اخر الاخبار

شهدت بغداد، يوم الثلاثاء 13 تشرين الأول الجاري، تظاهرات للخريجين القدامى وحملة الشهادات العليا والأوائل، الذين جاؤوا من محافظات مختلفة وتوزعت تجمعاتهم بين العلاوي، قرب تقاطع دمشق، ومداخل المنطقة الخضراء. وجاؤوا مطالبين بتخصيص درجات وظيفية في موازنة 2027، فيما أعلن عدد منهم اعتصاماً مفتوحاً أمام مجلس الخدمة العامة الاتحادي، بعد سنوات من الانتظار والاحتجاج.

ليست هذه المرة الأولى التي يتحول فيها مطلب العمل إلى احتجاج. ففي أيلول 2019 أثار استخدام خراطيم المياه ضد خريجاتٍ متظاهرات غضباً شعبياً، في واحدة من الوقائع التي سبقت انتفاضة تشرين. وبعد سبع سنوات، يعود الشباب إلى الساحة ذاتها وبالمطالب نفسها، فيما بقيت أسباب الاحتجاج من دون معالجة جدية.

وبالطبع لا يمكن فصل بطالة الخريجين عن الاقتصاد الريعي الذي كرسته سياسات الحكم المتعاقبة. فالاعتماد على النفط، وإهمال الصناعة والزراعة، وإضعاف القطاعات الإنتاجية عموما، جعل من الوظيفة الحكومية الملاذ الرئيسي للخريجين.

وتكشف بطالة الخريجين عمق الازمة. فبينما تتعطل طاقات آلاف الشباب، تتراكم الثروات لدى طغمة الحكم التي تستفيد من الريع النفطي والعقود والامتيازات والنفوذ السياسي. وقد أسهمت المحاصصة والفساد وتداخل المال بالسلطة، في تسخير جانب من الموارد العامة لخدمة هذه المصالح على حساب الإنتاج وفرص العمل، حتى غدت الطغمة المتنفذة عائقاً أمام تغيير السياسات التي تعمق البطالة وتوسع الفوارق الاجتماعية.

وتزيد الأزمة المالية والنقدية معاناة الخريجين وأسرهم، مع تآكل القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة. غير أن جذور البطالة تكمن في بنية الاقتصاد الريعي وضعف الإنتاج وغياب سياسات التشغيل. ولن تجدي المعالجات المالية الآنية، ما لم تتجه الموارد نحو الإنتاج وتوفير فرص العمل، بدلاً من تحميل الفئات الشعبية كلفة الأزمة.

إن بطالة الخريجين حصيلة لخيارات سياسية واقتصادية لم تجعل الإنتاج والعمل من أولوياتها. وان من حق هؤلاء الخريجين المطالبة بالتعيين، كما ان الاستجابة لمطالبهم ينبغي أن تقترن بسياسة تنموية توسع فرص العمل، وتضمن العدالة في التوظيف بعيداً عن المحاصصة والمحسوبية.

أما التعامل مع احتجاجاتهم بوصفها مشكلة أمنية، فلن يعالج أسبابها. فالاحتجاج السلمي حق دستوري، والاستماع إلى المطالب مسؤولية الدولة. ويحتاج الخريجون إلى استجابة واضحة، لا الى وعود تتجدد مع كل احتجاج. وتبقى وعودا.

ان تظاهرات الخريجين تكشف أزمة نظام سياسي، لم ينجح في بناء اقتصاد منتج يستثمر في الإنسان ويوفر له فرص العمل، رغم كل موارد العراق الكبيرة.

وستظل ساحات الاحتجاج تستقبل دفعات جديدة من الخريجين الغاضبين، ما دامت السياسات التي تنتج البطالة قائمة. فالمشكلة ليست في كثرة الشهادات، وإنما في اقتصاد يعطل الطاقات، ونظام سياسي يقدم مصالح طغمة الفساد على حاجات المجتمع. وان من حق هؤلاء الشباب أن يجدوا في وطنهم مكاناً لعلمهم وعملهم، لا أن تكون الشهادة التي حملوها من الجامعة هي نفسها التي يحملونها إلى ساحة الاحتجاج.