اخر الاخبار

إن بناء السلام واستدامة الأمن في مجتمعاتنا ليسا مجرد ترف فكري أو خيار تكميلي تمليه الاتفاقيات الدولية، بل هما معركة وجودية تبدأ من الجذور، وتحديداً من الكائن الأساسي الذي يحمل عبء إحياء المجتمعات وحمايتها وأعني به المرأة. إذ لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض أو يستقر إذا تم تهميش وإقصاء نصفه الواهب للحياة. وإن احترام دور المرأة والاعتراف بمكانتها المركزية، بوصفها ركيزة أساسية للاستقرار، ليس هبة أو منحة، بل ضرورة حتمية وصمام أمان لمنع انهيار المجتمعات، وتحويل النزاعات المدمرة إلى سلام دائم يعم الجميع.

تتميز المرأة بامتلاكها منظوراً فريداً وعميقاً لصناعة السلام، نابعاً من أدوارها الجوهرية وخبراتها الحياتية بوصفها حامية للنسيج الاجتماعي. فعندما تقتحم النساء طاولات المفاوضات، لا يركزن فقط على تقاسم السلطة المؤقت أو رسم الخطوط العسكرية العابرة، بل يطرحن بقوة قضايا مصيرية تمس قلب المجتمع، مثل إرساء العدالة الانتقالية، وتأمين التعليم، وتوفير الرعاية الصحية، وإعادة إدماج النازحين.

هذا المنظور الشامل يحوّل الاتفاقيات الهشة من مجرد "هدنة مؤقتة بين البنادق" إلى عقد اجتماعي متين يضمن البقاء والاستمرارية. وعلاوة على ذلك، تقف المرأة بوصفها خط الدفاع الأول وصمام الأمان الحقيقي داخل الأسرة وفي عمق المجتمعات المحلية والشعبية، في مواجهة أمواج التطرف والكراهية. إنها القوة التنويرية التي تغرس قيم التسامح وقبول الآخر في عقول أجيال المستقبل، وهي القائدة الشجاعة التي تقود مبادرات الوساطة المحلية في أحلك أوقات الأزمات. ومن خلال شبكات السلام والتضامن التي تبنيها النساء، يُعاد ترميم ما دمرته الحروب، ويُمنع تجدد الصراعات، بما يؤكد أن وجود المرأة الفاعل عنصر أساسي في حماية المجتمع من التمزق والضياع.

لقد أثبتت الحقائق والتجارب المحلية والإقليمية والدولية أن مشاركة المرأة في عمليات السلام يمكن أن تعزز فرص استدامة الاتفاقيات وصمودها لسنوات طويلة. وهذا التأثير لا ينبع من عاطفة مجردة، بل من قدرة المرأة على أن تكون جسراً حياً يربط بين نخب السياسة والقواعد الشعبية على الأرض، محوِّلةً بنود السلام النظرية إلى واقع معاش وثقافة متجذرة تنبض بها الحياة اليومية.

وإن أي حديث عن استدامة السلام سيبقى أمنية واهية وسراباً بعيد المنال ما لم يتم تمكين المرأة والاعتراف بدورها شريكاً أصيلاً وفاعلاً أساسياً لا غنى عنه في قيادة الاستقرار.

إن الاستثمار في طاقات النساء وإشراكهن في مراكز صنع القرار يمثلان استراتيجية أساسية لبناء عالم أكثر أمانًا. وعندما تكون المرأة في طليعة صياغة المستقبل، يتحول السلام من حلم مؤقت إلى ثقافة راسخة قادرة على الصمود أمام أعتى رياح النزاعات والحروب.