تحوّلت المياه الواصلة إلى منازل المواطنين عبر شبكات الإسالة الحكومية، من خدمة أساسية وأهم مقوّم من مقومات الحياة، إلى مصدرٍ قلق دائم في ظل تصاعد الشكاوى بشأن تغيّر لونها ورائحتها واحتوائها على شوائب ومواد ملوّثة. ورغم ابتعاد المواطنين منذ سنواتٍ طويلة عن شرب هذه المياه، بعد تأكدهم من عدم صلاحيتها للشرب، وبالتالي اعتمادهم على المياه المعبأة، إلا أنّهم لا زالوا يستخدمونها في الغسل والتنظيف والاستحمام، ما يثير تساؤلات بشأن صلاحيتها للاستخدامات المنزلية.
وتصاعدت مخاوف الناس بعد أن كشف "مرصد العراق الأخضر" المعني بالبيئة، في بيان صحفي يوم 2 أيلول الجاري، عن انتهاء العمر التشغيلي لأغلب مشاريع تصفية المياه في البلاد، مشيراً إلى أنّ أربع محافظات هي الأكثر تأثراً.
واستند المرصد في ذلك إلى بيانات وتوصيات صادرة عن ديوان الرقابة المالية الاتحادي، لافتا إلى أن العمر التشغيلي التصميمي لعدد كبير من مشاريع تصفية المياه تجاوز 25 عاماً، فيما تعود مشاريع عديدة إلى سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته.
وأوضح المرصد في بيانه أنّ بابل وواسط والأنبار وصلاح الدين سجّلت العدد الأكبر من مشاريع تصفية المياه القديمة، الأمر الذي ينعكس على كفاءة التصفية وكمية المياه المنتجة ونوعيتها.
ولا تتوقف المشكلة عند تقادم المنشآت والبنى التحتية. إذ كشف بيان المرصد عن تسجيل حالات فشل في بعض الفحوص البكتريولوجية والفيزيائية والكيميائية لعيّنات مأخوذة من مشاريع ومجمعات مائية، فضلاً عن وجود تكسرات وتجاوزات على شبكات مياه الشرب، ما يساهم في تسرب الملوّثات إلى داخل الأنابيب، وبالتالي يؤثر في سلامة المياه المجهزة للمواطنين.
وبينما تبدو الأرقام والتقارير الرسمية والبيئية مؤشراً على مشكلة تتجاوز حدود الشكوى الفردية، تكشف تفاصيل الحياة اليومية جانباً آخر منها. فالمواطنون لا يتعاملون مع مياه الإسالة بوصفها مياها صالحة للشرب، بل بات كثيرون منهم يستعينون بوسائل إضافية لتنقيتها وتعقيمها قبل استخدامها حتى في أعمال المنزل.
وتأتي هذه الأزمة بالتزامن مع تدهور بيئي حاد يشهده ملف المياه من الأساس. إذ يعاني نهرا دجلة والفرات مستويات تلوث قياسية ناتجة عن إلقاء مياه الصرف الصحي والمخلفات الصناعية ومخلفات المستشفيات مباشرة في الأنهر دون معالجة، فضلاً عن أزمة شح المياه المستمرة التي أدت إلى انخفاض المناسيب وتصاعد معدلات الملوحة، لا سيما في مناطق الوسط والجنوب.
لا ثقة في مياه الإسالة
يُعرب مواطنون كثيرون عن مخاوفهم من رائحة مياه الإسالة ولونها وصولاً إلى ما تحتويه من شوائب وملوّثات تضر بالصحة، الأمر الذي يضطرهم إلى تجنب شربها.
وفي هذا السياق، تقول المواطنة سناء هادي، أن "مياه الإسالة لم تكن موضع شك بالنسبة إلى العائلات في سبعينيات القرن الماضي، وصولاً إلى التسعينيات"، مبيّنة في حديث صحفي انّ "المياه التي كانت تصل إلى المنازل عبر الأنابيب كانت تُستخدم حتى للشرب، ولم يعرف الناس يوماً المياه المعبّأة، لأنّ مياه الإسالة كانت أكثر نظافة وجودة ممّا هي عليه اليوم".
وتشير سناء إلى أنّ عائلتها، شأنها شأن عائلات كثيرة، بدأت منذ نحو ثلاثة عقود بالاعتماد على المياه المعبّأة للشرب، بعد أن فقدت الثقة في المياه الواصلة عبر الشبكة الحكومية.
مياه عفنة!
بدورها، تلفت المزارعة منى حساني إلى أنّ "القلق من مياه الإسالة لا يقتصر على الشرب. فعائلتي لاحظت في فترات مختلفة تغيراً في لون المياه، وظهور عفونة وروائح غير معتادة فيها، فضلا عن احتوائها على شوائب".
وتؤكد منى أنّ أفراداً من عائلتها أصيبوا بحساسية جلدية أظهرت الفحوص والاستشارات الطبية ارتباطها باستخدام مياه الإسالة، منوّهة إلى أن أسرتها باتت تعتمد منذ ذلك الوقت على أجهزة منزلية لتصفية المياه وتعقيمها، حتى في حال استخدامها للغسل والتنظيف وغسيل الملابس.
وتكشف شهادتا المواطنتين سناء ومنى جانباً من المشكلة لا يظهر بالضرورة في نتائج المختبرات وحدها. فحتى عندما يتوقف المواطن عن شرب مياه شبكة الإسالة، فإنّه لا يستطيع الاستغناء عنها في معظم تفاصيل حياته اليومية، ما يجعل جودة المياه مسألة تتعلق بالنظافة والصحة العامة، وليس بمياه الشرب فقط.
ويتحدث المواطن خالد الزبيدي عن هذه المخاوف، لكنّه يركّز على ما يصفه بالتغيّر الملحوظ في خصائص المياه التي تصل إلى منزله.
ويوضح في حديث صحفي انّ "المياه تحمل في كثير من الأحيان رائحة غريبة، وانّ لونها لا يكون شفافاً كما يُفترض"، مضيفا قوله: "كان هذا كافياً كي نستغني عن شربها، فيما خصصناها فقط لأعمال التنظيف بعد تنقيتها بواسطة أجهزة خاصة".
ويتابع الزبيدي قائلا أن "هناك إهمالا كبيرا من قبل الجهات المعنية. وقد ازداد الإهمال في القطاعات الخدمية بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، من دون أيّ حلول في الأفق".
أمراض جلدية
من جهته، يلفت الطبيب المتخصّص في الأمراض الجلدية، د. حسن الجبوري، إلى أنّ "التعرّض المتكرّر لمياهٍ ملوّثة أو غير معالجة، كان سببا في إصابة عدد من المواطنين بأمراض جلدية، خصوصاً عندما تحتوي المياه على ميكروبات أو ملوّثات كيميائية، أو عندما تكون ملوّثة نتيجة ضعف التعقيم والتصفية، وهذا ما حصل مرّات عدّة".
ويتطرّق الجبوري إلى تلوّث الأنهار بالمياه الآسنة ومخلّفات المستشفيات والمعامل، مبيّناً أنّ "النهر بعد تلوّثه يكون من الصعب تنقية المياه المأخوذة منه بدرجة كاملة".
التلوّث والملوحة يُفاقمان الأزمة
لا تقف حدود المشكلة عند كفاءة محطات التصفية وشبكات التوزيع فحسب، إنما تبدأ من المصدر الرئيس للمياه. حيث تواجه الأنهر ضغوطا بيئية هائلة جراء تحولها إلى مستوعبات للملوثات والمخلفات، بالتزامن مع تراجع الحصص المائية.
وعن ذلك، يقول الناشط البيئي حسن سعيد في حديث صحفي، أن "محطات التصفية الحالية، حتى وإن عملت بكامل طاقتها، لم تعد قادرة على التعامل مع نوعية المياه الخام الداخلة إليها. فالأنهر باتت مشبعة بمياه الصرف الصحي الثقيلة والمخلفات الكيميائية"، مضيفا قوله أن "الشح المائي رفع نسب الملوحة إلى مستويات لا يمكن للمنظومات التقليدية معالجتها، ما يعني أننا أمام خطر بيئي مزدوج يبدأ من النهر وينتهي في بيوت المواطنين"!
بين "المراشنة" وتكسّر الأنابيب
لا تقتصر المشكلة على جودة التصفية في المحطات القديمة فحسب، بل إن انخفاض مناسيب مياه نهري دجلة والفرات أجبر مديريات الماء على اعتماد نظام "المراشنة" في معظم المناطق، والذي يعني قطع المياه وضخها بالتناوب بين الأحياء السكنية.
وفي هذا الشأن، يقول مهندس أقدم في إحدى مديريات الماء بمحافظة واسط، أن "القطع المتكرر للمياه يؤدي إلى تفريغ شبكة الأنابيب من الضغط المائي، ما يتسبب في ظاهرة الامتصاص العكسي. حيث تسحب الأنابيب الأطيان والملوثات من التربة المحيطة عبر التكسرات والتجاوزات المنتشرة في الشبكة، لتندفع هذه الشوائب مباشرة إلى منازل المواطنين فور عودة الضخ".
ويتفق المواطن كريم الفتلاوي، من محافظة بابل، مع ما ذكره المهندس الأقدم. إذ يقول في حديث صحفي: "نعرف مواعيد عودة المياه من لونها ورائحتها. ففي الساعات الأولى للضخ تصلنا المياه حاملة طينا أحمر ورائحة كريهة. لذلك نضطر إلى ترك الحنفيات مفتوحة لهدر كميات كبيرة منها حتى تبدأ بالصفاء تدريجياً".
فشل خدمي مزمن رغم الموازنات الانفجارية!
في المقابل، يثير هذا التدهور في أهم مقوم من مقومات الحياة، تساؤلات مالية ورقابية كبرى. فالبلاد شهدت خلال السنوات الأخيرة تخصيص موازنات مالية وُصفت بالانفجارية لقطاع الخدمات والبنى التحتية، ومع ذلك لا تزال مشاريع تصفية المياه تعاني الإهمال.
ويرى مراقبون أن أزمة المياه في البلاد هي أزمة إدارة وتخطيط قبل أن تكون أزمة تخصيصات مالية، مشيرين في أحاديث صحفية إلى أن الأموال تذهب نحو حلول ترقيعية ومجمعات ماء وقتية، فيما تظل المحطات المركزية الكبرى أسيرة الفساد المالي وبيروقراطية التعاقدات التي تحول دون تحديث قطاع المياه وتخليصه من تركة السبعينيات والثمانينيات!
وفي هذا الصدد يقول الخبير الاقتصادي أحمد هيثم، أن "الإنفاق الحكومي على قطاع المياه والبلديات لم ينعكس على أرض الواقع بسبب غياب الرقابة الصارمة وهدر الأموال في مشاريع غير مكتملة، ما يفرض على الدولة إعادة النظر في استراتيجية إدارة ملف المياه وتوجيه الموازنات نحو بناء محطات تصفية حديثة وشبكات ناقلة جديدة تنهي معاناة المواطن اليومية".