اخر الاخبار

تتكامل ملامح الكارثة البيئية والصحية في أجواء بغداد. فإلى جانب ما تنفثه المصانع وحرائق النفايات ومصاهر المعادن العشوائية، يبرز خطر نحو 13 ألف مولدة أهلية وتجارية، تنتشر في أرجاء العاصمة، ووسط التجمعات السكانية، لتنفث ليل نهار أدخنة سامة مصحوبة بضوضاء صاخبة، مُشكّلة إلى جانب مصادر تلوّث أخرى، ضغطا هائلا على المستشفيات التي تكتظ باستمرار بأطفال ومسنين يعانون اضطرابات الجهاز التنفسي والتوتر العصبي وقلة النوم.

هذه الأزمة الحادة تأتي كارتداد مباشر لأزمة تجهيز الطاقة الكهربائية الوطنية المزمنة - لا سيما في فصل الصيف - الأمر الذي يُجبر السكان وأصحاب المشاريع التجارية على الارتهان للمولدات، التي غالبا ما تعمل بلا محددات قانونية أو شروط فنية تراعي الواقعين البيئي والصحي للمواطنين.

وما يضاعف شدة الأزمة، هو أن الكثير من المجمعات التجارية يقع على مسافة قريبة جدا من النسيج السكاني، بل إن بعضها يربض داخل الأزقة الضيقة. وتمتلك تلك المجمعات مولدات ضخمة تعمل على مدار الساعة في ظل تردي الكهرباء، ما يُحوّل عوادمها وضوضاءها، من ملوثات بيئية عامة، إلى حصار يومي مباشر يقتحم بيوت المواطنين وغرف نومهم. 

كواتم غير فعّالة

في حي الطابقين بقضاء الدورة جنوبي بغداد، فرض افتتاح مجمع تجاري كبير، نشاطا تجاريا على مدار ساعات اليوم، مصحوبا بزخم مروري وصوتي. ويعتمد هذا المجمع كليا على منظومة مولدات ديزل عملاقة تفتقر الى العوازل وكواتم الصوت النموذجية.

ووفقا لما تنقله وكالات أنباء عن مواطنين من سكان الحي، فإن الضجيج لم يتوقف عند أسوار المجمع، إنما تسلل إلى الأزقة السكنية المجاورة في شارع المصفى وامتدادات حي الجمعية المجاور، ليفرض متغيراً طارئاً على أهالي الدورة الذين اعتادوا لعقود التعايش مع الانبعاثات الهوائية لمصفى النفط ومحطة الكهرباء، قبل أن تحاصرهم المولدات التجارية بصدمة صوتية واهتزازية غير مسبوقة!

يقول المواطن سيف محمد، ان "معاناتنا لا تتوقف لدقيقة واحدة على مدار اليوم. المجمّع يعمل بالكامل على مولدات ضخمة بلا كواتم صوت حقيقية، لأن المشروع يفتقر الى الكهرباء الوطنية".

ويوضح في حديث صحفي أن "الضجيج مستمر ليل نهار من دون انقطاع. وقد تحولت بيوتنا إلى أماكن لا تطاق، وصار فتح نافذة لتجديد الهواء أو الجلوس في حديقة المنزل أمراً مستحيلاً"!

ويستدرك محمد: "نحن هنا نتحمل أساساً عبء التلوث الناجم عن انبعاثات المصفى وغازات محطة الكهرباء، واليوم يأتي هذا الضجيج والدخان الأسود الكثيف ليجعلا المنطقة بالكامل غير صالحة للعيش الآمن".

ويتابع قائلا: "نعرف أن رفع المولدات في بلد ينتج نحو نصف حاجته من الطاقة، أمر مستحيل، لكن كل ما نطالب به هو إلزام أصحاب المولدات، بخاصة الكبيرة التي تعمل في المولات، بتركيب كواتم حقيقية ومداخن نظامية". 

أضرار صحية ومالية

في الجانب الغربي من العاصمة، وتحديداً في حي العامرية، لا يتوقف أثر التمدد التجاري العشوائي عند حدود الإزعاج العابر، بل يتعداه ليكبّد السكان أضرارا صحية وخسائر عقارية.

فعلى بعد أمتار قليلة من الجدار الخلفي لمجمّع تجاري كبير في المنطقة، تواجه المنازل المقابلة لمنظومة التوليد ضوضاء متواصلة وانسكابات وقود، على الرغم من صدور إنذارات رسمية سابقة بحق المجمّع.

ووفقا لما تنقله وكالات أنباء عن المواطن أحمد صبري، فإن "ثلاث عائلات من جيراننا الملاصقين للمجمع التجاري، اضطرت إلى بيع منازلها بأسعار بخسة تقل بنحو 25 مليون دينار عن قيمتها الحقيقية، فقط للفرار من الضوضاء والاهتزازات".

وتؤكد مكاتب عقارية في العامرية، تسجيل هبوط في قيمة البيع والإيجار للوحدات السكنية المحاذية للمراكز التجارية والمطاعم.

وبحسب صبري، فإن نوبات الغضب والتوتر الحاد التي يُعانيها وغيره من السكان، تبين أنها استجابة نفسية للقلق المزمن الناتج من التعرض اليومي لاهتزازات المولدات.

معايشة مع ضجيج مستمر!

الأمر ذاته يتكرر في منطقة اليرموك. فعلى بعد أمتار معدودة من جدار خلفي لنادٍ ترفيهي، تحولت حياة المواطن عمار خميس وأسرته إلى معايشة مع الضجيج.

يقول في حديث صحفي، ان "الصوت دمرنا حرفياً ولا يوجد أي حل حتى اللحظة. نعيش صباحاً ومساءً وسط دوي واهتزازات مستمرة داخل المنزل، رغم ابتعادنا أمتاراً عدة عن موقع المولدات".

ويتابع قوله: "هذا فضلاً عن الروائح الخانقة والدخان الذي يملأ الشارع ويصل إلى المدرسة القريبة، إلى جانب تسرب المياه من خزانات المولدات"، مؤكدا أنه "لم نترك باباً رسمياً إلا وطرقناه، قدمنا شكاوى إلى أمانة بغداد وبلدية المنصور منذ عامين، وجددناها قبل شهور، لكن مناشداتنا قوبلت بتجاهل تام"! 

منظمة الصحة تُحذّر

تحذر الدلائل الإرشادية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية لعام 2018، من أن تجاوز مستويات الضوضاء البيئية سقف 53 ديسيبل نهاراً و45 ديسيبل ليلاً ينقل التلوث الصوتي من مجرد مصدر إزعاج إلى مسبب مباشر لاعتلالات صحية وبائية خطيرة.

وتوضح المراجع الطبية أن التعرض المستمر لموجات صوتية تتخطى عتبة الـ75 ديسيبل يطلق حالة تأهب وإجهاد دائمة في الجهاز العصبي.

ولا تتوقف التداعيات الفيزيولوجية عند هذا الحد. فالاهتزازات منخفضة التردد المصاحبة لمحركات الديزل، تؤدي - وفقاً لاختصاصيين - إلى تفتيت بنية النوم الطبيعية وحرمان الدماغ من النوم العميق، في حين يُلحق التعرض طويل الأمد لمستويات تفوق الـ55 ديسيبل أضراراً يصفونها بالفادحة لنمو الأطفال.

وفي بغداد، تؤكد التقديرات الميدانية أن أكثر من 80 في المائة من السكان يتعرضون لإجهاد ضوضائي حاد يتخطى المعايير الآمنة عالمياً ومحلياً.  

ما دور أجهزة الدفاع المدني؟!

يضع الدفاع المدني انتشار المولدات التجارية داخل الأحياء السكنية ضمن خانة "واقع الحال" المفروض نتيجة تردي الكهرباء الوطنية، متبرئاً من مسؤولية تحديد مواقع المولدات أو ترخيص وجودها على الأرصفة والممرات المحاذية للمنازل.

ويوضح المتحدث الرسمي باسم مديرية الدفاع المدني، نؤاس صباح، في حديث صحفي، أن "الصلاحية المكانية تعود حصراً إلى أمانة بغداد والدوائر البلدية، بينما ينحصر دور الدفاع المدني في إجراء كشوفات دورية للتحقق من تدابير الإطفاء وعزل خزانات الوقود عن المحركات لتفادي حوادث الاشتعال.

وبينما يخلي الدفاع المدني مسؤوليته عن غياب الكواتم، باعتبار ذلك اختصاصاً حصرياً لوزارة البيئة، يقر صباح بأن جوهر الأزمة يكمن في تشتت المسؤوليات بين أربع جهات رسمية تعمل في "جزر معزولة" - حسب تعبيره، وهي: أمانة بغداد المسؤولة عن الرخص والمواقع، ووزارة الكهرباء، ووزارة البيئة المعنية بالتلوث والضوضاء، والدفاع المدني المعني بإجراءات السلامة.

نصوص قانونية تصطدم بضعف التنفيذ

يكفل الدستور العراقي في مادته 33 حق كل فرد بالعيش في بيئة سليمة، وهو ما قننه قانون حماية وتحسين البيئة رقم 27 لسنة 2009 ونظام المحددات البيئية رقم 3 لسنة 2011 بحظر تجاوز سقف الضوضاء في الأحياء السكنية، والبالغ 55 ديسيبل نهاراً و45 ديسيبل ليلاً.

كما يرسي القانون في المادة 32 مبدأ "المسؤولية المفترضة" التي تلزم مسبب التلوث برفع الضرر والتعويض من دون اشتراط إثبات الخطأ الشخصي. ويمنح وزير البيئة صلاحية توجيه إنذار بمهلة عشرة أيام يعقبه الغلق الإداري للمنشأة، فضلاً عن عقوبات المادة 34 التي تصل إلى الحبس والغرامة المالية حتى 20 مليون دينار تتضاعف مع تكرار المخالفة.

وعلى الرغم من هذه المنظومة التشريعية، إلا ان تقرير تقويم الأداء الخاص بأداء وزارة البيئة في الرقابة والتفتيش وفرض الغرامات. كذلك تقارير تدقيق حسابات "صندوق حماية وتحسين البيئة" تتحدث عن فجوة رقابية تعطل الإنفاذ – وفقا لشبكة "نيريج" للصحافة الاستقصائية، التي تذكر أن البيانات الرسمية تُفيد بأن نسبة تحصيل الغرامات المفروضة لا تتجاوز الـ12 في المائة، نتيجة البطء البيروقراطي وغياب آليات الجباية الإلزامية.

وتضيف "نيريج" أن "أوامر الغلق الإداري تتحول غالبا إلى قرارات ورقية غير منفّذة، لافتقارها إلى الإسناد الأمني المباشر، متزامنة مع محدودية إمكانات جهاز الشرطة البيئية من حيث الكوادر ومعدات الرصد الميداني، ما يفرغ النصوص الرادعة من قدرتها على كبح المخالفات".

تجاوزات على المخططات الأساسية

تكشف الدراسات الأكاديمية المتخصصة في التخطيط الحضري والهندسة البيئية، المنشورة ضمن مستودع المجلات العلمية المحكمة في جامعتي بغداد والمستنصرية (IASJ)، أن أكثر من 40 في المائة من الواجهات السكنية المطلة على الشوارع التجميعية في قواطع المنصور والكرخ واليرموك والعامرية والكرادة، قد تعرضت لعمليات تحويل وتجريف وظيفي غير قانونية، لتحلّ محلها كتل تجارية ومطاعم ومجمعات غير مدرجة في مخططات النقل الأساسية، ما ضاعف الكثافة المرورية إلى ثلاثة أضعاف الطاقة التصميمية لتلك الشوارع.

وتؤكد إحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء ومسوح وزارة التخطيط أن خريطة الطاقة البديلة غير المنظمة تضم ما بين 48 إلى 49 ألف مولدة ديزل أهلية وتجارية في عموم البلاد. وتستأثر بغداد بالنصيب الأكبر بوجود ما يزيد على 13 ألف مولدة تعمل وسط التجمعات السكانية.

 في حين تكشف البيانات البيئية أن نسبة المولدات الملتزمة بتركيب كواتم صوتية مطابقة للمواصفات الهندسية لا تتعدى الـ5 في المائة!