اخر الاخبار

مع تكرار إعلان السلطات اعتقال قصّابين متورّطين ببيع لحوم حمراء مغشوشة، من بينها لحوم حمير وخيول وخنازير برية، فضلا عن لحوم مستوردة تباع على انها عراقية، بدأت مخاوف المستهلكين تتّسع، لا سيّما تجاه اللحوم المفرومة التي يصعب معرفة نوعها بمجرد النظر إليها.

وتزامنت المخاوف مع وقائع أمنية وقضائية، كان أبرزها ضبط قصّاب في محافظة النجف خلال هذا الشهر، اتُّهم بصيد الخنازير البرية وذبحها وبيع لحومها. وقد أصدرت محكمة جنايات النجف حُكماً بالسجن عشرة أعوام بحقه.

وامتدّت تداعيات القضية إلى بغداد. حيث تحدثت تقارير محلية عن عائلات قلّلت من شراء اللحوم المفرومة، واتّجه بعضها إلى لحوم الدجاج والأسماك، باعتبارها خياراً أكثر اطمئناناً. وفي الوقت ذاته، كشفت جهات رقابية عن ضبط لحومٍ تالفة في عدد من المدن، ما يعلّل أسباب مخاوف المواطنين من شراء اللحوم في الآونة الأخيرة.

وتأتي هذه الهزة في ثقة المستهلكين، في الوقت الذي يشهد فيه الشارع العراقي بالأساس تراجعا كبيرا في الإقبال على شراء اللحوم الحمراء، نتيجة الارتفاع الحاد في أسعارها. حيث تجاوز سعر الكيلوغرام من لحم الغنم عتبة الـ 22 ألف دينار، فيما بلغ سعر لحم البقر 18 ألف دينار للكيلوغرام الواحد في بعض المناطق، الأمر الذي جعل هذه المادة الغذائية الأساسية غائبة عن موائد الكثير من العائلات الفقيرة وذات الدخل المحدود.

وليست المخاوف بشأن لحوم الحمير جديدة في العراق. ففي كانون الثاني 2025، داهمت قوّة أمنية منزلاً في الديوانية، قالت السلطات انّه كان يُستخدم لذبح الخيول والحمير سرّاً. إذ عثرت في داخله على جلود وعظام ورأس حصان وبقايا حيوانات. فيما أفادت المعلومات الأولية بأنّ اللحوم كانت تُباع إلى مطاعم.

وبين هذه الوقائع وغيرها، تبدو الأزمة بالنسبة إلى المواطن أكبر من نوع اللحم نفسه. إذ تطورت إلى أزمة ثقة في السوق بشكل عام، وفي قدرة أجهزة الرقابة على ضمان الغذاء السليم والمطابق للمواصفات. إذ يرى الكثيرون من المستهلكين أن حملات التفتيش تأخذ أحيانا طابعا بروتوكوليا أو شكلياً لا يطال كبار المتلاعبين بسلامة الغذاء، عازين هذا الضعف الرقابي إلى تغلغل المحسوبيات والوساطات في بعض المفاصل، فضلا عن لجوء بعض ضعاف النفوس إلى تلقي الرشاوى وغض النظر عن المخالفات الكارثية، الأمر الذي بات يحول دون وصول فرق التدقيق الحقيقية إلى المخازن والمطاعم المخالفة، ويترك الشارع في حالة من القلق المستمر حول مصداقية ما يُعرض على الموائد.

أزمة ثقة

في حديث صحفي، تقول المواطنة لطيفة عبد الناصر، انّ مهنة القصابة كانت في نظرها واحدة من المهن التي تقوم على الأمانة قبل الربح.

وتقول أنه "في السابق كان القصّاب مُدركا أنّ مهنته تمسّ صحة الناس وحياتهم مباشرةً. لذلك كان يحرص على أن تكون لحومه محلية ومذبوحة في مجازر رسمية تضع عليها أختاما تُثبت سلامتها"، مضيفة قولها: "كنا نذهب إلى أيّ محل قصابة نعرفه ونشتري من دون أن نسأل عن مصدر اللحم. كانت الثقة موجودة بين الناس والقصّاب".

وتتابع قائلة: "أما اليوم، فقد صرت أُنبّه أبنائي وأقاربي وجيراني بألّا يشتروا اللحم إلّا من قصّاب يثقون فيه، والأفضل أن يروا الذبيحة أمامهم، وأن يُقطِّع لهم اللحم مباشرةً، وأمام أعينهم، من الأغنام أو الأبقار".

بدورها، تقول المواطنة هناء ياسين، أن أخبار الغش تثير لديها المخاوف كلما أرادت شراء اللحوم.

وتضيف في حديث صحفي قائلة: "نسمع باستمرار أخبارا عن قصّابين غشّاشين يبيعون لحوما مجهولة المصدر. مرّة يقولون انّ مصدرها خنزير ومرة حمار. لذلك، لم أشترِ لحما من القصابة منذ أكثر من شهرين، ولم نعد نأكل أيّ طعام يحتوي على اللحوم خارج المنزل".

وتلفت إلى أنّها تشتري الدجاج حيّاً من شخص تعرفه، وتطلب منه أن يُجهّزه أمامها. كذلك تشتري السمك من مصدرٍ تثق فيه.

وتقول: "ربّما يكون هذا أمرا متعباً، لكنّه بالنسبة لي أضمن لصحة عائلتي".

شراء الخروف حيّا بدلا من شراء لحمه!

تستمر المخاوف من اللحوم المغشوشة بالرغم من محاولة الجهات الرسمية تأكيد أهمية الرقابة والتشديد على جزر الماشية وفقاً للضوابط والشروط الصحية. فقد أعلنت وزارة الزراعة في أيلول الجاري تشديد الإجراءات الرقابية على عمليات الجزر ومحال القصابة. ودعت المواطنين إلى شراء اللحوم المختومة من الجهات البيطرية حصراً، مؤكدةً وجود لجانٍ تتابع محالّ القصابة والمجازر المعتمدة في بغداد والمحافظات.

لكن الثقة لا تُستعاد بالتوجيهات وحدها، خصوصاً عندما يشعر المستهلك أنّ عليه البحث بنفسه عن مصدر الذبيحة. وفي هذا السياق، اختار بعض المواطنين العودة إلى طريقة قديمة في شراء اللحوم تقوم على معرفة مربّي الماشية مباشرة.

إذ يقول الموظف فيصل الزيرجاوي، أنه ومجموعة من أصدقائه، صاروا يتوجهون مباشرة إلى مربّي الأغنام لشراء خروف، ثم يتقاسمون كلفته ويُشرفون على ذبحه وتجهيزه وتقطيعه وتوزيعه بينهم.

ويضيف في حديث صحفي قوله: "نذهب إلى المربّي بأنفسنا ونتشارك في خروف أو أكثر. فعندما ترى الحيوان أمامك وتعرف من أين اشتريته وكيف ذُبح، تشعر باطمئنان أكبر. ربّما تكون الطريقة مكلفة، لكنها تضمن لنا شراء لحوما آمنة سليمة".

غير أنّ البحث عن مصدر موثوق لا يعني بالضرورة الذهاب إلى الريف في كلّ مرة. فبعض العائلات اختارت بناء علاقات مباشرة مع مربّي ماشية تعرفهم، حتى لو تطلّب ذلك قطع مسافات طويلة، وذلك ما يفعله حسن نوري، الذي يسكن في كربلاء. حيث يقول إنّه يشتري اللحوم لأسرته منذ أربعة أعوام من قريبٍ له يربّي الأغنام في محافظة واسط، ويقطع أكثر من 200 كيلومتر للوصول إليه.

ويوضح في حديث صحفي أنه "أذهب تقريباً كلّ شهر أو أكثر، وأشتري كمية من اللحوم، أضعها في البراد كي تكفيني فترة طويلة. أعتقد أنّ هذه الطريقة أكثر ضماناً، وما أسمعه اليوم عن الغش جعلني أتمسك بها أكثر".

الركود يصيب عمل القصّابين

تصاعد أزمة ثقة المستهلك في القصاب، أضر كثيرا بعمل الأخير. إذ ان كلّ واقعة غش غذائي لا تؤثر في الضحية فقط، إنّما قد تمتدّ إلى أصحاب المهن الملتزمين الذين يجدون أنفسهم أمام زبائن أكثر شكّاً وتدقيقاً.

وفي هذا الصدد، يقول القصّاب أحمد الشيخلي، أن قضية لحوم الخنازير والأخبار المتداولة عن اللحوم المغشوشة تسبّبت في تراجع عمل الكثير من محالّ القصابة، مشيراً في حديث صحفي إلى أنّ الزبائن صاروا يسألون عن مصدر اللحوم، ويدقّقون في وجود الختم البيطري الرسمي، فضلا عن عزوف الكثيرين عن شراء اللحوم من الأساس.

 ويتابع قائلا: "يفعل ذلك حتى زبائني الذين يشترون اللحوم من محلي منذ أعوام. فالخوف يسيطر على الجميع، بل إنّ بعض زبائني توقفوا نهائيّاً عن شراء اللحوم، الأمر الذي أضر بعملي، شأن أقراني الآخرين".