن تدريب المعلمين بشكل مستمر على توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية.
كما ينصح بتطوير أساليب التقييم والامتحانات بما يقيس الفهم والتحليل والتطبيق والإبداع، بدلاً من التركيز على الحفظ والاستظهار، إلى جانب توفير حلول تقنية منخفضة الكلفة للمدارس التي تعاني من محدودية الإمكانات، بما يضمن عدم تحول الرقمنة إلى عامل جديد لتوسيع الفجوة التعليمية بين المدارس.
ويؤكد أهمية إشراك الجامعات والخبراء والمتخصصين والقطاع الخاص في عملية تطوير المناهج، ووضع رؤية واضحة للمهارات التي يحتاجها الطالب العراقي في السنوات المقبلة، مع إدخال المهارات الرقمية والتفكير الحاسوبي ومبادئ الذكاء الاصطناعي بصورة تدريجية تتناسب مع المراحل العمرية المختلفة.
ويوضح كاظم أن التكنولوجيا ليست هدفاً بحد ذاتها وإنما وسيلة لتحسين جودة التعليم، مشدداً على أن التحول الحقيقي يبدأ من تطوير المنهج وتأهيل المعلم ومنح الطالب مساحة أكبر للتفكير والتجربة والبحث والإبداع.
مراجعة طرائق التدريس
من جانبها، تقول الناشطة في مجال التعليم أروين عزيز أن المناهج الدراسية العراقية لم تعد قادرة، بصورتها الحالية، على مواكبة التحولات المتسارعة في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، مشيرة إلى أن الحاجة اليوم لا تقتصر على تحديث بعض الموضوعات الدراسية وإنما تتطلب مراجعة حقيقية للمناهج وطرائق التدريس بما ينسجم مع المهارات التي يحتاجها الطالب في المستقبل.
وتضيف عزيز لـ "طريق الشعب"، ان التعليم لا يمكن ان يبقى أسير الحفظ والتلقين في وقت أصبح فيه الطالب محاطاً بمصادر متعددة للمعلومات، مؤكدة أن المدرسة مطالبة بالانتقال إلى أساليب تعليم تشجع على التفكير النقدي، والبحث، وحل المشكلات، والعمل الجماعي، وتوظيف التكنولوجيا بصورة تخدم العملية التعليمية، بدلاً من استخدامها لمجرد مواكبة التطور.
وتجد أن إدخال التكنولوجيا إلى التعليم يجب ان يكون جزءا من خطة متكاملة تبدأ بتأهيل المعلمين وتدريبهم على استخدام الأدوات والمنصات التعليمية الحديثة. ان توفير الاجهزة وحده لن يؤدي إلى تطوير حقيقي ما لم يمتلك المعلم القدرة على توظيفها داخل الصف.
وتشدد على ضرورة وضع خطة تدريجية قابلة للتنفيذ، تبدأ بتحديث المناهج واطلاق تجارب تعليمية رقمية في عدد من المدارس، ثم تقييم نتائجها وتوسيعها مع توفير محتوى تعليمي رقمي، يتناسب مع البيئة العراقية، ويكون متاحا للطلبة في مختلف المحافظات.
كما تدعو لمعالجة الفجوة الرقمية بين المدارس وعدم حصر التحول التكنولوجي في المدارس التي تمتلك إمكانات أفضل، مؤكدة ضرورة توفير الإنترنت والبنية التحتية والأجهزة والبرمجيات بصورة عادلة، الى جانب اعتماد حلول بديلة للمناطق التي تعاني من ضعف الخدمات الرقمية.
وتنبه عزيز إلى أن تطوير نظام الامتحانات يجب أن يسير بالتوازي مع تحديث المناهج، بحيث لا يبقى التقييم قائما بصورة أساسية على قدرة الطالب على حفظ المعلومات، وإنما يقيس مدى فهمه وقدرته على التحليل والتطبيق والإبداع.
وتتابع قولها ان الاستثمار في التكنولوجيا التعليمية هو في الأساس استثمار في الإنسان وإن العراق بحاجة إلى مدرسة تُعد الطالب للمستقبل لا للماضي، وتمنحه الأدوات التي تساعده على أن يكون منتجاً للمعرفة وقادرا على التعامل مع المتغيرات، وليس مجرد متلق للمعلومات.