اخر الاخبار

في بلدٍ يُقال إنه ديمقراطي، يبدو أن الحريات هي أول من يدفع الثمن فيه؛ انتخاباتٌ تُجرى، ومقاعدٌ تتبدل، وتحالفاتٌ تتشكل، لكن خارج صناديق الاقتراع ثمة ديمقراطية أخرى تُدفن بصمت؛ ديمقراطية المواطن في أن يختار، ويختلف، ويغني، ويكتب، ويقرأ، ويحتفل، ويعبّر من دون أن يُحاكم على ذوقه أو أفكاره.

المفارقة أن القوى التي تتحدث كثيراً عن حماية الدولة والمجتمع والدستور، تتحول عند أول اختبار حقيقي للحريات إلى سلطة وصاية تريد أن تحدد للعراقي ماذا يشاهد، وماذا يقرأ، وأي فعالية يحضر، وأي صوت يحق له أن يعلو.

استهداف ممنهج لعناصر الديمقراطية

في هذا الصدد، يقول الناشط السياسي زين العابدين البصري، إن المشهد السياسي الحالي يشهد توجهاً واضحاً نحو استهداف عناصر الديمقراطية وآلياتها، فضلاً عن التضييق على الحريات العامة، مشيراً إلى أن ذلك لا يقتصر على جهة سياسية واحدة، بل يمتد إلى أذرع وتيارات مرتبطة بالإطار التنسيقي، فضلاً عن مؤسسات حكومية باتت، بحسب رأيه، تمارس هذا النهج.

ويضيف البصري في حديث لـ "طريق الشعب"، أن مظاهر الحريات، بما فيها التجمعات والفعاليات والكرنفالات والاحتفالات والحفلات، أصبحت عرضة للاستهداف والتشويه، إلى جانب محاولات التضييق على الخطاب والحوار والنقاش القائم على الحجة والمنطق.

ويشير الى أن الأمر تجاوز ذلك ليطال الكتب والمؤلفات وما تطرحه من أفكار تحاكي العقل وتدفع باتجاه التفكير النقدي والواقعي.

وأشار إلى أن الهدف، وفق رؤيته، يتمثل في إضعاف أي صوت مدني يطالب بالحرية والتعدد الثقافي، وفرض نمط أحادي على المجتمع، قائلاً إن بعض القوى السياسية تريد الديمقراطية في إطارها الشكلي فقط، من خلال الانتخابات والمحاصصة وتقاسم المناصب، فيما تتجاهل بقية المفاصل التي يفترض أن تحميها الآليات الديمقراطية، وفي مقدمتها التعددية الثقافية والحريات العامة.

وبيّن أن الوصول إلى مجتمع متنور وواعٍ يمثل، برأيه، تهديداً لمصالح القوى المتنفذة وسلطتها، لأنها تخشى مجتمعاً قادراً على مساءلتها وكشف مواطن الفساد ومواجهة ممارساتها، ولذلك تسعى إلى إبقاء المجتمع خاضعاً لأدواتها وخطابها ومنطقها.

وانتقد البصري ما وصفه بمحاولات تعبئة الرأي العام ضد الفعاليات الفنية والثقافية، مستشهداً باستهداف حفلات مرتبطة بأعمال كرتونية وذكريات جيل تربى عليها، رغم عدم احتوائها، بحسب وصفه، على ما يسيء إلى الآداب العامة أو يخدش الحياة العامة، معتبراً أن تحويل مثل هذه الفعاليات إلى قضية رأي عام يمثل مفارقة واضحة.

وتابع أن المفارقة الأكبر تتمثل في أن بعض القوى التي تقدم نفسها بوصفها قوى تحرير للمناطق التي سيطر عليها تنظيم داعش، هي نفسها، بحسب رأيه، من تهاجم الحريات اليوم.

وقال إن مواجهة داعش آنذاك كانت على أساس أن التنظيم يمثل فكراً ظلامياً وتكفيرياً ومتطرفاً يصادر حريات العراقيين، متسائلاً عن كيفية تحول بعض من واجهوا ذلك الفكر إلى جهات تستهدف الحريات والممارسات السلمية وتشيطن الفعاليات الثقافية والفنية؟

وأكد أن المشكلة لا تتعلق فقط بمحاولات التضييق على الحريات، بل أيضاً بغياب طبقة سياسية قادرة على الدفاع عن الحقوق والحريات ومواجهة القوى التي تسعى إلى إجهاضها.

وحذر من أن عدم وجود هذا التمثيل السياسي وعدم توحيد الموقف الشعبي تجاه اختيار القوى السياسية التي تدافع عن هذه المبادئ سيؤدي إلى تكريس معادلة سياسية أحادية اللون والاتجاه.

وأشار إلى أن مظاهر هذا النهج، بحسب وصفه، يمكن ملاحظتها في عدد من المؤسسات والقطاعات، بينها هيئة الإعلام والاتصالات ووزارة الثقافة وبعض المؤسسات والقنوات الإعلامية، فضلاً عن الخطاب المتداول في الشارع، معتبراً أن ذلك يعكس ما وصفه بـ«منطق الظلاميين» الذي يفرض نفسه تدريجياً على المجتمع.

وختم البصري بالتحذير من أن استمرار هذا المسار يمثل «رعباً حقيقياً» بالنسبة إلى المجتمعات المدنية، مؤكداً أن حماية الحريات والتعددية الثقافية تتطلب موقفاً شعبياً وسياسياً واضحاً، لا الاكتفاء بالديمقراطية بوصفها عملية انتخابية أو وسيلة لتوزيع السلطة.

تحذير من حملات ترهيب ممنهجة

من جهتها، حذرت رئيسة منظمة "آيسن" لحقوق الإنسان، أنسام سلمان، من خطورة تصاعد حملات التحريض المباشر والممنهجة التي تستهدف الناشطين والصحفيين في العراق، مؤكدة أن هذه الهجمات تسعى بشكل متزايد إلى إسكات الصوت المدني وعرقلة الدفاع عن الحقوق الحريات الأساسية في البلاد.

وقالت لـ"طريق الشعب"، إنّ الحركة المدنية تواجه تحدياً مصيرياً جراء انتشار ماكينات إعلامية موجهة تطلق اتهامات تخوينية معلبة وغير مستندة إلى أي أدلة قانونية، مشيرة إلى تعرضها شخصياً وزملاؤها لهجمات ممنهجة شملت التشويه والتنكيل والابتزاز، مع تركيز خاص على استهداف الناشطات والنساء.

واكدت لجوءها إلى المسارات القانونية لمواجهة منصات التحريض، قائلة: قمتُ بتحريك دعاوى قضائية عدة ضد شخصيات وحسابات مأجورة، وجرى التنسيق مع جهاز الأمن الوطني الذي أكد قدرته التقنية على تتبع الجناة والكشف عن هوياتهم.

وانتقدت سلمان تعقيد وبطء الإجراءات القضائية وغياب الردع العقابي الفوري، مؤكدة أن هذا التراخي سمح للأصوات التحريضية بالتمدد والظهور المكثف واليومي في وسائل الإعلام، ما يشكل خطراً مباشراً على حياة المدافعين عن حقوق الإنسان الذين يضطرون لاستنزاف طاقاتهم في تبرئة أنفسهم بدلاً من التركيز على عملهم الحقوقي.

وفي السياق، شددت سلمان على أن المطالبة بالإصلاح، هي حاجة وطنية ملحة لمعالجة واقع مرير خلّف آلاف الضحايا والمشردين والمغيبين نتيجة طغيان الأعراف البدائية وتراجع سيادة القانون، مشيرة إلى أن العراق يمر بجمود تشريعي يتطلب ثورة قانونية لتعديل أو إلغاء المواد المقيدة للحريات وتشريع قوانين مدنية تحمي المواطنين.

واختتمت رئيسة منظمة "آيسن" تصريحها بالتحذير من محاولات فرض لون ثقافي أحادي وإلغاء الآخر عبر ما وصفتها بـ"الممارسات البوليسية"، مستشهدة باقتحام أجهزة أمنية لمعرض بغداد للكتاب ومصادرة مؤلفات كاتب عراقي، بالإضافة إلى حملات التحريض ضد فعاليات فنية وثقافية آمنة ترتبط بذاكرة الأجيال كحفلات أغاني "سبايستون".

ماذا بقي من الحريات؟

الى ذلك، اكد الناشط فرات علي أن ما يجري اليوم لم يعد مجرد اختلاف في الرؤى بشأن شكل المجتمع أو طبيعة الحريات، بل يمكن توصيفه على انه محاولة واضحة لفرض وصاية فكرية واجتماعية على العراقيين، وتحويل الحريات العامة إلى امتياز تمنحه القوى المتنفذة متى شاءت وتسلبه متى تعارضت معه.

وقال علي في حديث مع "طريق الشعب"، أن الديمقراطية لا يمكن أن تختزل في صندوق اقتراع أو انتخابات دورية، بينما تُحاصر الحريات وتُضيَّق مساحات التعبير ويُهاجم الفن والثقافة والفعاليات المدنية تحت عناوين فضفاضة.

واضاف ان الديمقراطية الحقيقية تُقاس بقدرة المواطن على أن يعيش ويعبّر ويختلف ويجتمع ويمارس خياراته من دون خوف من حملات التخوين أو التحريض أو التشويه.

وانتقد علي ما وصفه بـ"الازدواجية السياسية"، قائلاً إن من يتحدثون عن حماية الدولة والدستور لا يمكنهم في الوقت نفسه غض الطرف عن محاولات تقييد الحريات التي كفلها الدستور.

وزاد بالقول، أن حماية المجتمع لا تعني إخضاعه لذائقة جهة سياسية أو دينية أو أيديولوجية واحدة، ولا تعني تحويل الاختلاف إلى جريمة أو ممارسة الوصاية على خيارات الناس.

وأشار إلى أن الأخطر من استهداف فعالية هنا أو كتاب هناك هو اعتياد المجتمع على التراجع التدريجي للحريات، لأن التضييق لا يبدأ دائماً بقرار كبير، بل قد يبدأ بمنع فعالية، ثم إسكات صوت، ثم شيطنة فئة، وصولاً إلى خلق بيئة يخشى فيها المواطن من التعبير عن رأيه.

وأكد أن القوى السياسية التي تريد مجتمعاً صامتاً ومتجانساً وفق رؤيتها الخاصة لا تبحث عن الاستقرار، وإنما عن السيطرة، مبيناً ان المجتمع الواعي والمتعدد لا يمكن إخضاعه بسهولة، والمواطن الذي يفكر ويناقش ويسأل ويحاسب يمثل خطراً حقيقياً على أي سلطة اعتادت الإفلات من المساءلة.

وختم علي بالقول إن الدفاع عن الحريات ليس ترفاً ثقافياً ولا قضية تخص فئة محددة، وانما هو دفاع عن جوهر الدولة المدنية والدستور وحق المواطن في اختيار نمط حياته والتعبير عن رأيه، محذراً من أن الصمت أمام هذه الممارسات سيجعل التراجع أمراً طبيعياً، وعندها لن يكون السؤال: من سيحمي الحريات؟ بل كم بقي منها؟