ما زلتُ أتذكّرُ أوّل جملةٍ كتبتها لي الكاتبة والمترجمة القديرة لطفية الدليمي، عام 2013م، حينما كنتُ أكتب مراجعاتٍ عن الكتب في مجموعةٍ ثقافية تحمل عنوان: «أنفي يطلق الروايات». حينها كنتُ أكتب للمتعة لا أكثر. كتبَتْ لي: «عزيزتي رشا، أرى فيكِ بذرة كاتبة موهوبة لا بدّ أن تُرعى، وأنا سأتحمّلُ مسؤوليّة رعايتك بكل أمانةٍ ومحبة». منذ تلك اللحظة، غيّرَتْ هذه الجملة مفهومي للكتابة والقراءة على حدٍّ سواء؛ فحينما تتبنّى كاتبةٌ قديرة مثل (لطفية الدليمي) كاتبةً شابة، فلا بدّ أن تأخذ الأخيرةُ الكتابةَ على محمل الجدّ.
إعادة تشكيل
كانت تكتب لي بين حينٍ وآخر، تقترح عليّ قراءة كتبٍ مهمة، أو تُنقّحُ لي نصًّا أرغب في نشره. ومع مرور الوقت صار تواصلنا يوميًّا، ولمراتٍ عدة في اليوم. لم تكتفِ ملهمتي الخالدة بإعادة صياغة موهبتي فحسب، بل أعادت تشكيل شخصيتي، وعملَتْ على تشذيب طباعي وتعزيز نقاط القوة فيها. تابعَتْ، بكل ما تحتويه الأمُّ من قدرة على العطاء، كلَّ صغيرةٍ وكبيرةٍ فيَّ. كانت تقسو في أحيانٍ كثيرة حبًّا وحرصًا، رأت فيَّ ما لم يره الأقربون دمًا، فاستبشرَتْ بولادة كاتبةٍ ناقدة، مثلما كانت تقول لي دائمًا: «ستتكرّسين ناقدةً، شئتِ أم أبيتِ».
الصالون الثقافي
بعد خمس سنواتٍ من ذلك، تجاوَزْنا مرحلةَ المعلّم والتلميذ لننتقل إلى مرحلةٍ أجمل وأكمل، هي الأمومة والصداقة. أسّسْنا ما يشبهُ الصالون الثقافي، نتشارك فيه قراءة الكتب والمقالات، ومشاهدة الأفلام والمسلسلات العالمية، ونتبادَلُ مقاطع من الموسيقا الكلاسيكية، وأخرى لعُمَر خيرت، ونقرأ نصوصًا من المسرح العربي والعالمي. مَنْ يعرف لطفية الدليمي عن قرب، يعرف مدى انضباطها العالي؛ فلولا دستورُها الصارم الذي وضعَتْهُ لنفسها، والتزمت به منذ عقود عدة، لَمَا غدَتْ ظاهرةً ثقافية لا تتكرّرُ في المشهد الثقافي العراقي والعربي. حينما يَرِدُ اسمُ الدليمي، فنحن نتحدّثُ عن مشروعٍ متكامل يندر أن تجد له مثيلًا، نتحدث عن تاريخٍ تجاوز الخمسين عامًا من الإبداع المتواصل في مجالاتٍ عدة، تنوّعت ما بين القصة والرواية والمسرح والترجمة والمذكّرات والسير الذاتيّة وكتابة المقالات العلمية والفكرية والنقد الأدبي والثقافي. ركّزت الدليمي في مشروعها السردي على المرأة؛ لا بوصفها جزءًا من المجتمع فقط، بل بوصفها ربّة الحياة وملهمة الخلق والقوة. وفي روايتها «سيدات زحل»، وظّفت المرأة، عبر بطلة الرواية (حياة البابلي)، كذاكرةٍ للوطن، ومُدَوّّنةٍ لكراساته التاريخية. تتميّز بطلات الدليمي غالبًا بامتلاكهن سمة الإصرار والعزيمة، وتمسّكهنّ بالأمل والحلم حتى في أصعب الظروف وأقساها.
الدفاع عن المرأة
لم تكتفِ لطفية الدليمي بالدفاع عن حقوق المرأة عبر نساء رواياتها ومجموعاتها القصصية، بل كانت ثيمةُ مشروعها السّردي مرآةً لمشروعها الثقافي الشخصي؛ فتبنّت، منذ لحظة ظهورها الثقافي الأول، مشروع الدفاع عن المرأة وحقها في العيش الذي تختاره، وحقها بالرفض والقبول اللذَيْن تقرّرهُما هي، لا الآخر (الرجل)؛ لكنّ ذلك لم يحدث عبر الخطابات النسوية المستهلكة، بل عبر فعلٍ ثقافي لا يعوّل على الضجيج الإعلامي، ليتحوّل هذا الفعل، فيما بعد، إلى مشروعٍ ثقافي راسخ ممتد عبر السنين.
يقول الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه: «نملك الفن كي لا نهلك بالحياة»، وأعتقدُ أنّ لطفية الدليمي ردّت على خسارات الوطن المتكررة، واغترابها القسري عن بغدادها التي تُحب، وعن منزلها وحديقتها الأثيرة، بالكتابة والترجمة والنقد؛ فلم تهلك يومًا حيّة، ولا أعتقدُ أنها ستهلك يومًا بعد ارتقائها الأخير. ستبقى كاتبتنا القديرة خالدةً في فكر قرّائها الذين منحتهم حقَّ المشاركة في القراءة الفعلية ومساءلة النص، كما ستبقى خالدةً في أرواح أصدقائها ومُحبّيها الذين منحَتْهُم معنىً آخر للصداقة لم يختبروه من قبل- صداقةَ الروح والفكر. ستبقى أمّي الروحية ومعلّمتي الكبيرة حيّةً في روحي ما حييت، وسأُديم ذكرها الطيب ما دام في العمر بقية، وسأظلُّ امتدادًا لهذه الظاهرة الثقافية، وأنا أحمل وصيتها في روحي وقلبي وعقلي.
ستحيا لطفية الدليمي كل يوم، ما دام في الأفق قارئٌ يُقْرَأُ له.
ــــــــــــــــــــ
* قاصة وكاتبة