اخر الاخبار

أبشع ما في الديكتاتوريات ليس غطرستها فحسب، بل جبنها الخفي أمام امرأة تقرر ألّا تنحني. إنها تخشى الوعي المترع بالكرامة، والجسد النحيل الذي يحمل قضية أمة. لذلك غيّبوها وسرقوا جثمانها، ظناً منهم أن النسيان يطوي سيرة الشجعان. لكنهم لم يدركوا أن امرأة مثل عايدة ياسين (أم علي) لا تسعها المقابر الضيقة؛ فحين حُرمت من الشاهدة، تحوّل العراق كله إلى ضريح مفتوح لسيرتها العطرة.

لم تكن عايدة ياسين مجرد اسم في سجلات الضحايا، بل كانت مثالاً للصلابة. تلك الفتاة البصرية الكادحة التي نبتت من طين الشقاء، ورضعت أبجديات الحرية من خلال رسائل الحزب السرية التي كانت تنقلها في سيارة أبيها، وهي في التاسعة عشرة من عمرها. وفي خضم أحداث شباط الأسود عام 1963، لم تبحث عن ملاذ آمن، بل تحوّلت إلى جسر للنجاة، تُسعف جرحى البصرة وتحملهم على كتف الكبرياء. تلك هي الشجاعة التي تولد من رحم الانتماء؛ لا شجاعة الشعارات الميتة، بل شجاعة الممارسة في زمن أُريد فيه للمرأة أن تكون مجرد ظل.

وحين تشرّفت بغداد بخطاها، وتدرّجت بكفاءتها حتى انتخبت لعضوية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، لم يكن ذلك ترفاً، بل تقدّماً صريحاً نحو خط النار الأول. كانت المرأة التي تفتح طرق النجاة للمطاردين، وتؤمّن عبور الرفاق إلى الجبال الصامدة، فيما اختارت هي البقاء. رفضت الرحيل وأصرّت على المواجهة. ولم يتركها الرفاق خلفهم، بل كانوا واثقين بأنها، رغم محاولات العدو، لن تسمح له بكسر إرادتها؛ فقد قررت البقاء حارسةً لأحلام رفاقها، محوّلةً نضالها من مجرد موقف سياسي إلى ملحمة من الكبرياء والإرادة، تتحدى الغياب والنسيان.

إن اعتقالها عام 1980، وتغييبها حتى إعلان استشهادها عام 1983 من دون العثور على أثر لجثمانها، يشكّلان صك إدانة أبديّاً لجلاديها. أرادوا محو ملامحها، لكن سيرتها تشرق من عتمة الزنازين وظلمة التغييب، لتغدو مثالاً سامياً للصلابة الإنسانية في وجه الطغيان. لم تكن قوتها وليدة الصدفة، بل نبتت من إيمان عميق بأن الكرامة لا تُمنح هديةً، بل تُنتزع انتزاعاً. وها هي آثار نضالها تتردد اليوم في أوساط الحراك النسوي العراقي المعاصر؛ فصوت (أم علي) لم يغب، بل يتردد صداه في ساحات الاحتجاج، وفي المواقف الراهنة الرافضة للقوانين المجحفة وقوى الطمس، حيث تقف الحفيدات بالجرأة والحماسة نفسيهما دفاعاً عن الهوية المدنية للعراق.

إننا اليوم لا نبكي عايدة، بل نستنهض الهمم؛ فامتداد عايدة ياسين يتجسد في كل امرأة عراقية تواجه الترهيب، وتقبض على جمر المبادئ، وترفض أن تُباع في أسواق التنازلات السياسية. إنها تثبت، بما تمثله سيرتها من إرث نضالي، أن من يحمل إرث أم علي يمتلك مفاتيح الغد، ويسهم في بناء الوطن الحر والشعب السعيد، رغم تغييب المناضلات من دون شواهد، ورغم محاولات طمس آثارهن. فمن طين البصرة إلى ساحات الحاضر، تواصل عايدة ياسين حضورها في الذاكرة الوطنية، وتتجلى مآثرها في نضالات العراقيات اللواتي يواجهن يومياً التحديات وخطاب الكراهية والعنف، ويسعين إلى تعزيز أدوارهن السياسية والمجتمعية والإنسانية في مختلف المجالات.