اخر الاخبار

أحدث إقرار مدونة الأحوال الشخصية وفق الفقه الجعفري، كملحق لتعديل قانون الأحوال الشخصية العراقي (رقم 188 لسنة 1959) منعطفاً تشريعياً حاداً. فبعد عام من التطبيق الفعلي في المحاكم، تحول هذا القانون من مجرد تنظيم فقهي إلى أداة لتفكيك منظومة حماية الطفولة، وسط صراع ثلاثي الأبعاد (قانوني، وسياسي، وإنساني).

فمن الناحية القانونية، قوضت المدونة فلسفة "المصلحة الفضلى للطفل" التي كفلتها المواثيق الدولية وقانون 188، وذلك من خلال تعديل معايير الحضانة، حيث خُفّض سن حضانة الأم من 10 سنوات (مع مرونة التمديد قضائياً إلى 15 عاماً) إلى 7 سنوات فقط للذكر والأنثى على حد سواء، لتنتقل تلقائياً وبقوة القانون إلى الأب بموجب المادة (81) من المدونة. كما جرّدت المادة (88) الأم المطلقة من حضانة طفلها فور زواجها من رجل آخر دون أي مراعاة لحاجة الطفل. وسلب هذا النص الجامد القضاة سلطتهم التقديرية في دراسة البيئة الأصلح للمحضون، محوّلاً القضاء العراقي إلى أداة تنفيذية لمعايير عمرية فقهية بدلاً من معايير الرعاية الإنسانية، مما زاد من خطورة هذا التراجع التشريعي.

أما سياسياً، فيعكس القانون توظيف ملف الأسرة لترسيخ النفوذ الحزبي والمذهبي؛ إذ مأسس الانقسام الطائفي بتعديل وضع المواطنين إلى رعايا طوائف بدلاً من مظلة قانونية وطنية موحدة، مما وضع الطفولة العراقية تحت مقصلة الطائفية.

وعلى الصعيد الإنساني والنفسي، وثقت منظمات المجتمع المدني قفزة حادة في دعاوى (طلب ضم المحضون) من قِبل الآباء. وترتب على هذا الانتزاع القسري صدمات نفسية عميقة للأطفال، في ظل غياب الرقابة الدورية للباحثين الاجتماعيين على بيئة الأب الجديدة. علاوة على ذلك، تشير تقارير المرصد العراقي لحقوق الإنسان إلى ارتفاعٍ مخيف بنسبة 150 في المائة في حوادث العنف الأسري المسجلة، إذ أصبحت الحضانة ورقة ضغط مثالية لابتزاز الأمهات واضطرارهن للتنازل عن حقوقهن المالية والسكوت عن التعنيف خشية حرمانهن من أطفالهن. ويتجلى هذا التفكك الأسري بوضوح في المؤشرات الدورية لمجلس القضاء الأعلى العراقي، والتي تكشف عن تسجيل أكثر من 6,700 حالة طلاق شهرياً (بمعدل مرعب يصل إلى 9 حالات طلاق في الساعة الواحدة)، مما يعني أن آلاف الأطفال يقعون شهرياً ضحايا مباشرين للمنظومة التشريعية الجديدة.

أسهم هذا التراجع الحاد في الحقوق مباشرةً في تدهور ترتيب العراق في مؤشر المرأة والسلام والأمن (GIWPS)، الصادر عن معهد جورجتاون، إذ حلّ في المرتبة 158 من أصل 181 دولة، ليصنَّف ضمن الدول الـ24 الأسوأ عالميًا من حيث أوضاع النساء والبيئة المحيطة بهن.

إن مراجعة ما جرى خلال عام من نفاذ المدونة الجعفرية تثبت الغياب التام لـ (المصلحة الفضلى للطفل)، فالطفل العراقي لم يعد مركزاً للرعاية، بل جُرّد من طفولته ومن حقه في الأمان والاستقرار ليعامل كاستحقاق مادي ذكوري. إن إنقاذ الجيل القادم يتطلب مراجعة تشريعية فورية وشجاعة تنأى بملف الطفولة عن بازار التوازنات السياسية والطائفية، لتعيد للأمهات حقهن الفطري في احتضان أطفالهن.