النص الشعري نوع من أنواع الخلاص، يتحقق من خلال تركيز العبارة وتكثيفها، والتقاط الصور النفسية، والدقة في انتقاء الألفاظ الموحية وتحليل المشاعر. وباستحضار النص الشعري الذي افرزته ذهنية ناضجة تعي كيفية بناء النص واحتضان مضامينه ضمن وحدة موضوعية وإدراك واع لما تنسجه أنامل منتجه، الشاعر مظفر النواب:
أبچي من زودة حلاتك
أبچي من واهس الساني بطاري ذچرك
مو بدي، عاده اوحياتك
ما عرفتك زين الا ابضيجة من ضيجات خلگي
او زينه من زينات ذاتك
فالنص يتأسس عبر خيال رؤيوي وكثافة درامية متوترة، في ظل سيطرة المؤثرات الخارجية والداخلية على فكر المنتج (الشاعر)، واسهامها في بلورة الفكرة والاستغراق في عوالمها. وهكذا تندمج هذه المؤثرات بالوجدان، وتحضر في صورها ودلالاتها، بلغة تمتلك مؤثراتها الجمالية وقدراتها التوصيلية، المانحة للصورة الشعرية توهجاً مكتنزاً بمضامينها النفسية والاجتماعية، التي تتفاعل مع منظومة القيم الجمالية الناتجة من اقتناص اللحظة وتحويرها إلى كينونة لغوية، تحيل الواقعي الممزوج بالتخيلي في اطار السابح في فضاء زمكاني.
عله باب العتب حطينه بنفسجنه او بچينه
او علكينه الحرمل براية رضاتك
يا أصل كل ماي الله ..شنگط الماي بفراتك
آنه حبيتك محبة روح ما ترضاش غيرك..
وشتل شفافي من اطريهه بصفاتك
فالنص يركز على العلاقة الإنسانية وأثرها النفسي وقدرتها على بلورة الأحداث، بوصفها محرّكاً لمجريات الواقع الانساني المتسم بالقلق والانفصال السايكولوجي. فضلا عن انه يقترن بحلمية شكّلت عوالم الدهشة، من خلال استلهام تصورات الحدث من الخيال، واعتماد المفارقة التصويرية من أجل إبراز المدلول النصي، الذي يستند على عنصر التشويق بأسلوب يفضي إلى المتعة والتأمل.
ويعتمد النص أيضًا على الانزياح الدلالي، من خلال توظيف لغة موحية لتحقيق الأثر التصويري وإنعاش الذاكرة المأزومة نتيجة واقع منهار. لذا، يلجأ إلى التكثيف والتركيز، مع اعتماد منحى إيحائي. وإضافة إلى ذلك، يوظّف تيمة الجسد التي تشكّل علامة على الوجود المادي في مقابل التلاشي والموت، فضلًا عن محاكاة الطبيعة وتوظيف الرمز الموحي، بما يخلق قدرة تخييلية توسّع دائرة الخطاب الشعري بقدر اتساع فضاء الصورة وأبعادها، بغية زيادة فاعلية اللغة وتجاوز المألوف وتحقيق التواصل بين أطراف المعادلة الإبداعية.
وبذلك، يقدّم المنتج (الشاعر) نصاً يعتمد آلية السرد الشعري القائمة على تفعيل الذاكرة وشحنها بطاقة استنهاضية تسهم في تطوير الحدث والبناء السردي. كما يوظّف ألفاظًا تتجاوز مستواها الدلالي المباشر، وتعبّر شعريتها عن موقف انفعالي ينطوي على رؤية تبوح بومضات نفسية مؤتلفة في صور مكتنزة بفكرة وانطباع متوهّجين، يتجلّى أثرهما عبر تقنيات الانزياح والتكثيف والرمز والنزعة البلاغية. فضلًا عن انتقال الألفاظ من معناها المتداول والواقعي إلى معنى طيفي تخييلي.