تتجه مسودة قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات إلى مرحلة جديدة داخل مجلس النواب، وسط تحذيرات واعتراضات بشأن مضامينها وحدود تنظيمها للفضاء الرقمي، ولا سيما ما يتعلق بالعقوبات والمواد المرتبطة بالنشر وحرية التعبير.
وفي وقت يؤكد فيه المجلس أن المقترح يستهدف تنظيم الجرائم الإلكترونية وحماية البيانات والأنظمة المعلوماتية، تتصاعد اعتراضات حقوقية وقانونية تطالب بإعادة النظر في عدد من مواده وإشراك المختصين والناشطين المدنيين في صياغتها.
القراءة الثانية
وأكمل مجلس النواب في 6 تموز 2026 القراءة الأولى لمقترح قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، المقدم من لجنتي الأمن والدفاع والقانونية، ويتكون المقترح من 32 مادة بحسب بيانات مسار التشريع البرلماني في ذلك التاريخ.
وخلال الأشهر التالية، واصلت لجنة الأمن والدفاع مناقشة المقترح، إذ عقدت في 26 تموز اجتماعاً لمناقشة مواده بحضور ممثلين عن جهات قانونية وأمنية واتصالاتية، مؤكدة أهمية إشراك الجهات ذات العلاقة في إنضاج التشريع.
وفي 26 آب، ناقشت اللجنة المقترح مجدداً، فيما شهد اجتماعها في الأول من أيلول بحث الملاحظات المقدمة من ممثلي الوزارات والأجهزة الأمنية والعسكرية، مع التوجه لاستكمال صياغته تمهيداً لرفعه إلى رئاسة مجلس النواب.
وبحسب ما نشر بشأن جدول أعمال مجلس النواب، أُدرجت القراءة الثانية للمقترح ضمن جدول أعمال جلسة 21 أيلول 2026، فيما أشير إلى أن النسخة المعدّة للقراءة الثانية تتكون من 26 مادة، بعد أن كانت النسخة التي خضعت للقراءة الأولى في تموز تتكون من 32 مادة.
مخاوف ليست بالجديدة
ولم تكن هذه المرة الأولى التي تطرح فيها مسألة تشريع قانون خاص بجرائم تقنية المعلومات في البرلمان العراقي؛ إذ شهدت الدورة الانتخابية الخامسة قراءة أولى لمشروع قانون جرائم المعلوماتية في 21 تشرين الثاني 2022، بمشاركة عدد من اللجان النيابية، بينها القانونية والأمن والدفاع وحقوق الإنسان والنقل والاتصالات، إلا أن المشروع لم يصل إلى مرحلة التصويت والنشر بوصفه قانوناً نافذاً.
وتتركز أهمية التشريع المقترح في محاولة إيجاد إطار قانوني خاص للتعامل مع الجرائم المرتكبة باستخدام الحاسوب وشبكات الاتصال، في ظل اتساع استخدام الفضاء الرقمي وتطور أشكال الجرائم الإلكترونية.
وفي المقابل، تثير منظمات حقوقية وقانونيون مخاوف بشأن بعض الصياغات والعقوبات وحدود تطبيقها على أنشطة النشر والتعبير، وهو ما أعاد النقاش حول ضرورة الموازنة بين مكافحة الجرائم الرقمية وضمان الحقوق والحريات الدستورية.
تحذير من المسودة المطروحة
وحذّر مجلس الحقوق والحريات العراقي من تشريع مسودة قانون جرائم تقنية المعلومات، المقرر طرحها للقراءة الثانية في مجلس النواب، معرباً عن قلقه من أن تتضمن المسودة قيوداً على حرية التعبير والنشر واستخدام الفضاء الرقمي.
وقال المجلس، إنه تابع مسار تشريع القانون المزمع طرحه للقراءة الثانية في مجلس النواب، معرباً عن رفضه لما وصفه بإقصاء المجتمع المدني والصحفيين وأصحاب المصلحة من النقاشات الأولية للمسودة.
وأشار إلى أن أهمية حماية الخصوصية والحقوق الرقمية للأفراد ومكافحة التضليل والابتزاز والاستغلال الرقمي لا تعني، بحسب البيان، اعتماد نصوص قد تتحول إلى أداة لتقييد حرية الرأي والإعلام والمواطنة الرقمية، لافتاً إلى أن اللجان البرلمانية المعنية تجاهلت، وفقاً لرؤيته، النقاشات والملاحظات التي قُدمت على المسودة خلال السنوات الماضية.
وحدد المجلس أربعة محاور رئيسية لاعتراضه على المسودة، تمثلت في مخالفة المادة (38) من الدستور، وتضمن المسودة عبارات فضفاضة واعترض ايضاً على العقوبات الواردة في المسودة، وكذلك على إعدادها من قبل لجنة الأمن والدفاع البرلمانية ثم عرضها على لجان أخرى، معتبراً أن ذلك يعكس، بحسب رؤيته، غلبة المنظور الأمني على معالجة قضايا الحقوق والحريات المرتبطة بالفضاء الرقمي.
وطالب مجلس الحقوق والحريات العراقي بسحب مسودة القانون من جدول أعمال جلسة مجلس النواب المقبلة، وإعادة صياغتها عبر لجان متخصصة، وبمشاركة فاعلة من منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الصحفية والخبراء الحقوقيين، بما يضمن حماية الحقوق الرقمية للعراقيين وعدم المساس بحقهم في حرية التعبير.
لِمَ الاعتراض؟
في هذا الصدد، قالت عضو مجلس الحقوق والحريات بشرى أبو العيس، إن المجلس سجّل مجموعة من الملاحظات والاعتراضات على مسودة قانون جرائم تقنية المعلومات، تتعلق بإقصاء المجتمع المدني والصحفيين والإعلاميين والمدونين والمدافعين عن حقوق الإنسان عن مناقشة المسودة قبل إقرارها وقراءتها والتصويت عليها.
وأوضحت لـ"طريق الشعب"، أن هذا الإقصاء يمثل مشكلة مهمة على مستوى إقرار التشريعات الخاصة بقضايا الدفاع الرقمي والنشر عبر منصات التواصل الاجتماعي، مبينة أن المجلس حدد أربع نقاط أساسية يعترض عليها في المسودة.
وأضافت أن من بين أبرز الاعتراضات أن القانون تجاوز المادة (38) من الدستور، فضلاً عن استخدامه مصطلحات وصياغات مطاطة يمكن أن تتيح للسلطات التنفيذية أو القضائية تفسير القضايا وفقاً لآليات مختلفة في تطبيقها، الأمر الذي يثير مخاوف بشأن اتساع نطاق التجريم.
وأشارت إلى أن المجلس يعترض كذلك على إعداد المسودة من قبل لجنة أمنية، ثم عرضها لاحقاً على لجان أخرى، معتبرة أن خروج التشريع من لجنة أمنية قد يعطي انطباعاً بأن الجانب الأمني هو الغالب في معالجة موضوع يتعلق أيضاً بالحقوق والحريات.
وأكدت أبو العيس أن مجموعة هذه الملاحظات تدفع، من وجهة نظر المجلس، باتجاه تقييد الأصوات وتضييق مساحة الحريات، لافتة في الوقت ذاته إلى الاعتراض على العقوبات الواردة في المسودة، والتي تصل إلى السجن المؤبد، فضلاً عن مدد السجن والغرامات المالية المرتفعة.
وبيّنت أن هذه العقوبات، وفقاً لرؤية المجلس، قد تؤثر في مساحة التعبير الحر، مشيرة إلى وجود مخاوف من إمكانية استغلال بعض مواد القانون مستقبلاً لقمع الأصوات المعارضة أو تقييد التعبير عن الرأي.
وقالت إن هذه المخاوف تتصل أيضاً بما وصفته بتعارض بعض مضامين المسودة مع المبادئ الدستورية المتعلقة بالنظام الديمقراطي وحرية التعبير والتظاهر السلمي، مشيرة إلى أن الدستور العراقي أقر العراق دولةً ديمقراطية، وكفل حرية التعبير والتظاهر السلمي.
وفي ما يتعلق بالنشر الوهمي أو إساءة استخدام المنصات الرسمية، أكدت أبو العيس أن مجلس الحقوق والحريات لا يعارض تنظيم هذه المسائل، مشيرة إلى إمكانية معالجتها من خلال أطر قانونية واضحة ومنظمة.
وتابعت أن المجلس ليس ضد تنظيم النشر الرقمي أو التعامل مع التطورات الجديدة، بما فيها تقنيات الذكاء الاصطناعي، وإنما يعترض على الآليات والصياغات الواردة في المسودة، ولا سيما ما يتعلق بالعقوبات المغلظة التي قد تؤدي، بحسب رأي المجلس، إلى تقييد حرية التعبير عن الرأي.
وشددت أبو العيس على أن مجلس الحقوق والحريات، إلى جانب منظمات المجتمع المدني والمدافعين عن حقوق الإنسان وحرية التعبير والتظاهر السلمي، يطالب اللجان النيابية التي تطرح مثل هذه التشريعات بإشراك المجتمع المدني والجهات المعنية في مناقشة القوانين ذات الصلة، للوصول إلى مسودات تحظى بمشاركة مجتمعية أوسع وقبول مجتمعي أكبر.
وأشارت إلى أن المجتمع المدني والمختصين لم يُمنحوا، الدور الكافي في مناقشة المسودة الحالية، معتبرة أن تجاهل آراء المختصين والمجتمع المدني قد يؤدي إلى تشريع قانون لا يدرك المواطن العادي خطورته إلا بعد دخوله حيز التنفيذ وترتب عقوبات على المخالفات المنصوص عليها فيه.
ودعت أبو العيس مجلس النواب إلى التريث في التصويت على المسودة، وإتاحة المجال أمام المجتمع المدني والجهات المختصة للمشاركة في مناقشاتها، وتوجيه الدعوات إلى المعنيين بهذا الملف، بهدف الوصول إلى صيغة قانونية تنظم الفضاء الرقمي وتحظى بقبول مجتمعي أوسع.
لا جديد يُذكر
من جانبه، اكد المختص في القانون الدستوري وائل منذر، أن المسودة الحالية المقدمة بصيغة مقترح من قبل لجنة الأمن والدفاع بشأن قانون جرائم تقنية المعلومات، رغم كونها نسخة مقدمة خلال الدورة النيابية الحالية، فإن صياغتها من الناحية الفعلية لا تعدو أن تكون النسخة ذاتها من مشروع قانون الجرائم الإلكترونية الذي سبق أن قدمته الحكومة عام 2010 من دون تغييرات جوهرية.
وقال منذر في حديث لـ"طريق الشعب"، أن النسخة السابقة، وكذلك النسخة الحالية، لا تتضمن في جوهرها تشريعاً خاصاً بجرائم تقنية المعلومات، وإنما تكرر عدداً من الجرائم المنصوص عليها أصلاً في قانون العقوبات، مع إضافة وصف ارتكابها عبر الوسائل الإلكترونية، إلى جانب أربع جرائم يمكن وصفها فعلياً بأنها جرائم إلكترونية ترتبط بتقنيات المعلومات.
وأضاف أن "نسخة القانون الحالية، من الناحية الفعلية، لا يمكن وصفها بأنها قانون خاص بجرائم تقنية المعلومات"، باعتبار أن غالبية السلوكيات والأفعال المجرّمة في المقترح منصوص عليها مسبقاً في قانون العقوبات، مع اعتماد الأسلوب ذاته في التجريم وتشديد العقوبات مقارنة بالعقوبات الواردة في القانون النافذ.
وأشار منذر إلى أن مقترح لجنة الأمن والدفاع تجاهل ما توصلت إليه اللجان النيابية السابقة خلال الدورة الماضية، والتي انتهت إلى اتفاق بشأن حذف الجرائم المرتبطة بصياغات وعبارات فضفاضة، والإبقاء على أربع جرائم فقط بوصفها جرائم إلكترونية حقيقية، أي تلك التي ترتكب من خلال تقنيات المعلومات، وحذف بقية الجرائم لكونها منصوصاً عليها أصلاً في قانون العقوبات، وبالتالي لا توجد حاجة إلى تكرارها أو تشديد العقوبات الخاصة بها.
وبيّن أن الإشكالية المتعلقة بالصيغة الحالية للمقترح تقع على عدة مستويات، أولها ما يتعلق بتشديد العقوبات مقارنة بما هو موجود في قانون العقوبات، معتبراً أن ذلك يتعارض مع الاتجاه الحديث في فلسفة التشريعات الجنائية، التي تتجه إلى التوسع في العقوبات البديلة والإصلاحية، بما يسهم في تقليل التكاليف المترتبة على الدولة جراء تنفيذ العقوبات، والعمل في الوقت ذاته على إصلاح الجناة وإعادتهم إلى المجتمع بوصفهم مواطنين نافعين، من دون تحميل الدولة تكاليف إضافية.
وتابع أن المستوى الثاني يتعلق بصيغة المقترح، موضحاً أن أي تعديل سيُطرح خلال المناقشات النيابية سيُعد تعديلاً إضافياً على النص، وبالتالي، في حال عدم موافقة مجلس النواب عليه أثناء التصويت، فإن ذلك قد يؤدي إلى العودة إلى النسخة الأصلية، وهو ما يمثل خطورة فيما يتعلق بحماية الحقوق والحريات واستخدام الفضاء الإلكتروني بالنسبة للمواطنين.
ولفت منذر إلى أن النسخة الحالية تجاهلت كذلك الجهود والنقاشات البرلمانية التي جرت خلال السنوات السابقة، فضلاً عن آراء منظمات المجتمع المدني والخبراء والمتخصصين في هذا المجال، سواء في ما يتعلق بصياغة النصوص القانونية أو برسم السياسات الجنائية، مشيراً إلى أن هؤلاء لم تتم مناقشتهم أو دعوتهم إلى الاجتماعات المتعلقة بمناقشة هذه المسودة.
وأكد أن المقترح لم يأخذ بنظر الاعتبار أيضاً الجهود التي بذلت منذ عام 2011 وحتى الوقت الحاضر، والنقاشات التي جرت خلال عدة دورات نيابية بشأن تشريع قانون خاص بجرائم تقنية المعلومات، معتبراً أن إعادة طرح نسخة قديمة لا تتناسب مع التطورات التقنية والإلكترونية الحالية، ولا يمكنها تغطية مختلف صور الجرائم الإلكترونية المستحدثة.
وخلص الى القول، أن الإشكالية لا تقتصر على عدم مواكبة التطورات التقنية، بل تشمل أيضاً تضمين المقترح جرائم لا ترتبط بالإطار الإلكتروني بصورة مباشرة، فضلاً عن صياغة بعضها بطريقة قد تفتح المجال أمام المساس بالحقوق والحريات، بدلاً من أن تؤدي إلى تنظيم الإطار القانوني المتعلق باستخدام تقنيات المعلومات والفضاء الإلكتروني.