م تكتف كثير من الأمهات بمواجهة الخوف من فقدان أطفالهن في أعقاب تطبيق أحكام المدونة الجعفرية، بل وجدن أنفسهن في مواجهة حملات إساءة وتشكيك في سمعتهن، بعدما شاركن في وقفات احتجاجية للمطالبة بحقهن في الحضانة. وبين أروقة المحاكم وساحات الاحتجاج، تخوض النساء معركة مزدوجة لاستعادة أطفالهن والدفاع عن كرامتهن، في وقت يتحول فيه حقهن في الاعتراض إلى ذريعة للتشهير بهن والانتقاص منهن.
في وقفات احتجاجية متعددة، اجتمعت عشرات النساء في محافظات مختلفة من البلاد، احتجاجاً على التعديلات المتعلقة بحضانة الأطفال، ومطالبة بإعادة النظر في أحكام المدونة الجعفرية، واعتماد تشريع يضع مصلحة الطفل في مقدمة الاعتبارات. وقد كشفت شهادات بعض المشاركات حجم الأثر الذي تتركه النزاعات القانونية في حياة الأمهات وأطفالهن.
تروي المواطنة أم حسن أنها تعرضت للطلاق غيابيا، وأنها تولت تربية أطفالها بمفردها، رغم الصعوبات المعيشية وغياب النفقة، قبل أن تواجه احتمال حرمانها منهم. وتقول: "المدونة الجعفرية أصبحت تظلم النساء بشكل كبير"، معتبرة أن القرارات التي تحرم الأمهات من أطفالهن "أشبه بالإعدام بحق الأمهات" على حد تعبيرها.
أما زهراء رعد، فتعيش تجربة أكثر قسوة بعدما انقطعت أخبار ابنتها البالغة ثماني سنوات. وتقول إن طليقها يساومها على مبلغ قدره 35 مليون دينار مقابل تمكينها من رؤيتها أو سماع صوتها.
وتضيف: "مضت خمسة أيام وأنا لا أعرف أي شيء عن ابنتي، ما ذنبي حتى يساومني على 35 مليوناً مقابل أن أسمع صوتها مرة واحدة؟" وتطالب القضاء بالتدخل وإعادة ابنتها إليها.
أطفال يعودون إلى أمهاتهم هرباً من سوء المعاملة
ولا تقتصر مخاوف الأمهات على الانفصال عن أطفالهن، بل تمتد لتشمل أيضا الظروف التي قد يواجهها الصغار بعد انتقالهم إلى حضانة الأب، خصوصا في الحالات التي لا تتوافر فيها الرعاية المناسبة أو يشعر فيها الطفل بالخوف وعدم الاستقرار.
وفي وقفة احتجاجية نظمت في ساحة الفردوس في السادس من حزيران 2026، قالت أم مصطفى إنها شاركت للمطالبة بتعديلات تحمي الأطفال من الأذى وسوء المعاملة بعد انتقال حضانتهم إلى آبائهم. وروت أنها سلّمت أبناءها إلى والدهم وفقا لما يقتضيه القانون، لكنهم عادوا إليها بعد أيام قليلة، بعدما هربوا من المنزل بسبب ما وصفته بسوء المعاملة والتعنيف والإهمال.
وأضافت أن أبناءها لم يحصلوا على الرعاية الكافية أو وجبات الطعام بصورة منتظمة، مؤكدة امتلاكها ما يثبت تعرضهم للأذى، وداعية الجهات المعنية إلى إعادة النظر في أحكام الحضانة.
وتطرح هذه الشهادات تساؤلات بشأن مدى مراعاة الظروف النفسية والاجتماعية للأطفال عند البت في قضايا الحضانة، وتؤكد ضرورة دراسة كل حالة على حدة، بدلاً من افتراض أن انتقال الطفل من أحد الوالدين إلى الآخر يضمن، بحد ذاته، توفير بيئة أفضل له.
من المطالبة بالحقوق إلى استهداف السمعة
وبالتوازي مع هذه المعاناة، تواجه الأمهات المحتجات خطاباً يتجاوز مناقشة مواقفهن القانونية إلى التشكيك في أخلاقهن ودوافعهن. وقد شهدت مواقع التواصل الاجتماعي تداول صور ومقاطع فيديو مسيئة لنساء شاركن في الاحتجاجات، بالتزامن مع استخدام الصفحات في حملات تشهير وتحريض استهدفت أمهات مطلقات ونساء محتجات. وتضمنت هذه الحملات أوصافا مهينة واتهامات غير مثبتة، فضلاً عن نشر صور ومحتويات مضللة بشأن دوافع المشاركة في الوقفات الاحتجاجية.
وبدلا من الإصغاء إلى شهادات الأمهات والتحقق من المخاوف التي يطرحنها، تصبح المرأة نفسها موضع اتهام، فيما تتراجع القضية الأساسية إلى الخلف، وهي ضمان حقوق الطفل وحمايته.
وتؤكد الناشطة الحقوقية أزهار الدليمي في تصريح اطلعت عليه "طريق الشعب" أن انتقال الحضانة من الأم إلى الأب بصورة تلقائية يمثل إشكالية في بعض الحالات، ولا سيما عندما يكون الطفل قد أمضى سنوات طويلة في رعاية أمه. وتشدد على أن مصلحة الطفل يجب أن تكون المعيار الأساس في قرارات الحضانة، بعيدا عن الخلافات الشخصية بين الوالدين.
حضانة الأطفال ليست عقوبة للأمهات
إن ما تطالب به النساء المحتجات لا ينبغي اختزاله في صراع بين الأم والأب، بل إنه يتطلب نقاشاً قانونياً واجتماعياً يضمن عدم استخدام الأطفال أدوات للضغط أو الانتقام، ويأخذ في الاعتبار ظروفهم واحتياجاتهم النفسية ومتطلبات استقرارهم. كما يستلزم الأمر توفير ضمانات قانونية تتيح للأمهات الاعتراض على القرارات التي تمس حياتهن الأسرية، وتحميهن من التهديد والتشهير والتحريض.
وتقع على عاتق الجهات التشريعية والقضائية مسؤولية مراجعة الإشكالات التي تثيرها تطبيقات المدونة، وضمان التعامل مع كل قضية حضانة وفق لظروفها الخاصة، فضلاً عن اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية النساء من حملات الإساءة ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون.
فالأمهات اللواتي يخرجن إلى الشارع للمطالبة بأطفالهن لا يحتجن إلى محاكمات اجتماعية إضافية، بل إلى مؤسسات تنصت إلى مخاوفهن، وتحقق في شكاواهن وتضمن حقوق الأطفال.