لا تنشأ الحركات الاحتجاجية من فراغ، وإنما حين تُهضم الحقوق، وتتراكم المظالم، ويشعر الناس بأن المؤسسات القائمة لم تعد تستجيب لمطالبهم. وقد تبدأ باحتجاج محدود، ثم تتسع وتنتظم، وتلتقي بمطالب فئات أخرى، فتتحول إلى حركة اجتماعية قادرة على التأثير في السياسات وتغيير موازين القوى.
وتشهد بلدان أوروبية اليوم حراكاً اجتماعياً لافتاً. ففي إسبانيا خرجت تظاهرات واسعة دفاعاً عن الحق في السكن، واحتجاجاً على ارتفاع الإيجارات والمضاربة العقارية، التي جعلته بعيد المنال عن الشباب ومحدودي الدخل. وفي فرنسا، برزت احتجاجات طلابية ونقابية دفاعاً عن التعليم العام والخدمات والحقوق الاجتماعية، وامتدت الى إيطاليا وبلجيكا وبلدان اخرى. ورغم اختلاف المطالب، فإنها تلتقي في رفض تحميل الفئات الشعبية أعباء السياسات الاقتصادية، وضد تحويل الحقوق الأساسية إلى سلع خاضعة لمنطق الربح.
وتقدم صربيا تجربة لافتة في تطور الحركة الاحتجاجية. فقد انطلقت احتجاجات طلابية عقب انهيار مظلة محطة قطارات مدينة نوفي ساد عام 2024، ومقتل 16 شخصاً. وعلى مدى نحو عامين، واصل الطلبة حراكهم، ووسعوا مطالبهم لتشمل مكافحة الفساد ومحاسبة المسؤولين، وكسبوا تأييداً شعبياً واسعاً. ثم نقلوا حراكهم من الشارع إلى صناديق الاقتراع، لتحقق "قائمة الطلبة" فوزاً كبيراً، بحصولها على نحو 53 في المئة من الأصوات، وأغلبية المقاعد البرلمانية وفقا للنتائج الأولية. وهي تجربة تكشف قدرة الحركة الاحتجاجية المنظمة على التحول إلى قوة سياسية مؤثرة.
وفي البرازيل، جاء فوز اليسار بقيادة لولا دا سيلفا، رغم المنافسة الشديدة من اليمين، المدعومة مالياً ومعنوياً من واشنطن، ليبرز أهمية التعبئة الشعبية والتحالفات الاجتماعية في الدفاع عن الحقوق ومواجهة القوى المحافظة. وتتباين تجربتا البرازيل وصربيا طبعا، لكنهما تؤكدان أن التنظيم واتساع القاعدة الاجتماعية يمنحان الحركات الاحتجاجية قدرة أكبر على التأثير السياسي.
ولا تنتهي كل حركة احتجاجية بانتصار، فالحركات الاجتماعية تواجه تحديات التنظيم والاستمرار ومحاولات الاحتواء. غير أن أثرها يتجاوز النتائج المباشرة، بما تحدثه من تنمية للوعي بالحقوق، وتعزيز للثقة بالفعل الجماعي، وفتح آفاق جديدة للتغيير.
وفي العراق، أعادت الذكرى السابعة لانتفاضة تشرين التذكير بمطالب العمل والعدالة الاجتماعية ومكافحة الفساد وإنهاء المحاصصة. لاسيما وان القمع والصعوبات التي واجهتها الانتفاضة، لم تؤدّ الى انتفاء أسبابها، كما تؤكد احتجاجات الخريجين والعمال والفلاحين وسائر الفئات المتضررة. غير أن بقاء هذه التحركات في حدود المطالب القطاعية يحدّ من تأثيرها. ومن هنا تبرز أهمية توثيق الروابط بين الحركات المطلبية، وتطوير تنظيمها، وصياغة برنامج اجتماعي مشترك للدفاع عن العمل والأجور والخدمات والحريات والعدالة الاجتماعية.
إن الحقوق لا تُصان بالوعود، وإنما بوعي أصحابها وتنظيمهم ونضالهم. وتؤكد التجارب أن الاحتجاج، حين يتسع ويتحول إلى حركة اجتماعية منظمة، يغدو قوة مؤثرة في تغيير موازين القوى.
وفي العراق، تكمن المهمة في توحيد الطاقات الاحتجاجية ضمن حركة اجتماعية ديمقراطية واسعة، تجعل مصالح الأغلبية الشعبية وحقوقها أساساً للتغيير.