في سن السابعة تخلى والد بدر شاكر السياب عنه، وسلمه لبيت جدته بعد وفاة أمه، ليعيش معظم حياته متجرعا ألم اليتم ومرارة الفقد وعدم الاستقرار، ومترجما معاناته أبياتا وقصائد شعر مذهلة متمردة على النمط الكلاسيكي للشعر العربي.
مأساة شاعرنا السياب شابهتها على نحو متقارب تجربة الشاعر والباحث وكاتب أدب الرحلات باسم فرات، الاسم اللامع أيضا في الأدب العراقي، صاحب عشر مجموعات شعرية وتسعة كتب في أدب الرحلات، والحاصل على جوائز أدبية محلية وعربية عديدة، أبرزها جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب.
في حوار بودكاست معه عُرض أخيرا عبر شاشة التلفاز، تحدث فرات عن مجريات حياته، وتفاصيل يتمه المريرة بعد مقتل والده، وتكفل جدته بتربيته الصارمة والأخلاقية في الوقت نفسه، مع تجرعه مرارة العوز واضطراره للعمل في سن مبكرة جدا. وفي منشور أرسله لي بعد ان راسلته وابديت إعجابي بكيفية تحقيقه نجاحاته رغم الفقد والحرمان في طفولته، كتب لي: "أنا ابن اليتم العميق، أشعر أن كل مَن تَلَفَّظَ في طفولته الـمبكرة بكلمتَي "أبي" و "أُمّي"، وتنعّم بذكرياتٍ مزدانة بهاتين الكلمتين، وبأنفاس أبويه تملأ فضاء البيت، لهو شخص نال من قطاف الجنة الكثير.
نعم، إن الجنة أن تعيش طفولتك في كنف أبوين، جنة لا يعي نعيمها مَن لم يُحرم منها، لكن مَن طُرد منها، وهو في الثانية من عمره مثلي، يَعيها جيدًا. اليتيم يتحسَّس كثيـرًا من كل شيء، وينظر إلى اهتمام الآخرين ومحاولاتهم تخفيف وطأة الحرمان عنه، على أنها شفقة، بل كثيرًا ما ينظر إليها بوصفها إهانة مُبطَّنة، ويعتبر "الأُعطيات" فضلات زائدة، يَتَصدّق بها الآخر عليه، وتحط من كرامته وكبريائه. اليُتم يصيبك بالشعور بالخذلان، أو الخيبة، طوال حياتك". لكن هذا الخذلان لم يمنع شاعرنا من تحمل أعباء الاعتماد على نفسه منذ سن السابعة، مشتغلا عامل مخبز يتلقى الصفعات مرارا، وفي محل لصناعة الأحذية، وفي محل أخر لصناعة الأدوات النحاسية، وحتى بائع أكفان في سوق كربلاء.
وهذا الخذلان جعله أيضا ينكَب على مشروعه الجمالي والمعرفي ، فقاده القنوط الى التحدي ليحقق ذاته مستعينا بالقراءة أولا ثم بكتابة الشعر، وأخيرا بالتمرد على بيئته والانطلاق نحو مساحات أرحب، في السفر والتنقل عبر أكثر من أربعين دولة ونحو ستمائة مدينة، كتب عنها روائع في أدب الرحلات، حتى صار من أهم كتاب هذا النوع الأدبي في عالمنا العربي..