الصفحة الأولى
نصف مليون شاب يدخلون سوق العمل كل عام.ز البطالة تتفاقم والاقتصاد الريعي عاجز عن استيعاب العاطلين
بغداد – طريق الشعب
مع دخول مئات الآلاف من الشباب العراقيين إلى سوق العمل سنويا تتسع الفجوة بين أعداد الباحثين عن وظائف وقدرة السوق على استيعابهم، في ظل استمرار اعتماد البلاد على النفط والإنفاق الحكومي، وضعف القطاعات الإنتاجية والقطاع الخاص.
ويضع هذا الواقع العراق أمام تحد اقتصادي متصاعد، لا يتعلق بالبطالة وحدها، بل بقدرته على تحويل النمو السكاني والشريحة الشابة إلى قوة منتجة، عبر توفير وظائف مستقرة ومستدامة في مختلف المحافظات.
وتتواصل احتجاجات الخريجين القدامى وحملة الشهادات العليا والأوائل في بغداد وعدد من المحافظات، للمطالبة بتوفير فرص العمل والتعيين الحكومي، وتشريع قانون ينصف الخريجين القدامى، وإدراج تعيينات أصحاب الشهادات العليا والأوائل ضمن الموازنة العامة. وقد شهد بعض تلك الاحتجاجات، تصعيداً وتدافعاً مع قوات مكافحة الشغب في أواخر أيلول الماضي، بينما تتواصل الوقفات والاحتجاجات قرب وزارة المالية والمنطقة الخضراء ومواقع أخرى في بغداد.
وتعاطيا مع ذلك، وجّه رئيس الوزراء علي الزيدي بتوفير 150 ألف فرصة عمل للخريجين، في خطوة تهدف إلى معالجة جزء من أزمة البطالة وتوسيع فرص العمل أمام الباحثين عن وظائف.
قطاعات معطلة والبطالة تتزايد
يقول مصطفى عبد الواحد، المدير التنفيذي لمنظمة تدارك لحقوق الانسان، ان "العراق ما يزال يفتقر لهوية اقتصادية واضحة يمكن على أساسها وضع خطط تستجيب لاحتياجات سوق العمل"، مبيناً أن عدم حسم طبيعة العلاقة بين القطاعين العام والخاص.
ويضيف عبد الواحد في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن البطالة ولا سيما بين الشباب، تمثل مؤشرا متزايدا مع ارتفاع أعداد السكان، في ظل عدم وجود حلول حقيقية تستوعب الداخلين الجدد إلى سوق العمل، موضحاً أن القطاع العام لا يزال الخيار الاساسي أمام الشباب الباحثين عن العمل، لاسباب من بينها الضمانات الوظيفية التي يوفرها.
ويشير الى ان العراق يواجه نوعين من البطالة إحداهما البطالة المقنعة التي تظهر في وجود اعداد كبيرة من الموظفين في مؤسسات وقطاعات لا تتناسب أعداد العاملين فيها مع حجم الإنتاج والحاجة الفعلية، مستشهداً بعدد من الشركات والمصانع التابعة لوزارة الصناعة والمعادن، التي تضم آلاف الموظفين، لكنها لا تحقق إيرادات تغطي حتى كلف رواتب العاملين فيها.
ويتابع ان هذا الواقع يجعل حجم البطالة الحقيقية أكبر مما تظهره المؤشرات الرسمية، لافتا الى أن تنظيم القطاع الخاص ما يزال دون المستوى المطلوب، رغم وجود قانون العمل رقم 37 لسنة 2015، لكن المشكلة لا تكمن في التشريع فقط، وإنما في ضعف الاجراءات التنفيذية والرقابة على تطبيقه.
ضمانات لا تحمي حقوق العاملين
ويؤكد أن أوضاع العاملين في القطاع الخاص لا تتناسب في كثير من الحالات مع حجم الجهد والعائدات المالية التي تحققها الشركات، في ظل ضعف الضمانات الحقيقية التي تحمي العاملين وتضمن استمرارهم في وظائفهم، فضلاً عن الحاجة إلى تفعيل نظام الضمان الاجتماعي من خلال المؤسسات المعنية.
ويقول عبد الواحد إن هذه المشكلات لم تُعالج ضمن استراتيجيات واضحة للحد من البطالة، منتقداً رفع شعارات القضاء الكامل عليها خلال الحملات الانتخابية، معتبرا أن القضاء على البطالة بصورة نهائية أمر غير واقعي، فيما يمكن العمل على خفض مستوياتها تدريجياً من خلال سياسات اقتصادية وتشغيلية واضحة.
ويشير كذلك إلى مشكلة الازدواجية في العمل، موضحا أن عددا من العاملين في القطاع العام يعملون في الوقت نفسه في القطاع الخاص، مستفيدين من ساعات العمل أو الإجازات الممنوحة لهم، الأمر الذي يزيد الضغط على فرص العمل المتاحة أمام الباحثين عنها، ويؤكد الحاجة إلى تنظيم حالات الجمع بين العملين ووضع ضوابط أكثر فاعلية.
500 ألف شخص يدخلون سوق العمل سنويا
من جانبه، بين رئيس مؤسسة عراق المستقبل للدراسات والاستشارات الإقتصادية الدكتور منار العبيدي، إن عدد سكان العراق يتجاوز 46 مليون نسمة، مع زيادة سكانية تقارب مليون نسمة سنوياً، مبيناً أن أكثر من 44 في المائة من السكان تقل أعمارهم عن 25 عاماً.
وأضاف العبيدي في بيان اطلعت عليه "طريق الشعب" أن نحو 500 ألف شخص يدخلون سوق العمل سنوياً، في وقت يتجاوز فيه عدد العاطلين مليوناً ونصف المليون، ما يفرض تحدياً كبيراً أمام قدرة الاقتصاد على توفير فرص عمل جديدة.
المعالجة مرهونة بتوسيع الاقتصاد غير النفطي
وتعليقا على ذلك، يقول أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي إن العراق يواجه تحديا حقيقيا في خلق فرص العمل، موضحاً ان اعتماد الاقتصاد على النفط والإنفاق الحكومي يمثل أبرز التحديات أمام معالجة مشكلة البطالة.
ويضيف السعدي لـ"طريق الشعب" أن التوسع المستمر في التوظيف الحكومي لم يعد قادرا على أن يكون حلا دائما، بل أصبح يشكل ضغطا متزايدا على الموازنة العامة، ويحد من قدرة الدولة على توجيه الانفاق نحو الاستثمار والمشاريع التنموية.
ويرى السعدي ان معالجة ازمة فرص العمل تتطلب توسيع الاقتصاد غير النفطي وتعزيز دور القطاع الخاص ولا سيما في قطاعات الصناعة والزراعة والصناعات الغذائية والإنشاءات والنقل واللوجستيات والسياحة والاقتصاد الرقمي والطاقة المتجددة والخدمات.
ويؤكد أن هذه القطاعات يمكن أن تستوعب أعداداً كبيرة من الشباب، شرط توفير بيئة استثمارية ومصرفية وتشريعية تساعد على نمو المشاريع وتوسعها، بدلاً من استمرار اعتماد الباحثين عن العمل على الوظيفة الحكومية.
ويلفت السعدي الى ان استمرار نمو أعداد الداخلين لسوق العمل من دون توسع مماثل في النشاط الاقتصادي سيؤدي الى مزيد من البطالة والعمل غير الرسمي، فضلا عن زيادة الضغوط المرتبطة بالفقر والهجرة، واستمرار المطالبات الحكومية بتوفير وظائف عامة.
وبحسب السعدي، فإن المطلوب من الحكومة لا يقتصر على توفير وظائف بصورة مباشرة، وإنما "بناء اقتصاد قادر على خلق الوظائف وهو ما يتطلب إصلاح بيئة الأعمال ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتطوير القطاع المصرفي وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل".
كما يشدد على أهمية توجيه جزء أكبر من الإنفاق العام نحو المشاريع المنتجة والبنية التحتية، بما يسهم في تحفيز النشاط الاقتصادي وخلق فرص عمل خارج الجهاز الحكومي.
ويتابع بالقول إن المشكلة الأساسية في العراق لا تتمثل في نقص الموارد، وإنما في هيكل الاقتصاد، محذرا من أن استمرار الاعتماد على النفط والوظيفة الحكومية سيجعل تحدي تشغيل الشباب اكبر عاما بعد آخر ما لم ينتقل الاقتصاد نحو نموذج يعتمد بصورة اكبر على الانتاج والاستثمار والقطاع الخاص.
ارتفاع معدلات البطالة بين الخريجين
وفي السياق، يقول علي عودة السهلاني، صحفي وناشط مدني من ذي قار، إن المحافظة تمتلك موارد بشرية كبيرة في ظل ارتفاع نسبة الشباب بين سكانها، الا ان هذه الفئة تواجه تحديات متزايدة في الحصول على فرص عمل مستقرة، في وقت ما تزال فيه البطالة واحدة من أبرز المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المحافظة.
ويعلل السهلاني في حديثه لـ"طريق الشعب"، تلك الأزمة بمحدودية قدرة القطاع الخاص وضعف الاستثمارات، إلى جانب اعتماد نسبة كبيرة من السكان على الوظائف الحكومية باعتبارها الخيار الوظيفي الأكثر استقرارا، ما يترك سوق العمل المحلي أمام خيارات محدودة لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الباحثين عن العمل.
ويشير الى أن ارتفاع معدلات البطالة بين الخريجين يأتي في مقدمة التحديات التي تواجه شباب المحافظة، إضافة لعدم توافق مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل مما يزيد الفجوة بين ما يحصل عليه الشباب من تعليم وما تتطلبه الوظائف المتاحة.
ويضيف ان محدودية المشاريع الانتاجية والصناعية تمثل عائقا اخر أمام توفير فرص العمل، لافتاً الى ان ضعف البنية التحتية الاقتصادية ومحدودية التمويل المخصص للمشاريع الصغيرة والمتوسطة يقللان من فرص تأسيس أعمال جديدة قادرة على توفير وظائف مستدامة.
ويرى ان معالجة هذه المشكلة تتطلب الانتقال من التعامل مع البطالة بوصفها أزمة توظيف حكومي الى العمل على بناء اقتصاد محلي أكثر تنوعاً، يوفر مساحات أوسع أمام الشباب للعمل والإنتاج.
ويؤكد السهلاني ان تحسين الواقع الاقتصادي للشباب في ذي قار يحتاج لخطط تنموية مستدامة تركز على خلق فرص عمل حقيقية وتنويع مصادر الدخل، مقترحاً تشجيع الاستثمار في القطاعات الزراعية والصناعية والسياحية، التي تمتلك المحافظة، بحسب رأيه، مقومات يمكن البناء عليها.
كما يدعو الى دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة من خلال توفير القروض الميسرة والتدريب والاستشارات الفنية، بما يساعد الشباب على تأسيس مشاريعهم الخاصة وتوسيع قدرتها على توفير فرص عمل جديدة.
وفي الوقت ذاته، يشدد على أهمية تطوير مهارات الشباب في مجالات التكنولوجيا والتحول الرقمي وريادة الأعمال، لتمكينهم من المنافسة في سوق العمل المحلي والعالمي، بدلاً من حصر خياراتهم في الوظائف الحكومية أو التخصصات التقليدية.
ويشير السهلاني الى ان تعزيز الشراكة بين الجامعات والمعاهد والمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص يمكن أن يسهم في تقليص الفجوة بين التعليم وسوق العمل، من خلال مواءمة التخصصات والمهارات التي يكتسبها الطلبة مع احتياجات القطاعات الاقتصادية المختلفة.
ويخلص السهلاني الى ان الاستثمار في الشباب لا ينبغي أن ينظر إليه بوصفه معالجة لمشكلة البطالة فقط، وإنما باعتباره جزءا من بناء اقتصاد أكثر قدرة على الإنتاج وتوفير فرص العمل، مؤكداً ان تطوير قدرات الشباب وفتح المجال أمامهم للمشاركة الاقتصادية يمثلان ركيزة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في ذي قار والعراق عموما.
********************************
في ذكراها السابعة.. تشرين باقية في نضال شعبنا من أجل التغيير والعدالة
تحل اليوم الخميس، الأول من تشرين الأول، الذكرى السابعة لانتفاضة تشرين، تلك المحطة الوطنية التي كشفت بوضوح عمق أزمة النظام السياسي القائم على المحاصصة وتقاسم النفوذ، وعبرت عن تطلع واسع إلى دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية والقانون والسيادة، وإلى حياة تليق بالعراقيين وتحفظ حقوقهم وثروات بلادهم.
حملت تشرين إلى الساحات مطالب واضحة في التغيير ومكافحة الفساد وإنهاء هيمنة السلاح والنفوذ على مؤسسات الدولة. ودفع المنتفضون ثمنا باهظا دفاعا عن حقهم في الاحتجاج والتعبير، فسقط الشهداء والجرحى، وتعرض ناشطون للاختطاف والاغتيال والملاحقة والتغييب.
وبعد سبع سنوات، ما زالت القضايا التي فجرت الانتفاضة قائمة: الفساد، وأزمة النظام السياسي، والسلاح خارج الدولة، والاقتصاد الريعي، والبطالة، وتردي الخدمات، وضعف العدالة الاجتماعية. ويؤكد استمرار هذه الأزمات أن تشرين كانت تعبيرا عن أزمة عميقة في بنية النظام السياسي، وعن حاجة البلاد إلى تغيير شامل يعيد بناء الدولة على أساس المواطنة والمؤسسات والقانون.
وفي هذه الذكرى، تؤكد اللجنة المركزية لحزبنا ضرورة كشف الحقيقة كاملة بشأن الانتهاكات التي رافقت الانتفاضة، وإعلان نتائج التحقيقات، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن قتل المتظاهرين واغتيال الناشطين واختطافهم، وإنهاء الإفلات من العقاب، وكشف مصير المغيبين، وإنصاف عائلات الشهداء والجرحى. كما تطالب بوقف ملاحقة الناشطين، وإسقاط التهم والدعاوى الكيدية المقامة ضدهم على خلفية مشاركتهم في الاحتجاجات أو مواقفهم ونشاطهم السلمي، وضمان حقهم في التعبير والتنظيم والتظاهر المكفول دستوريا.
كما تؤكد أن استكمال بناء الدولة يقتضي حصر السلاح والقرار الأمني والعسكري بيد مؤسساتها الدستورية، وإنهاء المحاصصة والفساد، وصيانة استقلال القرار الوطني، واعتماد سياسة اقتصادية تقلل الاعتماد على الريع، وتدعم القطاعات الإنتاجية، وتوفر فرص العمل والحماية الاجتماعية، وتضع ثروات البلاد في خدمة المجتمع وتنميته.
إن تجربة السنوات الماضية تؤكد أن تجاوز الأزمة يتطلب تغييرا شاملا وعملا سياسيا وشعبيا منظما، وتوحيد جهود القوى الوطنية والديمقراطية والحركات الاحتجاجية والنقابات والاتحادات وسائر القوى المتطلعة إلى دولة مدنية ديمقراطية وعدالة اجتماعية.
ومن هذا المنطلق، يجدد حزبنا سعيه إلى بناء جبهة شعبية سياسية واسعة، معارضة لمنظومة المحاصصة والفساد، وقادرة على توحيد قوى التغيير وصياغة مشروع وطني ديمقراطي يفتح الطريق أمام انتقال سلمي وديمقراطي نحو دولة المواطنة والمؤسسات والسيادة والعدالة الاجتماعية.
وتبقى تشرين، بما قدمته من تضحيات وما طرحته من مطالب، جزءًا حيًا من نضال شعبنا من أجل التغيير. وحقوق العراقيين في الحرية والكرامة والعدالة والمشاركة السياسية، وحقهم في تغيير الأوضاع التي أنتجت الأزمات والفساد واللاعدالة، لا تسقط بالتقادم.
المجد لشهداء انتفاضة تشرين وسائر شهداء شعبنا.
اللجنة المركزية
للحزب الشيوعي العراقي
1 تشرين الأول 2026
******************************
الصفحة الثانية
تمديد التقديم إلى القبول المركزي حتى الأربعاء المقبل
بغداد – طريق الشعب
أعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، امس السبت، تمديد السقف الزمني للتقديم إلى قنوات القبول المركزي، حتى يوم الأربعاء المقبل الموافق السابع من تشرين الأول الجاري.
وذكرت الوزارة في بيان، أن التمديد يشمل قنوات القبول المركزي، التي تضم القناة العامة وقناة المتميزين وذوي الشهداء، فضلا عن القبول المباشر وقبول الطلبة النخبة، وقبول الطلبة في كلية التميز في اللغة العربية وآدابها بجامعة الكوفة.
وأوضحت أن تمديد مدة التقديم يهدف إلى إتاحة الفرصة أمام الطلبة من خريجي الدورين الأول والثاني لاستكمال متطلبات التقديم، ومراجعة فرصهم في القبول ضمن القنوات المشمولة بالتمديد.
وأضافت الوزارة أن استمارتي التقديم إلى قناتي التعليم الجامعي الحكومي الخاص (الموازي) والتعليم الجامعي الأهلي سيتم إطلاقهما لاحقا، بعد إعلان نتائج القبول المركزي.
وأكدت أن التقديم إلى هاتين القناتين سيكون مركزيا وإلكترونيا عبر تطبيق «منصة قدم» حصرا، ولا يتطلب من الطلبة مراجعة أي جامعة حكومية أو أهلية لغرض التقديم.
******************************
ومضة.. انتفاضة تشرين.. دروس وعبر
صبحي الجميلي
تحل هذه الأيام الذكرى السنوية السابعة لانتفاضة تشرين ٢٠١٩ المجيدة، التي مثلت لحظة انفجار الغضب الشعبي العام المتراكم، تطلعا لتحقيق أهداف كبيرة جسّدها شعار "نريد وطن"، بكل ما يحمله من معان كبيرة وتطلع الى دولة مختلفة تقوم على المواطنة والعدالة والديمقراطية الحقة وتكافؤ الفرص.
انتفاضة تشرين بجبروتها وعنفوانها ومجدها وتضحياتها وشهدائها، وهبة العراقيين فيها سيما الشباب، هي ليست محطة عابرة للاستذكار، بل مثلت فاصلا زمنيا زاخرا بالعبر والدروس يجب التوقف عندها، ليس للتغني بها، وهي تستحق ذلك، بقدر ما تكون زادا الى عمل بناء تراكمي، يعيد ألقها في ظروف مستجدة ملموسة. وفي كل الأحوال يبقى التطلع قائما الى وطن آخر يستحقه العراقيون يعوضهم عن السنوات العجاف التي مروا ويمرون بها، ويعيشون كل يوم مآسيها وكوارثها.
اندلعت الانتفاضة وهي غير منعزلة عن سنوات من العمل التراكمي والاحتجاجات المتعددة منذ شباط ٢٠١١، لكنها لها طعمها ومذاقها الخاص، فهي انتفاضة العراقيين، غالبيتهم وجلّهم مقابل منظومة حاكمة صادرت كل شيء واحتكرته لمصالحها ونفوذها وهيمنتها.
فالانتفاضة وهي حظيت بهذا الدعم الشعبي الواسع، ودفعت المتنفذين الى جحورهم، لها فضل كبير في نقل الاحتجاج من مستوى المطالب اليومية والخدمية الى شعارات وطنية لها صلة ببناء دولة المواطنة، والارتقاء بالوعي الجمعي الى القناعة بأن بناء وطن بلا محاصصة طائفية او إثنية ممكن، وأن الانتماء الطائفي أو القومي ليس هو المعيار في كفاءة الشخص ونزاهته ووطنيته.
واظهرت تشرين طاقات هائلة لشباب العراق وهو يجترح المآثر، ويقدم على التنظيم والمبادرة والاستعداد الكبير للتضحية د، مثلما برز على نحو مكلل بالفخر دور المرأة في مختلف المجالات والنواحي التي مست الحاجة إليها لإدامة لهيب الانتفاضة الذي كاد ان يحرق المنظومة بكاملها، لولا ثغرات وعوائل عدة حالت دون ان يتحقق هذا الحلم – الأمل، ومن ذلك، وهذا ما ظهر بوضوح، في مجرى الانتفاضة، بان المنظومة المتسلطة المنتفعة لا تفرط بمصالحها وهي على استعداد تام لإغراق البلاد بالدماء دفاعا عن ذلك وتمسكا به، وهذا ما بينته التصريحات الأخيرة للمتباهين بانهم قتلوا عمدا مئات الشهداء، في تزوير كبير للحقائق والخلط العمد بين مصالحهم الذاتية الانانية، وبين الدفاع عن الدولة التي على أيديهم لم يبق منها شيء سوى اسمها!
ولعل من الدروس الغنية للانتفاضة انها بينت على نحو جلي، وارتباطا بطبيعة القوى المتنفذة والمهيمنة، وتركيبتها، بانه يصعب بمكان التصور بأنها يمكن ان تقدم على فعل إصلاحي جدي، والرهان على ذلك يبدو بعيدا بشكل كلي عن واقع الحال. فالمعطيات الملموسة والتجربة على مدار ٢٣ سنة تقول بان التغيير الحقيقي لا يأتي ممن استمرأ المحاصصة ، البقرة الحلوب له ، بل هو يحتاج الى ضغط وعمل منتظم سياسي واجتماعي متواصل ، وبناء حركة شعبية وطنية ديمقراطية مرصوصة البنيان، قادرة على تحويل حالة السخط والتذمر العام والمطالب المشروعة الى مشروع سياسي للتغيير، وهذا يفرض عملية الارتقاء بالوعي، والادراك بان معالجة البطالة والفقر والخدمات والتوظيف وغيرها ليست بمعزل عن طبيعة المنظومة وتوجهاتها ونهجها، سواء على الصعيد السياسي او الاقتصادي – الاجتماعي، وعليه يتوحب ان توجه الجهود الموحدة المتكاتفة للخلاص منها وتدشين مسار التغيير المنشود،
ومن هنا فإن الوفاء لتشرين يفترض ان لا يكون بتحويلها الى مناسبة للاستذكار فقط، بل في تحويل ما رفعته من شعارات واهداف الى مشروع سياسي شامل لإنهاء المحاصصة وإقامة نظام سياسي اكثر عدالة وقدرة على الاستجابة لحاجات العراقيين ومصالحهم. وهذا يفترض ان يكون في صلب العمل اليومي للقوى الجادة والمتطلعة بثبات الى التغيير الحقيقي.
******************************
الثلاثون من أيلول.. خطوة على طريق استكمال السيادة الوطنية!
ينظر الحزب الشيوعي العراقي إلى الثلاثين من أيلول بوصفه محطة مهمة في مسار استعادة العراق لقراره الوطني وترسيخ سيادته، وما يرتبط بها من إنهاء الترتيبات العسكرية التي نشأت خلال سنوات الحرب على الإرهاب، والانتقال إلى علاقات دولية تقوم على التعاون والمصالح المتبادلة واحترام استقلال العراق وإرادته الوطنية.
إن السيادة تكتسب مضمونها الفعلي من قدرة الدولة على ممارسة مسؤولياتها كاملة على أراضيها، وحماية حدودها، وصيانة قرارها السياسي والأمني من التدخلات والضغوط الخارجية.
ومن هنا، فإن استكمال السيادة الوطنية لا يتحقق إلا بتأمين كامل مقوماتها، عبر تعزيز عملية بناء مؤسسات الدولة القائمة على مبادئ المواطنة والعدالة والنزاهة والكفاءة، بعيدا عن نهج المحاصصة المقيت، وإنهاء وجود السلاح بجميع أشكاله خارج إطار الدولة، والمضي في إصلاحات عميقة في بنية الدولة وآليات عملها، ومعالجة الطابع الريعي للاقتصاد العراقي، وتحسين الأحوال المعيشية للشعب، وضمان الحقوق والحريات المكفولة دستوريا.
وتأتي في مقدمة المهام التي يتوجب التأكيد على تحقيقها: تعزيز قدرات القوات المسلحة والأجهزة الأمنية ووحدتها وخضوعها للسلطات الدستورية، وحصر السلاح والقرار العسكري بيد الدولة، بالتلازم مع مواصلة عملية مكافحة الفساد بحزم ومن دون انتقائية.
كما يتطلب ذلك اعتماد سياسة خارجية متوازنة، تقوم على المصالح الوطنية وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وإبعاد العراق عن سياسة المحاور والصراعات الإقليمية والدولية، ورفض تحويل أراضيه إلى ساحة لتصفية حسابات الآخرين.
إن الثلاثين من أيلول يمكن أن يمثل خطوة مهمة على هذا الطريق، فيما تظل السيادة عملية متكاملة تتعزز بدولة القانون والمؤسسات، وبإرادة وطنية مستقلة، وبقدرة العراقيين على إدارة شؤون بلدهم وحماية أمنه وثرواته ومصالح شعبه.
المكتب السياسي
للحزب الشيوعي العراقي
٣٠ أيلول ٢٠٢٦
*******************************
في لندن.. الرفيق عبد الرحمن فارس يلتقي الشيوعي البريطاني وممثلي منظمات احزاب شقيقة
لندن - طريق الشعب
استضافت لجنة تنسيق منظمات الاحزاب الشيوعية المتواجدة في بريطانيا الرفيق عبد الرحمن فارس(ابو كاروان)، سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الكردستاني، مساء الاربعاء ٣٠ ايلول ٢٠٢٦. وحضر اللقاء، الذي عُقد عبر منصة الزوم، وفد يمثل قيادة الحزب الشيوعي البريطاني، ضم الرفيق كيفن نيلسون مسؤول القسم الدولي والرفيقة ليز باين عضو اللجنة التنفيذية. كما ساهم في اللقاء ممثلو منظمات احزاب شقيقة، منها الشيوعي الأسباني والشيوعي التشيلي وحزب الشغيلة التقدمي في قبرص (أكيل) والشيوعي السوداني وحزب توده إيران، والحزب الشيوعي العراقي. وحضر اللقاء الرفيق سلم علي، عضو اللجنة المركزية للحزب، والرفيقة سلمى السداوي من منظمة الحزب في بريطانيا.
وقدم الرفيق ابو كاروان نبذة تاريخية مكثفة عن الحزب الشيوعي الكردستاني، منذ تأسيس الفرع الكردي للحزب الشيوعي العراقي عام ١٩٤٤، وصولا الى اعلان تأسيس الحزب في حزيران ١٩٩٣. وأشار الى تجربة الحزب الانتخابية منذ ١٩٩٢، وتمثيله في برلمان الإقليم والبرلمان العراقي ايضا، ومشاركته في حكومات متعاقبة في الإقليم، لحين قراره أن يكون حزبا معارضا.
بعدها تطرق الرفيق الى التطورات الأخيرة، والحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران، وتداعياتها على اوضاع المنطقة وإقليم كردستان. وأكد موقف الحزب بإدانة الحرب والتضامن مع الشعب الايراني ونضاله من اجل السلام والحرية والديمقراطية، وحقه في تقرير مصيره بإرادته الحرة ومن دون تدخل خارجي.
كما جدد تضامن الحزب الشيوعي الكردستاني مع الشعب الفلسطيني ضد حرب الابادة الإسرائيلية، والتضامن مع الشعبين اللبناني والسوداني.
وتناولت المداخلة اوضاع إقليم كردستان والأزمة السياسية منذ آخر انتخابات برلمانية قبل سنتين، وعدم تشكيل حكومة حتى الآن، بسبب الصراع على السلطة والنفوذ. كما اشارت المداخلة الى طبيعة العلاقة بين المركز والاقليم، وأبعادها السياسية والاقتصادية والمالية، وتأثرها بالتدخلات الخارجية.
وقدم ابو كاروان عرضا مهما لعمل "منتدى اليسار الكردستاني"، وهو إطار لأحزاب وقوى شيوعية ويسارية كردستانية في العراق وتركيا وسوريا وإيران.
وأجاب بتفصيل على أسئلة عدة من المشاركين في اللقاء، شملت سحب القوات الأمريكية من العراق والاقليم في ٣٠ ايلول، واستراتيجية الولايات المتحدة في المنطقة، والتجارب المريرة للحركة القومية الكردية تاريخيا في التعامل مع السياسة الأمريكية، وآفاق النضال من أجل حق تقرير المصير في اجزاء كردستان، وترابطه الوثيق مع نضال شعوب بلدان المنطقة من أجل التحرر والديمقراطية.
وفي معرض إجابته على سؤال عن البطالة وسط فئات الطلبة والشباب، أشار الرفيق الى أن حوالي 800 ألف من خريجي المدارس الثانوية والمهنية والجامعات يعانون من غياب فرص العمل، ويدفعهم اليأس الى الهجرة.
كما أجاب ابو كاروان على سؤال عن اوضاع المرأة في الاقليم، مشيرا الى دور المنظمات الديمقراطية ورفيقات الحزب في الدفاع عن حقوقها.
وفي ختام اللقاء، عبّرت لجنة تنسيق منظمات الاحزاب الشيوعية في بريطانيا عن تقديرها العالي للرفيق ابو كاروان ومساهماته القيّمة، والتطلع الى استضافته مستقبلا في فعاليات سياسية وتضامنية.
*******************************
الشيوعي العراقي: تهنئة بالذكرى الـ77 لتأسيس جمهورية الصين الشعبية
الرفيق شي جين بينغ المحترم
فخامة رئيس جمهورية الصين الشعبية
الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني
بمناسبة الذكرى الـ77 لتأسيس جمهورية الصين الشعبية نبعث اليكم، ومن خلالكم الى قيادة ورفاق الحزب الشيوعي الصيني، والى الشعب الصيني، بأحر التهاني الرفاقية، متمنين لبلادكم الازدهار والمزيد من التقدم والنجاحات.
لقد حققت الصين في السنوات الـ77 الماضية منذ تأسيسها، وبقيادة الحزب الشعب الصيني، نهضة عظيمة وانجازات مُبهرة وغير مسبوقة في التاريخ الحديث، وشهدت قفزة تاريخية من الفقر والتخلف فأصبحت اليوم ثاني أكبر اقتصاد في العالم. وتمكنت من الجمع بين النمو الاقتصادي السريع والاستقرار الاجتماعي المستدام. وهي تتقدم بثبات، رغم التحديات والضغوط، على طريق بناء الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، وتعزيز التنمية المستقلة، مع التمسك بسياستها الخارجية المستقلة القائمة على مبادئ التعايش السلمي وسيادة القانون الدولي والتعاون بين الدول على أساس المساواة والاحترام المتبادل ورفض الهيمنة والتدخل الخارجي.
نجدد التهاني الرفاقية لفخامتكم بمناسبة العيد الوطني الـ77 لجمهورية الصين الشعبية، ونعبّر عن حرصنا على تعزيز أواصر الصداقة والتعاون بين حزبينا، والعلاقات التاريخية بين الشعبين العراقي والصيني، متمنين للصين مستقبلا مشرقا ولشعبها السعادة والرفاه.
مع الود والاعتزاز الرفاقي
المكتب السياسي
الحزب الشيوعي العراقي
بغداد – 1 تشرين الأول/ أكتوبر 2026
******************************
الصفحة الثالثة
الدروس الخصوصية تثقل ميزانيات الأسر وتوسع الفوارق بين الطلبة!
بغداد – طريق الشعب
لم تعد الدروس الخصوصية تقتصر على طالب يحتاج لمساعدة إضافية لفهم مادة دراسية، بل تحولت الى جزء ثابت من كلفة التعليم التي تتحملها الأسر، ومع توسع المعاهد والمنصات الالكترونية التي تقدم دروسا وخدمات تعليمية مدفوعة الثمن، بات الحصول على التعليم الاضافي مرتبطا في أحيان بقدرة الاسرة على تحمل كلفته، ما يخلق تفاوتا بين الطلبة في فرص الوصول لمصادر تعليمية إضافية.
وبين اكتظاظ الصفوف، وصعوبة بعض المناهج وتفاوت مستويات الطلبة، تجد عائلات نفسها مضطرة لتخصيص جزء من دخلها للدروس الخصوصية، فيما تتسع سوق التعليم خارج المدرسة لتشمل الدروس الحضورية والمنصات الإلكترونية، حتى باتت هذه الخدمات بالنسبة لبعض الطلبة جزءاً من مسارهم الدراسي، لا خيارا إضافيا ومع اختلاف القدرة الاقتصادية للأسر على الوصول إليها، تبرز مخاوف من أن يتحول التعليم الإضافي إلى عامل جديد يعمق الفوارق بين الطلبة ويلغي مجانية التعليم.
دروس خصوصية للأول الابتدائي!
قالت نادية قاسم، أم لولدين، ان الدروس الخصوصية أصبحت عبئا ماليا على العائلات، مبينة أنها سجلت ابنيها في دروس خصوصية، فيما دخل أحدهما السادس الإعدادي، وصار يتلقى دروسه عبر الإنترنت طوال فترة العطلة.
وأضافت لـ"طريق الشعب"، أن تكاليف الدروس ترتفع بشكل أكبر مع اقتراب الطالب من المراحل النهائية، ولا سيما السادس الإعدادي، موضحة أن "بعض الدروس قد تصل كلفتها إلى مليون دينار وأكثر، الأمر الذي يجعل الأسرة أمام مصاريف متراكمة على مدار العام. خاصة ان جميع زملاء ابني سجلوا ضمن المعاهد الخاصة، ما اجبرني أن أضع ابني أيضا، حتى لا يشعر باننا مقصرون معه".
وأوضحت أن الدروس الخصوصية لم تعد بالنسبة إلى كثير من الأسر خياراً إضافياً، وإنما أصبحت، بحسب تجربتها، جزءاً أساسياً من استعداد الطلبة للامتحانات، خصوصاً في السادس الإعدادي، الأمر الذي يفرض على العائلة تخصيص جزء كبير من دخلها لتغطية تكاليف التعليم خارج المدرسة.
وبينت أن ابنها الأصغر اضطرت الى إلحاقه بدروس خصوصية منذ الصف الأول الابتدائي، بعد ان لاحظت بحسب قولها، أنه لم يكتسب المهارات الأساسية التي كان يفترض أن يتعلمها في المدرسة، الامر الذي دفعها للاستعانة بمدرس خصوصي لتعويض ما فاته ومساعدته على متابعة المنهج.
ورأت ان اللجوء الى الدروس الخصوصية لم يعد مقتصرا على الطلبة في المراحل الدراسية النهائية بل امتد الى الصفوف الأولية، ما يضيف أعباء مالية جديدة على الأسر ويجعل الإنفاق على التعليم خارج المدرسة يبدأ في سن مبكرة.
ضعف البيئة التعليمية
تقول التربوية، هناء جبار، أن "انتشار الدروس الخصوصية لا يمكن فصله عن المشكلات التي يعانيها التعليم الحكومي، مشيرة الى ان ضعف البيئة التعليمية واكتظاظ الصفوف وصعوبة بعض المناهج وقلة الخدمات، كلها عوامل تدفع الطلبة وأسرهم إلى البحث عن بدائل خارج المدرسة".
وتضيف جبار لـ"طريق الشعب"، ان "الدروس الخصوصية تُعد من مخرجات وإفرازات سوء واقع التعليم"، مبينة أن تحميل الكوادر التربوية وحدها مسؤولية هذا الواقع، ليس دقيقا إذ تتداخل عوامل عدة في تكريس المشكلة، تبدأ من البيئة المدرسية وتنتهي بقدرة الطالب على استيعاب المادة الدراسية.
وتشير الى أن اكتظاظ الصفوف يمثل أحد ابرز التحديات، ولا سيما في المناطق الشعبية والنائية التي تعاني قلة المدارس، موضحة أن بعض الصفوف تضم أعداداً كبيرة جداً من الطلبة، تصل في بعض الحالات إلى 70 أو 90 طالبا في الصف الواحد.
وتضيف أن هذا العدد يجعل من الصعب على المدرس إيصال المادة بالشكل المطلوب، إذ يتحول جزء كبير من وقت الحصة لمحاولة إدارة الصف والتعامل مع أعداد الطلبة، بدلاً من التركيز على الشرح والمتابعة الفردية، الأمر الذي ينعكس على مستوى الفهم والتحصيل لدى الطلبة.
وتوضح جبار، أن الطالب الذي لا يحصل على الوقت الكافي لفهم المادة داخل المدرسة، يجد نفسه مضطراً إلى البحث عن دروس إضافية، سواء لدى مدرسين خصوصيين أو في المعاهد، لافتة إلى أن الأمر لا يقتصر على الطلبة الضعفاء، بل قد يشمل أحياناً المتفوقين الذين يسعون إلى تعزيز مستواهم، أو ضمان حصولهم على درجات مرتفعة.
اعباء مالية إضافية
وتجد ان هذه الحاجة تضع الأسر أمام اعباء مالية إضافية، خصوصا العائلات محدودة ومتوسطة الدخل، التي تضطر في بعض الأحيان إلى الضغط على ميزانيتها لتوفير الدروس لأبنائها، فيما تعجز أسر أخرى عن تحمل هذه التكاليف، ما يخلق تفاوتاً إضافياً في فرص الحصول على تعليم جيد.
وترى جبار أن الوضع الحالي يختلف كثيرا عن الصورة التي كان عليها التعليم سابقاً، موضحة أن المدرسة كانت تضطلع بمعظم مسؤولية التعليم، من الشرح والقراءة والكتابة والإملاء إلى حل الواجبات، بحيث يقتصر دور الطالب في المنزل على المراجعة وإنجاز بعض الواجبات البسيطة.
وتشير الى ان "الواقع اليوم مختلف تماما في ظل ضيق الوقت وكثرة العطل وارتفاع أعداد الطلبة لجانب الضغوط التي تواجه المعلمين، فضلا عن انخفاض الرواتب، وتردي الأبنية المدرسية، وارتفاع درجات الحرارة، وانقطاع الكهرباء، وتهالك البنى التحتية، وهي ظروف، بحسب رأيها، لا توفر بيئة تعليمية محفزة للمدرس أو الطالب".
وتؤكد ان المشكلة لا تتعلق بالكفاءات العلمية داخل المدارس الحكومية، مشيرة إلى أن فيها كوادر تمتلك خبرة وكفاءة، وأن المدارس الحكومية يمكن أن تكون أكثر جدية ورصانة من حيث التعليم، إلا أن هذه الكفاءات تصطدم بعوائق تتعلق بالبيئة المدرسية والإمكانات المتاحة وأعداد الطلبة وصعوبة المناهج.
وتلفت الى ان صعوبة بعض المناهج، إلى جانب الاكتظاظ، تزيد الحاجة إلى الدروس الخارجية، لأن الطالب لا يحصل، في ظل هذه الظروف، على الوقت الكافي لاستيعاب المادة داخل الصف، فيضطر إلى استكمالها في المعاهد أو لدى المدرسين الخصوصيين.
وترى جبار ان استمرار هذه الظاهرة ينعكس على التعليم الحكومي نفسه، إذ يؤدي ضعف البيئة التعليمية إلى زيادة الإقبال على التعليم الأهلي والدروس الخصوصية، بينما لا يعني الانتقال إلى المدارس الأهلية بالضرورة انتهاء المشكلة.
وتوضح ان بعض المدارس الأهلية تركز اهتمامها بصورة أكبر على المراحل المنتهية، ولا سيما المراحل التي ترتبط بالامتحانات الوزارية ونتائج الطلبة، باعتبارها مؤشراً على أداء المدرسة، فيما قد لا تحظى الصفوف غير المنتهية بالمستوى ذاته من الاهتمام، الأمر الذي يدفع بعض الطلبة مجدداً إلى الدروس الخصوصية.
وفي ما يتعلق بالمدرسين الذين يقدمون دروسا خصوصية، تشير جبار إلى وجود تعليمات رسمية تمنع المعلم من تدريس طلبته الذين يدرسهم في المدرسة بشكل خصوصي، لكنها تؤكد أن تطبيق التعليمات قد لا يكون متساوياً في جميع الحالات.
وتقول ان هناك حالات فردية قد يتحول فيها ضعف الطالب في مادة معينة إلى فرصة للاستغلال التجاري، من خلال دفعه إلى التسجيل لدى مدرس بعينه، لكنها تشدد في الوقت ذاته على عدم إمكانية تعميم هذه الحالات على جميع المعلمين، مبينة أن كثيراً من المدرسين الذين يقدمون دروساً خصوصية يدرسون طلبة من مدارس أخرى.
وتضيف ان انتشار المعاهد والدروس الخصوصية جعل التعليم الإضافي يتحول تدريجياً إلى نشاط تجاري واسع، مع توسع المعاهد وازدياد الدروس التي تقدم في المنازل، في وقت باتت فيه بعض الأسر تنظر إلى هذه الخدمات بوصفها ضرورة لضمان حصول أبنائها على المستوى التعليمي الذي لم يتمكنوا من الحصول عليه داخل المدرسة.
وتختتم جبار بالقول ان استمرار الظاهرة يرتبط بمجموعة من العوامل، أبرزها اكتظاظ الصفوف، وقلة الخدمات، وتردي البيئة المدرسية، وصعوبة بعض المناهج، مؤكدة أن معالجة الدروس الخصوصية لا تبدأ بمنعها فقط، وإنما بمعالجة الأسباب التي تدفع الطالب إليها، وفي مقدمتها ضمان حصوله على حقه في التعليم والفهم داخل المدرسة.
الظروف الاقتصادية للمدرسين
فيما تقول المدرسة نور الخفاجي ان انتشار الدروس الخصوصية يرتبط بعدة عوامل، من بينها كثافة المناهج واعداد الطلبة داخل الصفوف، واختلاف مستويات الاستيعاب بينهم، فضلا عن حاجة بعض الطلبة لوقت اضافي لفهم المواد الدراسية.
وتضيف الخفاجي لـ"طريق الشعب"، ان "بعض الطلبة اصبحوا يعتمدون على الدروس الخصوصية بشكل متزايد حتى في الحالات التي لا يعانون فيها من ضعف دراسي واضح"، مبينة ان هذا الاعتماد قد يتحول الى اعتقاد بأن النجاح او الحصول على درجات مرتفعة يتطلب بالضرورة الاستعانة بمدرس خصوصي.
وأوضحت ان الدروس الخصوصية تخلق تفاوتا بين الطلبة لان القدرة على تحمل تكاليفها تختلف من اسرة الى اخرى، ما يمنح الطلبة القادرين على دفع تكاليف التعليم الإضافي فرصة أكبر للحصول على ساعات إضافية من الشرح والمراجعة.
وبينت الخفاجي ان الظروف الاقتصادية للمدرسين تمثل عاملا اخر في توسع هذا السوق إذ يلجأ بعضهم الى التدريس خارج المدرسة لتحسين دخلهم، مؤكدة في الوقت ذاته أن الدروس الخصوصية ينبغي أن تبقى وسيلة مساندة، لا أن تتحول إلى بديل عن التعليم المدرسي. وتابعت ان معالجة الظاهرة تتطلب تحسين البيئة التعليمية داخل المدارس، وتقليل أعداد الطلبة في الصفوف، وتوفير وقت كافٍ للشرح والمراجعة، إلى جانب تحسين الظروف المعيشية للمدرسين وتوفير برامج تقوية مجانية للطلبة الذين يحتاجون إلى دعم إضافي.
وأكدت ان انتشار الدروس الخصوصية لا يرتبط بعامل واحد، وإنما هو نتيجة تداخل عوامل تعليمية واقتصادية واجتماعية، الأمر الذي يتطلب معالجة أسباب الظاهرة داخل المدرسة، بدلاً من التعامل معها بوصفها مشكلة منفصلة.
***************************
العراق في الصحافة الدولية
ترجمة وإعداد: طريق الشعب
عن عراق الازدهار والأمان بعد رحيل {الأمريكان}
اهتمت وسائل الإعلام الدولية بالمتغيرات المتوقعة إثر انسحاب قوات التحالف من العراق في نهاية أيلول. وقد نشر مركز سوفان الأمريكي مقالًا ذكر فيه أن انتهاء مهام هذه القوات قد يمنح حكومة بغداد فرصة لترسيخ سيادتها واستعادة مكانتها في المنطقة، بعد أكثر من عقدين من الوصاية الأمريكية، وبعد أكثر من عقد على عودتها إلى العراق للمساعدة في القضاء على الإرهاب، الذي تعتقد بغداد وواشنطن أنه أُضعف بما يكفي، وأن القوات الأمنية العراقية عززت قدراتها بما يسمح بعودة القوات الأمريكية إلى بلادها.
علاقة جديدة
ورأى كاتب المقال أن انسحاب القوات الأمريكية من شأنه إعادة صياغة علاقة بغداد بواشنطن؛ لتتجاوز الملفات الأمنية وتركز على جذب الاستثمارات وتعزيز الاستقرار السياسي، في طموح عبّر عنه رئيس الحكومة بالسعي إلى التحول لقوة اقتصادية فاعلة في المنطقة، ومركز عالمي لإنتاج الطاقة. ومع انتقال المهمة الأمنية بالكامل إلى السيطرة العراقية، ذكر المركز أن واشنطن ستبقي على قوة صغيرة لمساعدة بغداد في مكافحة فلول تنظيم داعش والتهديدات، رغم أن المسؤولين الأمريكيين لم يحددوا علنًا حجم القوات المتوقع بقاؤها في العراق أو قواعد الاشتباك الخاصة بها.
صعوبات داخلية
ورأى كاتب المقال أن هناك الكثير مما يجب معالجته بغية الاستفادة من المتغير لصالح بناء بلاد مزدهرة. ويأتي في سياق ذلك وجود مخاوف لدى الكرد من حدوث صعوبات في ظل غياب الوجود العسكري الأمريكي، الذي تعتمد عليه أربيل، مما ستضطر معه لزيادة اعتمادها الأمني على شركاء في بغداد اتسموا بعدم الموثوقية، وأحيانًا بالعداء. لكن أربيل، بالمقابل، يمكن أن تستفيد من فرصة توحيد قوات البيشمركة، وتخفيف الضغط التركي عليها بعد الاتفاق التركي على نقل تدريجي للقاعدة العسكرية التركية الموجودة في بعشيقة إلى سيطرة بغداد.
كما وجد المقال أن المسار الجيوستراتيجي للعراق وتأكيد السيادة الكاملة سيتحددان أيضًا بحصر السلاح بيد الدولة، وتمكينها من احتكار قرار السلم والحرب، وهما نقطتا خلاف بين الحكومة وبعض الفصائل المسلحة الحليفة لطهران، طالما اتسمت المطالبة بهما بالتوتر واحتمالية حدوث اضطرابات داخلية.
ورغم أن رئيس الحكومة ما زال مصرًّا على تزامن حصر السلاح مع انسحاب الأمريكيين، فإنه اضطر إلى التراجع مؤخرًا حين صرّح لصحيفة "نيويورك تايمز" بأن الموعد النهائي الجديد لإتمام العملية سيكون 30 حزيران 2027. كما عدّلت بغداد أهداف البرنامج، حيث لم تعد تصر على نزع السلاح بالكامل، بل تركز على دمج المقاتلين، الذين عليهم تسليم أسلحتهم والانضمام بشكل فردي، وليس على أساس وحدات كاملة، إلى قوات الحشد الشعبي التي تخضع لإشراف قادة عسكريين ومؤسسات حكومية عراقية.
ونقل المقال عن خبراء قولهم إن مقاومة الفصائل للمشروع، وبدعم من طهران، يمكن أن تُفشل عملية حصر السلاح تمامًا، مما يبقي حلفاء إيران في مواقعهم ويمنحهم القدرة على استعراض قوتهم ونفوذهم داخل العراق وخارجه.
أهمية العراق لواشنطن
ولموقع المجلس الأطلسي، كتبت فيكتوريا تايلور وإلينا رومانسكي مقالًا ذكرتا فيه أن العلاقة الأمريكية العراقية اتسمت منذ عام 2003 بالوجود العسكري، بحيث يمثل رحيل القوات فرصة لطي صفحة التاريخ الأمريكي المعقد في هذه البلاد.
وذكرت الكاتبتان، اللتان كانتا ضمن الجانب الأمريكي الذي أبرم اتفاقية لإنهاء عملية العزم الصلب مع بغداد، أن الهدف من السحب التدريجي يكمن في السعي للانتقال إلى تعاون أمني ثنائي يحفظ وجوداً أمنياً أمريكيا مستمراً، وهو أمر بالغ الأهمية للمصالح الأمريكية، ويمكن تحقيقه عبر تعاون أمني مستدام مع بغداد، سواء مع عملية العزم الصلب أو بدونها.
وتوقعتا ألا يكون الترحيب بالرحيل مقتصرًا على العراق وإيران، بل في الولايات المتحدة، التي تفاقم فيها الإرهاق من العراق بعد سنوات من التدخل العسكري المكثف، وإنفاق مليارات الدولارات، وفقدان آلاف الأرواح الأمريكية والعراقية، رغم أهمية البلد للمصالح الاستراتيجية طويلة الأمد ولسياسة الرؤساء الأمريكيين في الشرق الأوسط.
ونصحت الكاتبتان البيت الأبيض بالانتباه إلى ما للعراق من تأثير إقليمي واسع، بثروته البشرية وموارده الهائلة، والتخلص من فكرة تقول إن العراق قد ضاع بالفعل لصالح إيران، فالولايات المتحدة لن تحتاج إلى آلاف الجنود لتغيير موازين القوى؛ بل يكفي تعزيز التعاون الأمني الثنائي من خلال فريق صغير لكنه كفء من المستشارين الأمنيين، ووجود دبلوماسي أمريكي قوي، وجهود حثيثة لتوسيع العلاقات التجارية الأمريكية في العراق، لا سيما أن هناك دعمًا من كبار السياسيين العراقيين لذلك.
***********************************
عين على الاحداث
كلمة حق يُراد بها باطل
أكد التحالف الدولي نهاية مهمة "عملية العزم الصلب"، معلناً عن انتقال مخطط له نحو علاقة دفاعية ثنائية بين الولايات المتحدة والعراق، تواصل خلاله "قوة المهام المشتركة للعملية" نشاطها من مقرها الجديد في الأردن. وأعرب التحالف عن اعتقاده بعدم وجود مبرر لبقاء الجماعات المسلحة في ظل انسحابه من البلاد. وإذا كان بقاء العلاقة متوقعاً رغم عدم إعلان "أولي الأمر" عنه، فإن الغريب أن يبقى التحالف وصياً على بلادنا، ويحدد ما عليها فعله، فحصر السلاح وقرار السلم والحرب بيد الدولة شأن وطني خالص، وعلى العراقيين فقط الحوار حوله وإنجازه بما يحفظ الدستور والسلم الأهلي.
المايشوف بالمنخل!
قررت وزارة التربية تدريس كتاب بعنوان (جرائم حزب البعث البائد) لطلبة الرابع ثانوي، قامت "لجنة مختصة" بتأليفه، وذلك بهدف تحصين الشباب من مخاطر الدكتاتورية وحكم الفرد والحزب الواحد وسياسات أقصاء المختلفين في الانتماء الفكري والقومي والطائفي. الناس الذين يفترضون "حسن النية" بالقرار وبعمل اللجنة، وجدوها قد وقعت في ذات الأخطاء التي جاءت لتحصّن الطلبة منها، حين استبعدت الإشارة للجرائم ضد الكرد والتركمان والكلدوأشورسريان، وضد أتباع الديانات والطوائف المختلفة، فضلاً عن إغفال الإشارة إلى جرائم يندى لها الجبين، أرتُكبت بحق الوطنيين والديمقراطيين من كل الأطياف، وفي مقدمتهم الشيوعيون، وهو ما لم تسمع به اللجنة التربوية، كما يبدو.
والحبل عالجرار!
وصف مسؤولون انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق بأنه لا يعني انتهاء الشراكة مع واشنطن، بل الانتقال إلى علاقات ثنائية أكثر رسوخاً، مع استمرار التعاون الأمني والاستخباري وتبادل المعلومات والخبرات وبناء القدرات، على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بما يعزز الأمن والاستقرار والسلام والتنمية المستدامة. هذا، وتجدر الإشارة إلى أن الناس يتذكرون أن "أولي الأمر" كانوا قد احتفوا بأحداث مماثلة باعتبارها أيام سيادة، وذلك في حزيران 2009، وفي كانون الأول 2011، وفي الشهر نفسه من عام 2021، وفي 30 أيلول من هذا العام، على أمل ألا نكون موعودين بيوم سيادة آخر في المستقبل.
يا فرحة مادامت!
أجلت وزارة النفط موضوع إطلاق رابط الكتروني للتسجيل على "الستيكر" إلى إشعار آخر، والذي وعدت بأنه سيسهل الإجراءات المتبقية لإطلاق الحصص والكميات ضمن مشروع متكامل لأتمتة قطاع توزيع البنزين والمنتجات النفطية. هذا ووجد الناس في القرار خللًا واضحًا في ترتيب الأولويات، فإذا كانت الوزارة جادة في تبسيط إجراءات توزيع البنزين، فلماذا تُؤجَّل الأداة التي وعدت بأنها ستختصر الإجراءات وتُنهي التعقيد. وهل من المقبول أن تتحول الأتمتة إلى عنوان للاستهلاك الإعلامي، بينما تبقى الخطوات العملية معلقة بلا موعد واضح، لاسيما حين لا تكلف الوزارة نفسها لتوضيح أسباب القرار وتحديد فترة التأجيل؟
هاي كلها وبعشيقة محتلة!
أظهرت بيانات معهد الإحصاء التركي أن العراق حلّ رابعاً بين أكبر وجهات الصادرات التركية خلال شهر آب 2026، بقيمة بلغت 1.079 مليار دولار. وكانت الاستيرادات العراقية من تركيا قد زادت بحوالي 2 في المائة سنوياً، لتشكل الواردات التركية وحدها نحو 36.8 في المائة من عجز تجارة السلع غير النفطية، البالغ 35.3 مليار دولار. هذا، وتجدر الإشارة إلى أن العجز في الميزان التجاري له تأثيرات اقتصادية وسياسية سلبية كبيرة، سواء في خروج العملة الصعبة، وزيادة الاعتماد على الاقتصاد الخارجي، واشتداد المنافسة مع المنتج الوطني، والمخاطر المحتملة على الأمن الغذائي وقدرة الآخرين على التحكم به.
*******************************
الصفحة الرابعة
موسم الأمطار يطرق الأبواب مبكرا
متى تتحول المياه المتساقطة.. من خطرٍ محتمل إلى فرصة لتعزيز الخزين؟
بغداد - طريق الشعب
مع اقتراب موسم الأمطار، يعود ملف المياه إلى الواجهة في العراق، ليس فقط من بوابة الاستعداد للسيول وتجمعات المياه، وإنما من زاوية أوسع تتعلق بكيفية التعامل مع الأمطار بعد هطولها.
وبين استعدادات تركز على جاهزية شبكات التصريف، وتحذيرات مختصين من استمرار مشكلات إدارة الموارد، يطرح تساؤل أساسي: هل يمتلك العراق ما يكفي من الخطط والإجراءات لتحويل مياه الأمطار إلى مورد يعزز خزونه المائية، بدلاً من أن تنتهي معظمها عبر مسارات التصريف؟
آمال وتحديات
ويأتي الاستعداد هذا العام، وسط تحديات مائية متراكمة، بعد سنوات من الجفاف وتراجع الإيرادات المائية، ما يجعل كميات الأمطار المتساقطة عاملاً مهماً في دعم الخزين المائي وتعزيز مناسيب السدود والخزانات وإنعاش الأهوار.
وفي المقابل، تفرض الأمطار الغزيرة تحديات أخرى تتعلق بالسيول وتجمع المياه داخل المدن، ولا سيما في المناطق التي تعاني من ضعف شبكات التصريف أو انسداد المجاري والعبارات، الأمر الذي يتطلب رفع جاهزية الجهات الخدمية وتعزيز إجراءات الاستجابة المبكرة.
وتتزامن هذه التحديات مع استمرار الحاجة إلى إدارة أكثر كفاءة لمياه الأمطار، بما لا يقتصر على تصريفها خلال الموجات المطرية، وإنما يشمل استثمارها في تعزيز الخزين المائي، وتغذية المياه الجوفية، ودعم الأهوار، والحد من آثار شح المياه والملوحة في المناطق الجنوبية.
غرفة عمليات
وفي بغداد، أعلنت أمانة العاصمة اتخاذ إجراءات مبكرة استعداداً للموسم، شملت تأهيل أجزاء من شبكات التصريف والخطوط الناقلة والمحطات، إلى جانب تفعيل غرفة عمليات مشتركة وإنشاء خطوط طوارئ في المناطق التي شهدت تجمعات مائية خلال المواسم السابقة.
يقول المتحدث باسم الأمانة، عدي الجنديل، إن أمانة بغداد اتخذت جملة من الإجراءات والاستعدادات المبكرة لموسم الأمطار، شملت إعادة تأهيل الخطوط الناقلة الرئيسة والمحطات الحاكمة، وتعزيز جاهزية منظومة تصريف مياه الأمطار في العاصمة.
ويضيف الجنديل لـ"طريق الشعب"، أن دائرة مجاري بغداد عملت على إصلاح أكثر من 60 تخصّصاً على الخطوط الناقلة داخل العاصمة، إلى جانب توجيه القواطع البلدية في الدوائر البلدية لإجراء أعمال الإصلاح والصيانة للتخسفات والمحطات الفرعية والحاكمة، فضلاً عن تنظيف وتسليك الخطوط الفرعية ومشبكات تصريف مياه الأمطار.
ويتابع القول أن الأمانة فعّلت غرفة عمليات برئاسة أمين بغداد وعضوية الوكلاء العامين، وبمشاركة ممثلين عن وزارات الكهرباء والدفاع المدني والموارد المائية، تحسباً لأي طارئ قد يحدث خلال هطول الأمطار.
ويشير المتحدث إلى استمرار أمانة بغداد بأعمال التنظيف والتسليك والصيانة لجميع المرافق والمنشآت الخاصة بتصريف مياه الأمطار، مبيناً أن المناطق التي شهدت تجمعات للمياه خلال الموسم الماضي حظيت بإجراءات إضافية، من بينها إنشاء خطوط طوارئ جديدة وإدخالها إلى الخدمة تحسباً لأي تجمعات مائية داخل العاصمة.
ويبيّن أن أقسام المجاري في الدوائر البلدية ودائرة مجاري بغداد تواصل استعداداتها المبكرة لموسم الأمطار، لافتاً إلى أن الطاقة الاستيعابية للخطوط الناقلة تبلغ نحو 22 ملم من مياه الأمطار.
ويردف كلامه بأنه في حال سقوط كميات أكبر من ذلك خلال فترة زمنية قصيرة، قد تشهد بعض المناطق تجمعات مائية مؤقتة، تحتاج إلى نحو ساعة أو ساعتين لتصريفها، مقارنة بالسنوات السابقة التي كانت تستغرق فيها عملية تصريف مياه الأمطار من 10 إلى 20 يوماً.
ويؤكد أن هذا التحسن جاء نتيجة الإجراءات التي اتخذتها أمانة بغداد خلال السنوات الأخيرة، من خلال مد خطوط جديدة وتوسعة شبكات التصريف ورفع قدرتها على استيعاب مياه الأمطار، معرباً عن أمله بأن يكون الموسم المقبل موسم خير على العاصمة بغداد.
لا نملك خططا واضحة
وفي ما يتعلق باستعداد الحكومة للموسم المطري، قال رئيس المرصد العراقي الأخضر، عمر عبد اللطيف، إن أي موسم أمطار يمكن أن يسهم في تعزيز الخزين المائي في العراق، إلا أن البلاد لا تستفيد بالشكل المطلوب من هذه المياه، ولا توجد، بحسب قوله، خطة واضحة بهذا الاتجاه.
وبين في حديثه مع "طريق الشعب"، أن المياه الموجودة في العراق تذهب في نهاية المطاف باتجاه الخليج، مشيراً إلى وجود استثناءات مستمرة في استخدام المياه، ولا سيما في القطاع الزراعي.
وبيّن أن من بين أبرز هذه الاستثناءات زراعة الشلب، إضافة إلى عدد من المحاصيل الزراعية الأخرى التي تتطلب كميات كبيرة من المياه، الأمر الذي يزيد من حجم الاستهلاك المائي في ظل الظروف التي يمر بها العراق.
وأضاف أن مزارع الأسماك تمثل عاملاً آخر في استهلاك المياه، لافتاً إلى أن غالبية هذه المزارع، بحسب تقديره، غير نظامية، ما يستدعي معالجة هذا الملف وتنظيمه بما ينسجم مع واقع الموارد المائية في البلاد.
وأشار عبد اللطيف إلى وجود مشكلة أخرى تتعلق بتصرفات بعض المحافظات في إدارة المياه، موضحاً أن بعض المحافظات تقوم بقطع المياه أو الحد من وصولها إلى المحافظات الواقعة بعدها، في إشارة إلى المحافظات الوسطى التي قال إنها تحاول، في بعض الحالات، الحد من وصول المياه إلى المحافظات الجنوبية.
وحذر من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى تفاقم مشكلات شح المياه والتلوث في المحافظات الجنوبية، معتبراً أن هذه القضية تمثل مشكلة كبيرة ينبغي معالجتها خلال المرحلة المقبلة.
وأكد أن معالجة هذه الملفات يجب أن تكون ضمن خطط وزارة الموارد المائية، بما يشمل تنظيم عملية توزيع المياه بين المحافظات، والسيطرة على الاستثناءات الممنوحة في القطاع الزراعي، فضلاً عن تنظيم عمل مزارع وبحيرات الأسماك، ولا سيما غير النظامية منها.
وشدد عبد اللطيف على ضرورة وضع آليات واضحة لإدارة الموارد المائية والاستفادة من مياه الأمطار، بما يضمن تعزيز الخزين المائي وعدم هدر المياه أو الإضرار بحصة المحافظات الواقعة في أسفل مجرى الأنهار.
تفاؤل بموسم أمطار جيد
من جانبه، اكد خبير الاستراتيجيات والسياسات المائية وتغير المناخ، رمضان حمزة، إن الاستعدادات الحكومية في الجانب المائي لموسم الأمطار وفصل الشتاء تبدو أفضل من العام الماضي، لكنها لا تزال دون مستوى التحديات التي يواجهها العراق، في ظل سنوات الجفاف وتراجع الموارد المائية.
وقال حمزة لـ"طريق الشعب"، أن عام 2025 كان، بحسب وزارة الموارد المائية، من أكثر الأعوام جفافاً منذ عام 1933، فيما شهد الخزين المائي تحسناً ملحوظاً عقب أمطار ربيع 2026، مشيراً إلى أن متحدث الوزارة أعلن في حزيران الماضي ارتفاع الخزين من 5 مليارات متر مكعب إلى نحو ستة أضعافه.
وأضاف أن الأهوار لا تزال تواجه مخاطر، مع استمرار انخفاض نسب الإغمار في هور الحمار الغربي والأهوار الوسطى، واحتمالية تراجعها خلال فصل الصيف، مبيناً أن تقييم الوضع المائي يتأثر أيضاً بتباين الأرقام الصادرة عن الجهات المختلفة.
وأشار إلى أن مرصد العراق الأخضر قدّر، خلال إحدى موجات الأمطار، أن الزيادة في الخزين لم تتجاوز نحو 2 في المائة، فيما وصفت وزارة الموارد المائية هذه الأرقام بغير الدقيقة، معتبراً أن هذا التباين يؤكد الحاجة إلى اعتماد بيانات مائية موحدة وشفافة.
وبيّن حمزة أن موسم الأمطار المقبل يمكن أن يسهم بصورة حقيقية في دعم الخزين المائي، لكنه لن يكون كافياً وحده لتعويض سنوات الجفاف، لافتاً إلى أن حجم الإيرادات سيبقى مرتبطاً بكمية الأمطار المتحققة.
وأوضح أن العراق يمتلك مساحات خزن متاحة في عدد من السدود والخزانات، من بينها دوكان ودربندخان وحمرين والثرثار والرزازة والحبانية وحديثة، ما يوفر قدرة على استيعاب كميات إضافية من المياه.
وأكد أهمية توجيه الإيرادات المائية نحو السدود الرئيسية، وإنعاش الأهوار وتقليل الملوحة في المناطق الجنوبية، إلى جانب متابعة الروافد الشرقية والشمالية، ولا سيما الزاب الأسفل والخابور وحزام ديالى–خانقين، ورفع الجاهزية الفنية للسدود من خلال صيانة البوابات والمفيضات وإزالة الترسبات.
وشدد على ضرورة ربط الإطلاقات التشغيلية بخطط الصيف والقطاع الزراعي، بما يحد من هدر المياه المخزونة، مشيراً إلى أهمية اعتماد إجراءات مستمرة لتعظيم الاستفادة من المواسم المطرية حتى عام 2030.
وحذر حمزة من استمرار مخاطر السيول والفيضانات وتجمع مياه الأمطار، خصوصاً أن موجات الأمطار والسيول تسببت في أضرار مادية وبشرية في بعض المناطق خلال فترات سابقة.
وعزا أبرز أسباب تكرار هذه المشكلات إلى ضعف البنية التحتية لشبكات الصرف في المدن، وانسداد المجاري والعبارات، والتجاوزات على مجاري الأودية والمسيلات الطبيعية، فضلاً عن ضعف أنظمة الإنذار المبكر على مستوى المحافظات.
ولفت إلى أن الاعتماد على التصريف السريع لمياه الأمطار بدلاً من استثمارها في الحجز والتغذية الجوفية يؤدي إلى هدر جزء من الموارد المائية، داعياً إلى تطوير آليات أكثر فاعلية لحصاد مياه الأمطار.
وقال إن الخطاب الرسمي يتحدث عن الاستفادة من مياه الأمطار، إلا أن الواقع لا يزال يميل بدرجة أكبر إلى الإدارة الطارئة لموجات الأمطار والسيول، موضحاً أن ما أعلنته الجهات الحكومية يتعلق بتوجيه السيول إلى السدود والأهوار، فيما لا تزال الحاجة قائمة إلى خطة وطنية واضحة للحصاد المائي على نطاق واسع.
وأشار إلى أن هذه الخطة ينبغي أن تشمل إنشاء سدود صغيرة وحواجز ترابية في الوديان الصحراوية والجبلية، وتعزيز تغذية المياه الجوفية في المناطق المناسبة، وفصل شبكات تصريف مياه الأمطار عن مياه الصرف الصحي في المدن، فضلاً عن إنشاء خزانات لحصاد المياه من أسطح المباني والمنشآت العامة.
ورأى أن وجود مثل هذه الخطط داخل الوزارات، إن كانت قائمة، يتطلب إعلانها بصورة واضحة، مع تحديد جداول زمنية وموازنات مخصصة لتنفيذها.
تطوير أنظمة الإنذار المبكر
ونبه حمزة إلى أن المناطق الشمالية والشرقية، ومنها نينوى وأربيل ودهوك والسليمانية وكركوك وديالى، تحتاج إلى استعداد أكبر لمواجهة الأمطار والسيول، نظراً إلى تركّز كميات من الأمطار والسيول فيها واتصالها بروافد الزاب والخابور ودجلة وديالى، مشيراً إلى أن ديالى كانت من أكثر المحافظات تضرراً من الشح المائي بحسب وزارة الموارد المائية.
وشدد على ضرورة مراقبة مناسيب نهري دجلة والفرات وسرعة الجريان، وإعلان البيانات المتعلقة بها بصورة واضحة للجمهور، لافتاً إلى حدوث تباين في وقت سابق بين تصريحات مدير موارد الأنبار ووزارة الموارد المائية بشأن ارتفاع مناسيب الفرات.
كما دعا إلى التأكد من السلامة الفنية للسدود قبل ورود كميات كبيرة من المياه، ولا سيما سد الموصل، فضلاً عن ضمان حصة مائية مستدامة للأهوار والمناطق الجنوبية والعمل على تقليل مستويات الملوحة في شط العرب.
وفي المدن الكبرى، وفي مقدمتها بغداد والموصل والنجف وكربلاء والبصرة، دعا إلى تنظيف شبكات المجاري وتشغيل محطات الضخ ورفع جاهزية فرق الطوارئ، مع إيلاء اهتمام خاص لأطراف المدن والمناطق غير المخططة.
وختم حديثه بالتأكيد على أهمية إعداد خرائط محدثة لمخاطر السيول الجبلية والصحراوية، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، واتخاذ إجراءات إخلاء احترازية عند الحاجة، بما يعزز قدرة الجهات المعنية على التعامل مع موجات الأمطار والسيول.
****************************
الجفاف يحوّل فلاحي المحافظة من منتجين إلى مستهلكين!
دراسة ترصد آثار الجفاف في أهوار ميسان: 200 عائلة مهاجرة من 4 قرى
بغداد – تبارك عبد المجيد
لم يعد الجفاف في أهوار ميسان يهدد المياه والبيئة وحدهما بل أخذ يغير نمط حياة السكان ومصادر رزقهم، بعدما تراجعت الزراعة والصيد وتربية الحيوانات، ودُفعت عائلات كثيرة للهجرة أو البحث عن أعمال مؤقتة.
دراسة ترصد اقتصاد سكان الاهوار
وتكشف دراسة محلية حديثة أن استمرار انحسار المياه منذ عام 2019 أسهم في إضعاف الاقتصاد المحلي للمجتمعات الاهوارية، وتحول الفلاحين من منتجين يعتمدون على موارد الأهوار الى مستهلكين يعتمدون على مصادر دخل أكثر هشاشة، وسط غياب بيانات حكومية شاملة، توثق حجم الأضرار والهجرة والخسائر التي لحقت بالثروة الحيوانية.
وأنتج المرصد العراقي لحقوق الإنسان الدراسة بالشراكة مع جامعة ريتجرز في الولايات المتحدة. وأعدها الباحث سجاد جار الله خلال الفترة الممتدة بين عامي 2019 و2026، متناولة تأثيرات أزمة المياه على الحياة الاقتصادية والاجتماعية لسكان الأهوار، وما ترتب عليها من تداعيات إنسانية وبيئية متزايدة.
غياب الخطط الاستراتيجية الحكومية
يقول جار الله، معد الدراسة، ان انحسار المياه في أهوار ميسان منذ عام 2019 أدى لتراجع مصادر الدخل التقليدية للسكان، ودفع أعدادا كبيرة منهم إلى الهجرة، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة والفقر وتراجع مستوى الخدمات الأساسية.
ويضيف جار الله في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن "انخفاض مناسيب المياه ألحق أضراراً مباشرة بمصادر الدخل التقليدية لسكان الأهوار، وفي مقدمتها الزراعة والثروة السمكية والسياحة البيئية، وهي أنشطة ارتبطت تاريخياً بالحياة اليومية للسكان، وشكلت لسنوات مصدراً رئيسياً لمعيشتهم".
ويشير الى أن الدراسة وثقت تداعيات إنسانية واجتماعية متزايدة نتيجة استمرار الجفاف، تمثلت في هجرة أعداد كبيرة من السكان، وارتفاع مستويات البطالة والفقر، إلى جانب تراجع الخدمات الصحية والتعليمية، الأمر الذي ينعكس على استقرار المجتمعات المحلية وقدرتها على الاستمرار في المنطقة.
ولا تقتصر آثار انحسار المياه، بحسب الدراسة، على الجوانب الاقتصادية والخدمية، بل تمتد إلى الهوية الثقافية للمجتمعات المحلية، التي ارتبط وجودها منذ قرون بالأهوار وأنماط حياة وعمل تعتمد بصورة مباشرة على المياه والموارد الطبيعية المتاحة فيها.
ويبين جار الله أن "ملف الجفاف في الأهوار لا يرتبط بالعوامل البيئية وحدها، بل يتداخل فيه غياب الخطط الاستراتيجية الحكومية والمجتمعية لمواجهة تداعيات الجفاف، ما أدى إلى فقدان أهوار ميسان مقومات الحياة تدريجياً خلال الفترة من عام 2019 إلى 2026.
وينبه الى أن هور الحويزة، المدرج على لائحة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو منذ عام 2016، تحول من محمية طبيعية وثقافية إلى منطقة تعاني تدهوراً بيئياً وتغيراً ديموغرافياً، لافتاً إلى أن من أبرز القضايا التي تواجه المنطقة تحويل مساحات من الأراضي الزراعية ومناطق الأهوار إلى حقول نفطية، الأمر الذي انعكس على البيئة وأدى إلى تراجع مصادر الدخل التقليدية للسكان.
ضعف المفاوض العراقي
ويشير جار الله إلى وجود عوامل خارجية أسهمت في تفاقم الأزمة، بينها المشاريع المائية لدول الجوار، مثل سد إليسو التركي، ضمن مشروع جنوب شرق الأناضول (GAP)، فضلاً عن تحويل إيران مجاري مائية وتطبيق نظام الدائرة المغلقة، في ظل ما يصفه بضعف الموقف التفاوضي العراقي في ملف المياه.
ويتابع أن البحث الميداني أظهر تحول في أنماط معيشة الفلاحين وسكان الأهوار إذ انتقل كثير منهم من منتجين للغذاء يعتمدون على الزراعة والصيد وتربية الحيوانات الى مستهلكين يعتمدون على عقود العمل المؤقتة في الشركات النفطية، ولا سيما في أعمال الحراسة والتنظيف، نتيجة تراجع مصادر الدخل التقليدية المرتبطة بالأهوار."
ودعت الدراسة الى تحرّك عاجل على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية للتعامل مع تداعيات أزمة الجفاف، والحفاظ على الموارد الطبيعية في الأهوار وضمان حقوق سكانها، والحد من استمرار التدهور البيئي والإنساني الذي تشهده المنطقة.
الجهات المعنية تجهل حجم الضرر
من جانبه، يقول الناشط البيئي والمهتم في شؤون الأهوار، مرتضى الجنوبي، إن الجهات الحكومية لا تمتلك حتى الآن إحصائيات رسمية شاملة توثق حجم الأضرار التي لحقت بسكان الأهوار نتيجة الجفاف، سواء على مستوى الهجرة السكانية أو الثروة الحيوانية أو المجتمعات المحلية.
ويضيف الجنوبي في تعليق لـ"طريق الشعب"، أنه "لا توجد دراسة حكومية متخصصة ترصد أعداد سكان الأهوار الذين هاجروا، أو حجم الضرر الذي تعرضت له الثروة الحيوانية والمجتمع الهواري. كما لا توجد إحصائية رسمية تحدد أعداد العائلات التي غادرت مناطق الأهوار بسبب الظروف البيئية".
ويعتقد أن "الهجرة من الأهوار ازدادت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، إلا أن غياب الأرقام الرسمية يجعل من الصعب تحديد حجمها بدقة"، مبيناً أن "هناك دراسات ميدانية محدودة حاولت رصد هذه الظاهرة، من بينها إحصائية أُجريت خلال الفترة من 2021 إلى 2023 وشملت نحو 200 عائلة مهاجرة في ٤ قرى، بالتعاون مع جهة دولية".
ويشير الجنوبي إلى أن "هذه الإحصائية لم تشمل جميع قرى الأهوار، وبالتالي لا يمكن اعتمادها رقماً نهائياً لحجم الهجرة"، مؤكداً أن "المؤشرات الميدانية تشير إلى أن الهجرة تضاعفت منذ عام 2021 وحتى 2026، لكن لا توجد أرقام موثوقة صادرة عن جهة حكومية تثبت حجم الزيادة".
ولا تقتصر المشكلة، بحسب الجنوبي، على غياب بيانات الهجرة، بل تمتد إلى الخسائر التي تعرضت لها الثروة الحيوانية، موضحاً أن "النفوق الذي أصاب الحيوانات نتيجة الجفاف لم يُوثق بصورة دقيقة من قبل الجهات الزراعية المعنية".
ويتابع أن "مجلس النواب، بحسب معلومات، طلب من دوائر الزراعة في المحافظات تزويد وزارة الزراعة بأعداد الحيوانات التي نفقت بسبب الجفاف، إلا أن بعض الإجابات الرسمية لم تعكس حجم الضرر الميداني"، مشيراً إلى أن " الزراعة ميسان أفادت بعدم تسجيل أي نفوق للحيوانات، سواء من الجاموس أو بقية المواشي".
ويرى الجنوبي أن "المشكلة الأساسية تتمثل في غياب المتابعة الميدانية المنتظمة من الجهات المعنية، لأن عدم وجود بيانات دقيقة عن الهجرة ونفوق الثروة الحيوانية والأضرار التي لحقت بالسكان يعني أن حجم الأزمة لا يزال غير موثق بشكل حقيقي".
******************************
الصفحة الخامسة
بين الإهمال الخدمي وتهالك البنى التحتية
مجمعات بغداد السكنية العريقة تفقد بريقها العمراني
متابعة – طريق الشعب
بعد عقود من تشييدها كواجهات عمرانية بارزة، تواجه المجمعات السكنية العريقة في بغداد اليوم، شبح الإهمال وتقادم البنى التحتية والخدمية.
يأتي ذلك وسط فوضى تداخل المسؤوليات الإدارية بين الدوائر البلدية وإدارات المجمّعات، الأمر الذي فجّر أزمات صيانة خانقة طالت شبكات الماء والمجاري والكهرباء والمصاعد، وتسببت في حدوث ركود واضح في حركة البيع، وتراجع ملحوظ في عوائد الإيجارات الشهرية للشقق أمام المشاريع الاستثمارية الحديثة.
وتتصدر مجمعات الصالحية وشارع حيفا وحي السلام وزيونة، فضلا عن مجمع البلديات الذي تسكنه عائلات من الجالية الفلسطينية، قائمة المشاريع السكنية التي شُيدت خلال مرحلة التوسع العمراني للعاصمة، إبان سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. وتواجه هذه المجمعات اليوم تراجعا حادا في مستويات الصيانة، وتقادما في البنى التحتية وشبكات الخدمات الأساسية.
ويعزو مراقبون هذا التراجع إلى تداخل المسؤوليات بين الجهات الحكومية والخدمية وإدارات المجمعات والسكان، لا سيما في ما يتعلق بصيانة الأجزاء المشتركة. وتكشف شهادات بعض القاطنين في تلك المجمعات عن مفارقة واضحة. ففي الوقت الذي يُلزم فيه السكان بدفع اشتراكات ورسوم شهرية لجمعيات إدارة المجمعات لقاء خدمات النظافة والصيانة، يُعانون تدهورا حادا في أبرز مقومات العيش الأساسية، كخدمات المياه والكهرباء والصرف الصحي والتنظيفات. وقد دفع هذا التدهور الخدمي المتواصل والمزمن، ببعض أصحاب الشقق، إلى عرض وحداتهم السكنية للبيع، مقابل أسعار بخسة، هربا من واقع خدمي متهالك طارد للاستقرار.
في انتظار عودة الماء!
في حديث صحفي، تقول دينا ياسر، وهي من سكان مجمع حي السلام، أن السكان يعانون تراجعا كبيرا في الخدمات.
وتوضح أنه "نسهر أحياناً حتى الفجر في انتظار عودة الماء وملء الخزانات. بينما نعاني طفح المجاري في فصل الشتاء. أما الكهرباء الوطنية فهي غير مستقرة"، لافتة إلى أن "الأهالي تقدموا بشكاوى متكررة إلى إدارة المجمع والجهات المعنية، لكن المشكلات لا تزال قائمة".
وتشير دينا إلى أن "بعض بنايات المجمع لا تحتوي على مصاعد، ما يضطر سكان الطوابق العليا إلى استخدام السلالم".
أما عمر لطيف، وهو أيضا من سكان مجمع حي السلام، فيقول أن "المجمع أصابه الإهمال. فحتى خدمات النظافة التي تُقدمها أمانة بغداد، غير مشمول بها، سوى بنسبة قليلة لا تُغطيه بالكامل"، مضيفا في حديث صحفي أن "المجمع كان يُستثنى في فصل الصيف من القطع المبرمج للتيار الكهربائي، من الثانية عشرة ليلا حتى السادسة صباحا، بسبب ارتفاع درجات الحرارة فيه نظرا لبنيته الخرسانية. أما الآن فهو مشمول بالقطع المبرمج طيلة ساعات اليوم".
ويتابع لطيف قوله أن "المجمع شُمل أيضا بجدول قطع المياه، بالرغم من كونه يضم مشروعا لتحلية المياه خاصا به". فيما يلفت إلى ان "غالبية العمارات أصابها التقادم. حيث تهالكت بناها التحتية والخدمية، من شبكات المجاري والماء والكهرباء، في ظل عدم إدامتها وصيانتها".
ويؤكد أن "السكان يدفعون اشتراكات شهرية للجمعية الخاصة بالمجمع، لقاء خدمات التنظيف. بينما يُلزم من يريد ترميم شقته أو إضافة ملحقات إليها، بأخذ موافقة من الجمعية، مع دفع مبلغ 25 ألف دينار".
صيانة محدودة
من جانبه، يقول المهندس المتخصص في مجال العمارة عبد الحسين الراضي، أن "الصيانة باتت محدودة في بعض العمارات السكنية، ما انعكس على مستوى الخدمات، وأدى بالتالي إلى ضعف الإقبال على شراء الوحدات السكنية أو استئجارها".
ويبيّن في حديث صحفي أن "مرور 20 عاماً أو أكثر على إنشاء العمارة لا يعني أنها أصبحت غير صالحة للسكن، لأن العمر الإنشائي للبناية قد يمتد لعقود طويلة إذا استمرت أعمال الصيانة والفحص الدوري بصورة صحيحة"، مضيفا أن "المشكلة تبدأ عندما تترك الأجزاء المشتركة في البناية من دون صيانة، مثل شبكات المياه والصرف الصحي والواجهات والأسطح والمصاعد والمنظومات الكهربائية. إذ يؤدي إهمالها إلى تراكم الأعطال وارتفاع كلفة معالجتها".
ويلفت الراضي إلى أن "بعض المشكلات لا يرتبط بسلامة الهيكل الإنشائي نفسه"، موضحاً أن "تسربات المياه، على سبيل المثال، إذا استمرت لفترات طويلة من دون معالجة، قد تؤدي إلى أضرار في بعض العناصر الإنشائية".
ويشدد على "أهمية إخضاع العمارات القديمة إلى فحوص دورية، منها الكشف البصري الشامل وفحص الجدران والسقوف، فضلا عن فحص مقاومة الخرسانة وفق برامج محددة، بدلاً من الاقتصار على معالجة الأعطال بعد وقوعها".
إدارات سيئة
في السياق، يرى النائب السابق حسين عرب، أنه "في سبيل خدمة ساكني المجمعات وتقديم الخدمات لهم بطريقة سلسة وصحيحة، يُفترض أن تتم إدارة مجمعاتهم من خلال هيئة أو جمعية يجري انتخابها من قبل السكان، حسب النظام الداخلي وحسب القانون. وتقوم هذه الجمعية بإدارة شؤون المجمعات".
ويضيف في حديث صحفي قائلا أنه "بعد عام 2003، تحولت إدارات المجمعات من فاعلة إلى سيئة، باستثناء بعض أعضاء الإدارات الذين يقدمون خدمات جيدة"، مستدركا "لكن غالبية الخدمات المقدمة لا ترتقي إلى مستوى الخدمة الحقيقية".
ويشير عرب إلى أن "الجمعيات التابعة للمجمعات تقوم بجني رسوم من السكان لقاء خدمات تُقدمها. كما تستحصل الأموال عبر تأجير المحلات وساحات وقوف السيارات والفضاءات الفارغة التي تقع في حدود المجمع"، مضيفا أن "البلدية لا يمكنها تقديم الخدمات داخل هذه المجمعات، على اعتبار أنها ليست ضمن قاطع مسؤولياتها، إنما ضمن قاطع مسؤوليات الجمعيات".
وينوّه إلى ان "مجمعات شارع حيفا تعرضت إلى عمليات إرهابية، خصوصاً المجمعان الهولندي والألماني. كما تعرضت الجمعيات إلى جملة من الاعتداءات الإرهابية. وقد تم إعمار شارع حيفا، بينما لم تُعمّر البنايات السكنية التي تعرضت إلى أضرار جراء الهجمات الإرهابية، ما أدى إلى تشويه منظر الشارع".
سوء الخدمات أفقد المجمعات جاذبيتها
من جانب ذي صلة، يقول عاملون في مجال العقارات، أن تراجع مستوى الخدمات في بعض المجمعات القديمة انعكس على جاذبيتها في سوق العقار، خصوصاً مع انتقال جانب من الطلب إلى مجمعات أحدث توفر خدمات أكثر انتظاماً.
ويسجل بعض أصحاب مكاتب العقار تراجعاً واضحاً في أسعار بيع وإيجار الوحدات السكنية لبعض المجمعات، قياساً لما كانت عليه قبل سنوات.
إذ يقول أحمد حيدر نجم، صاحب مكتب عقارات في منطقة العلاوي، أن "الشقق التي كانت قبل نحو خمس سنوات تحقق عوائد إيجارية مرتفعة، أصبحت اليوم تواجه منافسة من المجمعات الأحدث التي توفر خدمات أفضل"، مبيّنا في حديث صحفي أن "إيجار الشقق في بعض المجمعات، مثل الصالحية، كان قبل نحو خمس سنوات يتراوح بين 800 ألف إلى مليون دينار شهرياً. فيما تتراوح الإيجارات حالياً في بعض الوحدات بين 600 و750 ألف دينار، ويصل إيجار الشقة الكبيرة المفروشة، إلى نحو مليون دينار".
ويلفت إلى أن "التراجع في الإيجار لا يشمل جميع الوحدات، إنما يرتبط بحالة كل بناية ومستوى الخدمات فيها"، مشيرا إلى أن "تردي الكهرباء الوطنية أو ضعف الصيانة وارتفاع أجور الخدمات، كل ذلك يجعل المستأجر أكثر تردداً في اختيار الشقة، حتى لو كان بدل الإيجار قليلا".
بدوره، يقول محسن سلمان، وهو صاحب مكتب عقارات في حي الجهاد، أن "سعر بيع أو إيجار وحدة سكنية في أحد المجمعات يخضع لأمور عدة، منها موقع المجمع ومستوى الخدمات العامة فيه وحالة الشقة".
ويوضح في حديث صحفي أنه "بتنا نواجه تأخرا في عمليات بيع أو تأجير شقق المجمعات القديمة. فالشخص الذي يبحث عن سكن لا ينظر إلى مساحة الشقة أو موقعها فقط، إنما إلى مقومات السكن الأساسية، وفي مقدمتها الماء والكهرباء والخدمات البلدية والصيانة والأمن وغيرها، وعندما تتراجع هذه الخدمات فإن الشقة تصبح عملياً بمستوى البيت العادي، وبالتالي يقارن المشتري أو المستأجر بينها وبين البدائل المتاحة، وهو ما يؤثر في حجم الطلب عليها".
ويؤكد أن "بيع الشقق في المجمعات ضعيفة الخدمات، قد يستغرق سنوات عدة".
************************************
متى تنتهي ظاهرة البناء التجاري في الأزقة السكنية؟
متابعة – طريق الشعب
خلال السنوات الأخيرة اتسعت ظاهرة التجاوزات العمرانية داخل الأزقة السكنية في كثير من مناطق مركز بغداد، وسط مخاوف من انعكاساتها على طبيعة تلك المناطق وقدرة شبكات الخدمات على استيعاب الزيادة السكانية، فضلا عن تأثيراتها في حركة المرور والخصوصية السكنية.
وفي ظل ضعف الرقابة والإجراءات الرادعة، يقوم البعض بإنشاء مبانٍ عمودية لأغراض تجارية، في الأزقة السكنية، الأمر الذي يثير إزعاج السكان ويضر بمنازلهم، فضلا عما يسببه من تشويه واضح للتخطيط العمراني.
وفي حي الداودي، الذي تنتشر فيه هذه الظاهرة بشكل كبير، طالب سكان الزقاق 79 في المحلة 611، بلدية المنصور والجهات المعنية الأخرى، بمعالجة عدد من التجاوزات والمشكلات العمرانية، في مقدمتها الاستحواذ على أجزاء من الأرصفة العامة، إلى جانب انتشار بنايات سكنية متعددة الطوابق داخل الأزقة، تضم أعداداً كبيرة من الشقق مقارنة بمساحات قطع الأراضي.
وأشار عدد من السكان في شكوى نشروها على "فيسبوك"، إلى أن أسيجة بعض المنازل تستحوذ على أجزاء من الأرصفة العامة، ما يحرم المارة من السير على الأرصفة، ويتسبب في حجب رؤية سائقي المركبات وإعاقة حركة المرور، مؤكدين أن تلك المواقع تشهد باستمرار حوادث مرورية.
ولفت السكان إلى أن الجهات البلدية سبق أن اطلعت ميدانيا على بعض تلك المخالفات، ورغم ذلك لا يزال الوضع قائما!
في جانب آخر، أعرب السكان عن قلقهم من تشييد بنايات سكنية بارتفاعات تصل إلى خمسة وستة طوابق وأكثر داخل الأزقة السكنية في المحلتين 611 و613، مشيرين إلى أن بعض هذه البنايات تضم 12 شقة أو أكثر، رغم انها مُشيدة على قطع أرض لا تتجاوز مساحاتها في بعض الحالات 200 متر مربع.
ورأى السكان أن التوسع في هذا النوع من الأبنية يثير تساؤلات بشأن قدرة الشوارع والأزقة الضيقة على استيعاب أعداد السيارات، فضلاً عن الضغوط المحتملة على شبكات الماء والمجاري والكهرباء، وما قد يرافق ذلك من ازدحام وضوضاء وتغير في طبيعة الأحياء السكنية ومشهدها العمراني.
ولا تقتصر المخاوف على حجم البناء وارتفاعه، بل تشمل مدى تناسب أعداد الوحدات السكنية مع البنى التحتية المتاحة، ومدى الالتزام بالضوابط والتصاميم الأساسية عند منح الموافقات، خصوصا في المناطق التي لم تُصمم شوارعها وخدماتها لاستيعاب كثافات سكانية مرتفعة.
وطالب السكان بلدية المنصور بإجراء كشف موقعي على الأبنية التي يجري تشييدها حاليا، والتحقق من صحة الموافقات ومدى مطابقة الأعمال للضوابط المعتمدة، فضلا عن معالجة التجاوزات على الأرصفة واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.
**************************************
{شارع معمل السكائر} في شرقي بغداد.. طريق حيوي مهمل منذ سنوات
متابعة – طريق الشعب
يعاني "شارع معمل السكائر" الفاصل بين منطقتي الأورفلي والشماعية شرقي بغداد، ترديا كبيرا في بناه التحتية، فضلاً عن تحول أجزاء من جانبيه إلى مكبات للنفايات، رغم أهميته في ربط عدد من الأحياء السكنية الممتدة على طول مساره البالغ أكثر من كيلومترين.
ويشير عدد من المواطنين في أحاديث صحفية، إلى أن الشارع يشهد حركة متواصلة، إلا أن واقعه الخدمي لا يتناسب مع أهميته، في ظل تهالك الطريق وتراكم النفايات على جانبيه، ما يزيد من معاناة مستخدميه ويشوه المشهد العام للمنطقة.
ويؤكد المواطنون أنه منذ سنوات والأهالي يناشدون الجهات المعنية، إعمار الشارع وتطويره، لكن بلا استجابة.
******************************
في نينوى.. خزين النفط الأبيض لا يكفي ربع السكان!
متابعة – طريق الشعب
نقلت وكالة أنباء "شفق نيوز" عن مسؤول في شركة توزيع المنتجات النفطية في نينوى، قوله أن هناك عجزا كبيرا في خزين مادة النفط الأبيض، مبيّنا أن الكميات المتوفرة حالياً في المحافظة لا تغطي سوى جزء يسير من الاحتياج الفعلي للأهالي مع اقتراب موسم الشتاء.
وأوضح المسؤول الذي حجبت وكالة الأنباء اسمه، أن الكمية المتوفرة في مستودعات نينوى لا تتجاوز 30 مليون لتر، في حين تُسجل المحافظة نحو 850 ألف عائلة، بحسب بيانات البطاقة التموينية.
وأشار إلى انه "في حال منح كل عائلة 100 لتر كحصة أولى، فإن المحافظة تحتاج إلى 85 مليون لتر، بينما يتطلب الموسم الشتوي عادة تجهيز ما بين 3 إلى 4 حصص لكل عائلة، بواقع 100 لتر لكل حصة، وهو ما يجعل الخزين الحالي البالغ 30 مليون لتر عاجزاً عن تلبية احتياج حتى ربع السكان للدفعة الأولى وحدها".
يأتي ذلك في وقت تتصاعد فيه شكاوى مواطنين في الموصل وعموم مدن نينوى من تأخر توزيع مادة النفط الأبيض لهذا العام، مع بدء الانخفاض التدريجي في درجات الحرارة واقتراب فصل الشتاء، معربين عن مخاوفهم من تكرار أزمات التدفئة وطوابير الانتظار، ومطالبين وزارة النفط بضخ كميات كافية من هذه المادة قبل اشتداد موجات البرد.
*******************************
اگول.. حين يصبح العلاج.. عبئاً على المريض
عامر عبود الشيخ علي
عندما يمرض المواطن لا بد أن ينطلق في رحلة شاقة بحثا عن العلاج، بدءا من العيادات الخاصة وفحوصاتها المكلفة، مرورا بالأدوية مجهولة المنشأ وغير الفعّالة، وليس انتهاء عند أبواب المستشفيات الحكومية وإجراءاتها المعقدة. وبين ارتفاع أسعار الطبابة في القطاع الخاص وتواضع الخدمات في بعض المؤسسات الحكومية، يجد المريض نفسه أمام معادلة قاسية، إما أن يدفع مبالغ كبيرة، أو ينتظر خدمة قد لا تتوفر في الوقت المناسب.
قبل ايام أصيب احد افراد عائلتي بآلام في القلب. وبعد مراجعات متكررة للأطباء وإجراء فحوصات الإيكو والجهد مقابل مبالغ كبيرة، طلب أحد الأطباء إجراء فحص CT Scan تشخيصي للقلب تمهيدا للقسطرة.
اتصلنا بأحد المراكز الخاصة في الحارثية، ففوجئنا بأن كلفة الفحص تبلغ 300 ألف دينار. ولأننا علمنا بوجود هذا الفحص في مستشفى ابن البيطار، توجهنا إليه مباشرة، رغم ان هذا اليوم كان عطلة رسمية، فحالة المريض لا تتحمل الانتظار.
في المستشفى، أخبرونا بأن إجراء الفحص يتطلب تحويل من مستشفى آخر أو من طبيب خاص يعمل في المستشفى، أو من الاستشارية، وهي جميعاً غير متاحة في يوم العطلة!
أتساءل: هل يفترض بالمريض أن يؤجل حاجته الطبية حتى انتهاء العطلة؟ وهل يعقل أن تتوافر أجهزة التشخيص في المستشفى الحكومي، فيما يضطر المريض إلى دفع مئات الآلاف في القطاع الخاص للحصول على الفحص نفسه؟!
إن تطوير النظام الصحي لا يكون ببناء المستشفيات فقط، بل بتوفير الأجهزة الطبية وتشغيلها بكفاءة، وضمان وجود خدمات تشخيصية وعلاجية حتى في أيام العطل، وتبسيط إجراءات الإحالة، وتفعيل الضمان الصحي بصورة حقيقية لتخفيف كلف العلاج عن المواطن.
اكول: لا بد أن يجد المريض في المستشفى الحكومي ملاذا آمنا متاحا، لا أبوابا مغلقة وإجراءات معقدة!
*********************************
مواساة
• تعزي اللجنة المحلية للحزب الشيوعي العراقي في بابل عائلة الشخصية الوطنية نعمة الحاج موسى الخفاجي، بوفاة ابنه نديم، وهو شقيق كل من سامي وباسم وحازم وظافر ووسيم والدكتور ليث.
له الذكر الطيب ولأسرته خالص العزاء والمواساة.
كما تعزي المحلية الرفيق سامي عبد علي الربيعي (ابو رفيف)، بوفاة ابن عمه العميد المتقاعد محمد رزاق الربيعي، بعد معاناة مع المرض.
للفقيد الذكر الطيب ولأسرته الصبر والسلوان.
وتعزي المحلية أيضا عائلة الرفيق مرزة موسى نافل، بوفاته إثر مرض عضال.
له الذكر الطيب ولعائلته ورفاقه خالص العزاء.
• تعزي اللجنة الاساسية للحزب الشيوعي العراقي في قضاء الحي/ اللجنة المحلية في واسط، الرفيق سالم كاظم العطار، بوفاة زوج شقيقته كريم عبد الحسن علي العقابي.
له الذكر العطر ولأسرته الصبر والسلوان.
• تنعى اللجنة الأساسية للحزب الشيوعي العراقي في بلدروز ومعها اللجنة المحلية في ديالى، الرفيق المخضرم حسن خالد خميس العميري (أبو فرات)، الذي توفي اثر وعكة صحية.
له الذكر الطيب ولأهله ورفاقه الصبر والسلوان.
• تعزي اللجنة المحلية للحزب الشيوعي العراقي في الرصافة الأولى الرفيق كاكا عمر (ابو صلاح)، بوفاة عقيلته بيروز حمه علي خور، والدة كل من فلاح وصلاح وآرام.
لها الذكر الطيب، وللرفيق كاكا عمر وعائلته الصبر والسلوان.
• تُعزي رفيقات ورفاق منظمة الحزب الشيوعي العراقي في هولندا وبلجيكا، الرفيقة العزيزة بشرى، بوفاة شقيقها علاء الحكيم، فجر أول أمس الجمعة في السويد، بعد معاناة مع المرض الخبيث.
للفقيد الذكر العطر دوما، ولعائلته الكريمة خالص التعازي والمواساة.
**********************************
الصفحة السادسة
مقررة حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة تحذر من تقطيع أوصال الضفة
الأنظمة الغربية تواصل مضايقة المتضامنين مع الفلسطينيين
متابعة – طريق الشعب
تتصاعد يوماً بعد آخر سياسات التضييق على المناصرين والمتضامنين للشعب الفلسطيني، في وقت تشدد سلطات الاحتلال حصارها على الغذاء والماء والدواء، وتواصل منع وصول المساعدات الى قطاع غزة المنكوب.
كما تزداد اعتداءات المستوطنين على المواطنين الفلسطينيين، فقد شهدت مناطق عدة في الضفة الغربية المحتلة اعتداءات إسرائيلية متصاعدة من قِبل قوات الاحتلال والمستوطنين، شملت استهداف المزارعين الفلسطينيين خلال موسم قطاف الزيتون، واقتحامات واسعة وعمليات احتجاز جماعية للمواطنين واعتقالات.
يأتي ذلك وسط تصاعد موجة التضامن مع الشعب الفلسطيني والمطالبات الواسعة بإنهاء الاحتلال وإقرار حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة كاملة السيادة
محاكمة ناشطين في المانيا
وفي سياق حملة التضامن مع الشعب الفلسطيني، وجهود الدول الداعمة للاحتلال تأتي محاكمة خمسة ناشطين متضامنين مع الفلسطينيين، المعروفين باسم أولم 5، مراحلها المتقدمة أمام محكمة شتوتغارت-شتامهايم في ألمانيا، وسط جدل بشأن طبيعة الاتهامات الموجهة إليهم وظروف احتجازهم، وما إذا كانت الإجراءات القضائية والأمنية المتخذة بحقهم تتناسب مع الأفعال المنسوبة إليهم.
وتعود قضية المتضامنين الى أيلول 2025 عندما دخلوا الى شركة إلبيت سيستمز الإسرائيلية لصناعة الأسلحة في مدينة أولم، وألحقوا أضرارا بممتلكات ومعدات داخل الموقع. ولم يسفر الحادث عن إصابات، فيما بقي الناشطون في المكان إلى حين وصول الشرطة وتسليم أنفسهم لها.
ويواجه المتضامنين تهم الإضرار بالممتلكات والتعدي على الموقع فضلاً عن تهمة الانتماء إلى منظمة إجرامية بموجب المادة 129 من قانون العقوبات الألماني، وذلك وفقاً لمصادر متنوعة.
وبحسب بيانات القضية، احتجز المتهمون احتياطيا، ووضعوا في سجون منفصلة. وتقول منظمات حقوقية وهيئات داعمة لهم إن ظروف احتجازهم شملت الحبس لفترات طويلة داخل الزنازين وقيودا على الزيارات والاتصالات.
رفض دعوى ضد مناصرين لفلسطين
كما رفضت قاضية أمريكية دعوى قضائية رفعتها إدارة الرئيس الامريكي دونالد ترامب، العام الماضي ضد منظمات ومحتجين مناصرين للفلسطينيين، مستخدمة بذلك قانون يستخدم عادة ضد من يمنعون الوصول إلى عيادات الإجهاض.
في أيلول 2025، رفعت وزارة العدل دعوى قضائية ضد نشطاء مناصرين للفلسطينيين اتهمتهم بتخويف المشاركين خلال مظاهرة جرت في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 احتجاجا على فعالية أقيمت في كنيس يهودي بنيوجيرزي.
وقالت القاضية الاتحادية كاثرين هايدن في ولاية نيوجيرزي إن "الشكوى التي قدمتها الحكومة لم تثبت بشكل كاف وجود انتهاكات للقانون". ورفضت الدعوى دون المساس بحقوق الأطراف، مشيرة إلى أنه يمكن للحكومة تقديم شكوى معدلة في غضون 30 يوما.
وذكرت الدعوى القضائية أن المظاهرة تصاعدت لتتحول إلى أعمال عنف، زاعمة أن المتظاهرين اعتدوا جسديا على بعض المصلين ورددوا هتافات واستخدموا أبواقا بلاستيكية يستخدمها مشجعو كرة القدم لتعطيل الفعالية.
ويقول المتظاهرون إن انتقادهم للهجمات الإسرائيلية على غزة واحتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية لا يرقى إلى مستوى معاداة السامية، وإن دفاعهم عن حقوق الفلسطينيين لا ينبغي أن يساوى بدعم التطرف.
تقطيع أوصال الضفة الغربية
وفي سياق التضامن، تواصل الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي، تضامنها مع الشعب الفلسطيني ايضاً، وذكر في بيان جديد، أن "شبكة الحواجز العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة تقطع أوصال الأراضي الفلسطينية وتزيد من صعوبة الحياة اليومية للفلسطينيين". وحذرت من تداعيات القيود المتزايدة على حركة الفلسطينيين وتنقلهم.
وأضافت أن "منظومة الحواجز والبوابات الحديدية وقيود الحركة تعمل على تفتيت الجغرافيا الفلسطينية”، مبينة أن "هذا الواقع يكرس نظام سيطرة تعسفياً سلب الفلسطينيين أوقاتهم ومصادر رزقهم وحقهم في التعليم، بل وحتى أرواحهم".
وأردفت، "أصبحت كل رحلة أو موعد أو زيارة عائلية مرهونة بفتح بوابة أو بسماح جندي بالمرور"، مبينة أن هذا التعسف "تحول إلى شكل من أشكال التعذيب".
وأشارت ألبانيزي إلى أن الأرقام وحدها لا تعكس حجم المعاناة الناجمة عن هذه المنظومة، موضحة أنها "تسرق من حياة الناس ساعات وأياماً، وتفرق بين العائلات، وتحرم الطلاب من التعليم والعمال من أرزاقهم، وتمنع وصول المرضى إلى الرعاية الصحية الحيوية".
وبحسب بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) سُجل حتى كانون الأول 2025 نحو 925 حاجزاً وعائقاً تقيد حركة نحو 3.4 ملايين فلسطيني في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية.
*****************************
برنامج الأغذية العالمي: الجوع في اليمن يتفاقم
صنعاء – وكالات
تشهد اليمن تصعيدا عسكريا متسارعا، تتركز حدته في محافظة تعز جنوب غربي البلاد، بالتزامن مع غارات جوية على مواقع تابعة لجماعة أنصار الله في مناطق عدة، وتبادل القصف على جبهات مختلفة.
وأعلن وزير الخارجية الباكستاني عقد اجتماعاً طارئاً سيعقد الأسبوع المقبل في الرياض للجنة الدفاع السياسي الاستراتيجي، بموجب اتفاقية مكة المبرمة بين باكستان وتركيا والسعودية، لبحث هجمات الحوثيين على السعودية.
وقال الوزير الباكستاني إن اجتماع الرياض سيبحث الانخراط السياسي مع الحوثيين بدلا من العمل العسكري.
في السياق، نقلت وكالة رويترز عن مسؤولون إقليميون وغربيون بأن "السعودية تخطط لشن هجوم على مسلحي الحركة اليمنية حيث يجري النظر في خيارات تشمل عملية على الساحل لتأمين ممر الملاحة في البحر الأحمر أو شن هجوم على جبهات متعددة".
وأفاد ستة أشخاص على دراية بالتحضيرات للعملية المتوقع أن تنطلق في الأسابيع المقبلة، بأن القوات اليمنية التي تشرف عليها الرياض ستقود العملية على الأرض بدعم من غارات جوية سعودية.
وفي شان متصل نقل موقع أكسيوس الأميركي عن مسؤولين أميركيين قولهم إن كبار مسؤولي إدارة دونالد ترامب اجتمعوا سراً لساعات في كامب ديفيد يوم الجمعة لمناقشة الخطوات التالية المتعلقة بالحرب مع إيران والصراع بين السعودية والحوثيين في اليمن. ولم تعلن إدارة ترامب انعقاد هذا الاجتماع غير المعتاد على الإطلاق، وكانت آخر مرة عُقد فيها اجتماع مماثل في حزيران 2025، قبل أيام فقط من شنّ إسرائيل حرباً على إيران. وترأس نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس الاجتماع، وفقاً لما ذكره المسؤولون.
وبشأن تداعيات الحرب الجارية في اليمن، حذّر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، من أن استمرار المعارك يهدد بانهيار الأمن الغذائي بالكامل في البلاد.
وحث البرنامج المجتمع الدولي على تكثيف جهوده لتجنب مستقبل قاتم في حال استمرار الأوضاع في هذا الاتجاه، حيث قال المدير التنفيذي المساعد لعمليات البرامج في برنامج الأغذية العالمي ماثيو هولينغوورث "الجوع في اليمن يتفاقم اليوم أمام أعيننا".
وتابع "نعمل على توسيع نطاق عملياتنا، لكن مواردنا محدودة للغاية ونجد صعوبة في الوصول إلى بعض المناطق"، محذرا من أن "الأزمة قد تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من حدود اليمن".
ولفت هولينغوورث إلى أنهم مُنعوا من الوصول إلى نحو 350 ألف شخص كانوا يقدمون لهم المساعدات، مؤكدا "من دون تمويل إضافي، سنستنفد، في غضون أسابيع قليلة، مخزوننا وأموالنا المخصصة لمساعدة النازحين الجدد وملايين الأشخاص الذين يعد برنامج الأغذية العالمي بمثابة شريان حياة لهم".
وأضاف "إذا لم يتحرك العالم بسرعة لمساعدة اليمن، فسيكون المستقبل قاتما للغاية".
وفي تطورات الحرب أفادت مصادر عسكرية وإعلامية باندلاع مواجهات عنيفة في جبهات جبل هان وبني بكاري وجبل حبشي، فيما أعلنت القوات الحكومية تنفيذ ضربات جوية استهدفت مواقع وتحركات وتعزيزات للحوثيين في تعز، بينها جبهات حيفان وراسن وسامع. وقالت القوات الحكومية إنها أحبطت محاولات للحوثيين لتحقيق تقدم ميداني في عدد من المحاور.
*******************************
انتخابات البرازيل: المنافسة تحتدم بين اليسار واليمين
برازيليا – وكالات
تجري هذا اليوم الاحد، الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية البرازيلية، إضافة الى انتخاب حكام الولايات ومجلس النواب ونصف أعضاء مجلس الشيوخ.
ورغم وجود 13 مرشحا في السباق الرئاسي، تتركز المنافسة على قطبين وهما الرئيس الحالي اليساري لولا دا سيلفا، والسيناتور اليميني فلافيو بولسونارو، وهو نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو المحكوم بتهم فساد والانقلاب على سيلفا، وذلك بعد حملة انتخابية شرسة اتسمت بتبادل الاتهامات بين المعسكرين، ما أبقى شريحة من الناخبين مترددة في حسم خياراتها.
ويتقدم لولا بفارق طفيف عن بولسونارو في استطلاعات الرأي، لكن يبدو أن المنافسة ستكون محتدمة بين المرشحين الأوفر حظاً في حال إجراء جولة ثانية من الانتخابات في 25 أكتوبر (تشرين الأول).
*******************************
5.8 ملايين طفل لاجئ خارج مقاعد الدراسة
نيويورك - وكالات
قال المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برهم صالح، ان "نحو 5.8 ملايين طفل لاجئ حُرموا من الالتحاق بالمدارس خلال عام 2025"، وحذر من أن "تقليص التمويل يهدد بتفاقم هذه الأزمة"
وأكدت المنظمة ان " 44 في المائة من إجمالي 13.1 مليون طفل لاجئ في سن الدراسة حول العالم كانوا خارج منظومة التعليم العام الماضي".
وقال صالح: "إن التعليم ليس مجرد وسيلة حماية، بل هو مسارٌ نحو اقتناص الفرص وتحقيق الاعتماد على الذات."
وحذر من أنه "في ظل الضغوط الجسيمة التي تواجه تمويل العمليات الإنسانية والتنموية، فإن تقليص المخصصات المالية للتعليم يهدد بإهدار عقود من الاستثمار الجماعي، وإغلاق آفاق المستقبل أمام جيل كامل من الشباب."
***********************************
السويد.. إعادة تكليف أندرسون بتشكيل الحكومة
ستوكهولم - وكالات
أعاد رئيس البرلمان السويدي أندرياس نورلين، تكليف رئيسية الحزب الاشتراكي الديمقراطي ماغدالينا أندرسون بمهمة تشكيل حكومة، بعد نحو ثلاثة أسابيع من الانتخابات التشريعية التي فاز بها تكتل اليسار بفارق ضئيل.
وقال نورلين: قررت تكليف ماغدالينا أندرسون، بمهمة استئناف مشاوراتها الاستكشافية لتشكيل حكومة جديدة، وذلك بعد إعلانها الاثنين الفائت الفشل في تأليف حكومة تضم احزاب اليسار والبيئة والوسط.
وكان معسكر اليمين بزعامة رئيس الوزراء المنتهية ولايته أولف كريسترسون والذي ضم تكتله حزب ديمقراطيو السويد المناهض للهجرة، خسر الانتخابات أمام تكتل اليسار المكون من أربعة أحزاب، بفارق ضئيل (176 مقابل 173 مقعداً).
*************************************
طلاب الثانويات الفرنسية يحتجون على تهالك البنية التحتية في المدارس
متابعة – طريق الشعب
منذ عدة أيام تشهد عدة مدن فرنسية، احتجاجات طلبة الثانوية على تهالك البنية التحتية بالمدارس ونقص الموارد وصعوبة الاختبارات.
وكان وزير التعليم الفرنسي إدوار جيفريه قد أكد في تصريح لإذاعة "آر تي إل"، الأربعاء الفائت، أن العشرات أصيبوا منذ اندلاع الاحتجاجات الطلابية. وقال وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إن السلطات اعتقلت 600 طالب معظمهم من القصر، على خلفية هذه الاحتجاجات..
ونقلت وسائل الاعلام مباشرة صورا تظهر إطلاق قنابل غاز مع كر وفر بين قوات الشرطة والمحتجين الذين كانوا يلقون زجاجات فارغة على أفراد الشرطة ويحاولون تحطيم أبواب أحد المباني في مدينة تولوز جنوب غرب البلاد، وصورا أخرى لتجمعات أمام بعض المدارس ومسيرات في الشوارع. ونقلت صورا لمناوشات بين الشرطة والمحتجين في مدينة سان دوني شمالي العاصمة.
وأظهرت لقطات -بثتها قنوات فرنسية- صفوفا من رجال الشرطة في مدينة ليون وطلابا يقفون خارج مدارسهم في مدينتي ليل، وسان دوني، حيث أضرم محتجون النار في صناديق قمامة ومواد أخرى في ليل وليون.
تزامن
وتزامنت احتجاجات الطلاب مع إضراب أوسع نطاقا في القطاع العام دعت إليه النقابات. وقال جيفريه إن 76 شخصا أصيبوا من الطلاب ورجال الشرطة..
وأصبحت المظاهرات وعمليات الإغلاق بؤرة توتر سياسي في لحظة حساسة تمر بها فرنسا. ويأتي ذلك على نتيجة لقيام باعتماد تخفيضات كبيرة في التخصيصات في ميزانية العام المقبل، بحجة تخفيف الضغط على المالية العامة.
ونقلت الوكالة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن إنفاق فرنسا على التعليم الابتدائي والثانوي يمثل معدل لمجموع ما تنفقه الدول الأعضاء، وأنه ارتفع في الفترة بين عامي 2015 و2022، ثم عاد لينخفض.
في حين قال الطلية المحتجين أن الصفوف الدراسية مكتظة وهناك نقص في عدد المعلمين المطلوب. واتهم الرد الحكومي الطلبة المحتجين باللامسوؤلية، لكن الصعوبات في المدارس الثانوية يجب أن يتم الاعتراف بوجودها ومعالجتها.
تدهور الوضع التعليمي
معروف أن وضع التعليم في فرنسا يتدهور منذ سنوات. وقد سرَّعت الحكومات المتعاقبة ومختلف الوزراء، عملية تدمير نظام التعليم. أصبح نقص الموارد أمراً لا يطاق بشكل متزايد. عندما لا توجد مقاعد كافية، وعندما تنهار الأسقف، وتنتشر الفئران، ولا يوجد عدد كافٍ من المدرسين والموظفين، ويدرك الطلبة هذا الوضع السيء جيدا. ولهذا السبب يتحركون ويغلقون مدارسهم الثانوية: للمطالبة بظروف تعليم لائقة.
حكومة ترد بالقمع
لقد رفضت الحكومة بالممارسة محاولة تفهم المطالب الطلابية. وكان رد وزارة التعليم الوحيد، فتحُ منصة للتشاور، قبل أن يُترك الدور الرئيسي لوزير الداخلية لنونييز، الذي لم يكن لديه رد سوى إرسال الشرطة لقمع طلاب المدارس الثانوية المنتفضين. وسبق له أن اكتسب خبرة في هذا المجال خلال مواجهة الحركة الاحتجاجية ضد "اصلاح" المعاشات التقاعدية عندما كان محافظًا لباريس!
لقد تم إطلاق قنابل مسيلة للدموع وطلقات مطاطية على الرأس، واستخدام الغازات، والضرب المبرح، ومئات حالات الاحتجاز: هذا المستوى المروع من العنف ضد أطفال ومراهقين يجب ألا يمر دون عقاب. أصيب طفل بكسر في الفم، وآخر بفقد إحدى عينيه، وغير معروف إلى ماذا ستنتهي الأمور؟
لحسن الحظ، لم يرهب القمع طلاب المدارس الثانوية وطالباتها، الذين يواصلون حركتهم بل ويوسعون نطاقها، بدعم من أعضاء هيئة التدريس وآباء التلاميذ الذي ينظمون أنفسهم للدفاع عنهم. وحتى اليوم، لا تزال مئات المدارس الثانوية مغلقة، والحركة تتجذر وباتت تنتشر في بعض الجامعات.
تضامن
تتكاثر دعوات لتوسيع نطاق الحركة بين الطلاب والطالبات الجامعيين. وأكد طلاب الجامعة على ضرورة الدعم الكامل لاحتجاجات طلاب الثانويات، ودعوا جميع القوى الاجتماعية والسياسية إلى دعم تحرك طلاب المدارس الثانوية معًا، والانطلاق سريعًا إلى الشوارع للتظاهر ضد القمع وعنف الشرطة. وقد تم تحديد يوم 6 تشرين الأول موعدًا مشتركًا بين النقابات، وشددوا على ضرورة ان يكون التحرك جماهيريًا! لان المطالب والاحتجاجات مشروعة. أما الر الحكومي فغير مشروع.
لقد واصل مشروع الميزانية للعام المقبل تدمير الخدمات العامة، بما في ذلك التعليم. بل إنه أعلن للتو عن فرض رسوم تسجيل على بعض المسارات الدراسية التي كانت مجانية حتى الآن، بالإضافة إلى خفض عدد الموظفين العموميين وتجميد إعانات السكن، وهذا يمثل استفزازا حقيقيا.
******************************
الصفحة السابعة
قراءة في مسودة وثيقة برنامج الحزب الشيوعي العراقي
حسين سميسم
طالعتنا طريق الشعب ببرنامج الحزب للمؤتمر الثاني عشر مرفقا بطلب إلى أصدقاء الحزب ومناصريه في المشاركة في هذه المناقشة، وأرجو ان تكون المناقشة علنية لكي يشترك بها أكبر قدر ممكن من بنات وابناء شعبنا وتشجيع المساهمة . وقد وردتني بعض المقترحات أدرجها كما يلي:
24. الالتزام الكامل بالنظام الفيدرالي المنصوص عليه في الدستور، وتعزيز صلاحيات إقليم كردستان ضمن الإطار الاتحادي، مع ضمان الحقوق القومية والثقافية والإدارية واللغوية للتركمان والكلدان والسريان والآشوريين والأرمن والإيزيديين والصابئة المندائيين وغيرهم من المكونات، وصيانة التنوع القومي والديني والثقافي، وحماية حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية، وإنهاء جميع أشكال التمييز على أساس قومي أو ديني أو مذهبي، من خلال تشريعات وآليات تنفيذية فعالة تضمن التمثيل العادل في المؤسسات الاتحادية والإقليمية والمحلية.
25. إنصاف ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان عبر تفعيل القضاء المستقل والهيئات المتخصصة، ومحاسبة مرتكبي جرائم القتل والتعذيب والإخفاء القسري وفق القانون، وتقديم تعويضات عادلة وفعالة للضحايا وذويهم، وفي مقدمتهم شهداء وجرحى انتفاضة تشرين ومسارات العدالة الانتقالية الأخرى، مع ضمان عدم الإفلات من العقاب وربط التعويض بإصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية.
26. معالجة آثار سياسات التطهير العرقي والتغيير الديموغرافي والتهجير القسري من خلال حوار وطني شامل يؤدي إلى إعادة صياغة أو تحديث آليات المادة 140 دستورياً وقانونياً، بحيث تصبح قابلة للتنفيذ عملياً خلال مدة زمنية محددة، مع مراعاة الواقع الديموغرافي والأمني الحالي، وضمان حقوق جميع المكونات في المناطق المتنازع عليها عبر:
تشكيل لجنة فنية - سياسية مشتركة (اتحادية + إقليم كردستان + ممثلو المكونات المحلية) لتقييم الوضع الحالي واقتراح حلول مرحلية.
اعتماد آليات إدارية مؤقتة مشتركة في المناطق المتنازع عليها (مثل الإدارات المشتركة أو المجالس المحلية متعددة المكونات) إلى حين التوصل إلى حل نهائي.
تنفيذ برامج عودة طوعية آمنة للمهجرين وإعادة إعمار المناطق المتضررة، مع أولوية خاصة لضحايا الإبادة الجماعية والإرهاب (وخاصة الإيزيديين)، وربط ذلك بتعويضات وإعادة تأهيل مجتمعي.
ضمان أي استفتاء أو تعداد سكاني مستقبلي يتم وفق معايير دولية محايدة وبعد تهيئة الظروف الأمنية والديموغرافية المناسبة، وضمن إطار الحفاظ على وحدة العراق الفيدرالي.
27.على الرغم من استعادة العراق سيادته الرسمية، فإن سيادته الوطنية ما تزال تواجه تحديات جدية ناجمة عن استمرار التدخلات الخارجية، والوجود العسكري الأجنبي، وضعف قدرة الدولة على بسط سلطتها الكاملة على الملفات السيادية، فضلاً عن محاولات الانتقاص من حقوق العراق في موارده الطبيعية من خلال سياسات وصيغ تعاقدية مجحفة، كعقود المشاركة في الإنتاج أو الأرباح التي تُطرح للتفاوض من قبل الشركات الأجنبية. ولذلك يتطلب الأمر مراجعة شاملة وإعادة النظر في جميع الاتفاقات والعقود المجحفة المبرمة مع الدول والشركات الأجنبية، بما يضمن استعادة الحقوق السيادية الكاملة وإلغاء أو تعديل أي بند ينتقص من ملكية العراق لثرواته.
28. وانطلاقاً من هذا الواقع، يعمل الحزب من أجل تعزيز السيادة الوطنية الحقيقية عبر حزمة مترابطة من الإجراءات السياسية والاقتصادية، وفي مقدمتها:
29. تعزيز وعي أبناء شعبنا بأن إنهاء منظومة المحاصصة شرط أساسي لاستكمال السيادة الوطنية وصيانة الثروات الطبيعية، وربط هذا الوعي ببرنامج عملي لمراجعة العقود والاتفاقيات المجحفة وإصلاح إدارة الموارد.
30. توحيد طاقات شعبنا وقواه الوطنية والديمقراطية من أجل وضع حد للتدخلات الخارجية، وإنهاء الوجود العسكري الأجنبي، ورفض جميع أشكال الوصاية على القرار الوطني، مع الضغط باتجاه مراجعة وإعادة التفاوض على الاتفاقات الأمنية والاقتصادية التي تمس السيادة.
31. تكريس السيادة الوطنية الكاملة على النفط والغاز والثروات المعدنية، وضمان إدارتها بما يصون ملكيتها العامة ويحقق مصالح الشعب، ورفض أي ترتيبات أو صيغ تعاقدية تنتقص من حقوق العراق السيادية، والعمل على مراجعة شاملة للعقود القائمة وإبرام عقود جديدة وفق معايير الشفافية والمصلحة الوطنية العليا. أضافة مادة للقطاع الخاص.
32. يولي الحزب أهمية خاصة لتنمية القطاع الخاص الوطني المنتج، باعتبار أن ريع النفط والثروات الطبيعية ملك للشعب كله وليس لموظفي الدولة فقط. ولذلك يعمل على تمكين هذا القطاع من أداء دور فاعل في التنمية الاقتصادية، وخلق فرص العمل، والحد من البطالة، وتقليص الاعتماد على الاستيراد، وتوجيه الاستثمار الخاص نحو القطاعات الإنتاجية والخدمية التي يحتاجها المجتمع فعلياً، من خلال توفير بيئة قانونية ومؤسسية محفزة، وتسهيل التمويل، وحماية المنافسة العادلة، وربط الدعم الحكومي بمعايير الإنتاجية والتشغيل والقيمة المضافة الوطنية.
تنظيم العمالة الأجنبية والوطنية بما ينسجم مع متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويكفل حقوق العمال ويمنع استغلالهم.
أ. تنظيم استقدام وتشغيل العمالة الأجنبية وفق احتياجات سوق العمل الفعلية ومتطلبات التنمية، مع ضمان حقوقهم القانونية ومنع أي شكل من أشكال الاستغلال.
ب. تعويض الاعتماد على العمالة الأجنبية تدريجياً من خلال إنشاء معاهد ومراكز تدريب مهني متخصصة، تُعنى بتأهيل الكوادر الوطنية في المجالات التي تشهد نقصاً في العمالة المحلية، وربط مخرجات التدريب باحتياجات سوق العمل.
ج. وضع آليات فعّالة لتنظيم العمالة المنزلية (البيتية)، تشمل إصدار تشريعات واضحة تحدد الحقوق والواجبات، وتفعيل الرقابة والإشراف المباشر من قبل الجهات الحكومية المختصة على عقود العمل وظروف الإقامة والعمل، بما يضمن حماية حقوق العمال وأصحاب العمل على حد سواء.
د. مراجعة قانون الجنسية بما يتوافق مع متطلبات الاستقرار السكاني والتنمية المستدامة، وإيقاف منح الجنسية لمدة عشر سنوات في ظل الزيادة السكانية المتصاعدة، مع إشراف الدولة المباشر على دراسة الحالات الاستثنائية وتحديد الضوابط والمعايير اللازمة لذلك.
يفضل تفصيل المادة ١٠١
لتذكر ماهي المواد التمييزية التي يجب الغائها من التشريعات العراقية ، فيشار لها بالاسم حتى لا تكون الكلمات عائمة ولا يتم تفسيرها جيدا، منها الغاء المادة ١٢٨ / ١ المتعلقة بالباعث الشريف للقتل في قانون العقوبات، والمادة ٤٠٩ المتعلقة بقتل الزوجة لقضايا الشرف، وكذلك الغاء المادة ٤١ المتعلق بحق الزوج بتأديب الزوجة في قانون العقوبات. فالإشارة بالاسم لهذه القوانين مهم جدا ، حتى لا يكون النص عاما.
*********************************
مقترحات لتطوير البرنامج وتجديد الخطاب
زيد حبه
تمنياتي بالنجاح في مؤتمركم والخروج بطريق واضح لانتشال العراق من المستنقع الذي نحن فيه. هناك كلمات قليلة أود ان أشارككم فيها حول الوثيقة.
الحقيقة ان البرنامج المقترح جيد ككلام عام ولكن تعوزه الأرقام خصوصا حول البطالة والاستثمار والصناعة والزراعة والصحة والتعليم والنفط والعلاقة مع كردستان ، وذلك مهم جدا في هذه الأيام لكي يبرز ماهي الأهداف المحددة التي يسعى الحزب اليها، كمثل زيادة الاستثمار في المشاريع المنتجة ب ٢٥ في المائة او تقليص نسبة الأمية ب٥٠ في المائة إلخ.
وعدا عن ذلك فان من المناسب التفكير بتغيير اسم الحزب الشيوعي إلى الحزب الاشتراكي مثلا، والذي يعكس التغير الفعلي في تفكير وتطبيق الأحزاب الشيوعية في الصين وفيتنام الحاكمة الآن ، والأحزاب في اوربا مثل الأحزاب في ألمانيا وإيطاليا على سبيل المثال. والأهم من ذلك هو الاعتراف بان طريق تحقيق المجتمع العادل لا يأتي عن طريق سيطرة الدولة على كل نشاط اقتصادي كبر ام صغر. أنا اعلم ان هذا قرار صعب ولكن الظروف قد تغيرت ومن المهم جذب الجيل الجديد إلى الحزب وتغيير صورة الحزب. مع خالص تمنياتي بنجاحكم في هذه المهمة الصعبة.
*********************************
ملاحظات حول مسودة برنامج الحزب
مزهر بن مدلول
تتضمن مسودة البرنامج الكثير من القضايا المهمة، وتقدم رؤية واسعة لمختلف جوانب الواقع العراقي، إلا إنني اعتقد أن هناك بعض الملاحظات المتعلقة ببنية البرنامج وطبيعته وأولوياته، ومن الضروري أخذها بنظر الاعتبار قبل إقرار الصيغة النهائية.
أولا: حجم البرنامج واتساع أهدافه
تتميز المسودة بالشمول واتساع نطاق القضايا التي تتناولها، إلا أن كثرة المحاور والأهداف والتفاصيل تجعلها أقرب في بعض عناوينها، إلى برنامج حكومي شامل، او تصور متكامل لإدارة الدولة والمجتمع، منها إلى برنامج سياسي لحزب يناضل من موقع المعارضة ويسعى إلى التغيير.
أرى من المهم هنا، أن يجري التمييز بين الأهداف الاستراتيجية البعيدة للحزب، وبين ما يطرحه كبرنامج للعمل في المرحلة الراهنة. كما ان اتساع الالتزامات الواردة في البرنامج ينبغي ان يتناسب مع الموقع السياسي والتنظيمي الفعلي للحزب وقدرته على التأثير والتنفيذ، سواء بصورة منفردة أو من خلال التحالفات.
ثانيا: غياب ترتيب واضح للأولويات
رغم أن المسودة تحدد عددا من القضايا المهمة، فأنها لا تقدم بالوضوح الكافي، ترتيبا واضحا للأولويات التي يرى الحزب أن المرحلة الراهنة تتطلب التركيز عليها. فمعالجة المحاصصة، ومكافحة الفساد، واستعادة سيادة الدولة، وإصلاح النظام السياسي، وبناء الاقتصاد المنتج، وتحسين الخدمات، وحماية الحقوق والحريات، وغيرها، تظهر جميعها باعتبارها قضايا أساسية، من دون تحديد واضح لما هو عاجل وما هو متوسط المدى وما هو استراتيجي. لذلك، من المهم تحديد عدد من الأولويات المركزية للمرحلة، وان يوضح العلاقة بينها وما يمكن تحقيقه تدريجيا، بدءا من القضايا الأكثر إلحاحا والأكثر قابلية للتحقيق، وصولا إلى القضايا التي تتطلب تحولا أعمق وأطول زمنا.
ثالثا: ضرورة التمييز بين مراحل العمل السياسي
أقترح إعادة تنظيم البرنامج على أساس التمييز بين ثلاث دوائر مترابطة:
أ: تشخيص الواقع العراقي
وطبيعة المرحلة
يشمل ذلك تقديم صورة مركزة عن طبيعة النظام السياسي والاقتصادي القائم، وأسباب الأزمة، وأبرز التناقضات والمشكلات التي تواجه البلاد، والقوى الاجتماعية والسياسية المؤثرة فيها، وصولا إلى تحديد المهمة الأساسية للمرحلة.
بـ: برنامج الحزب في موقع المعارضة
وهذا ينبغي أن يكون الجزء الأكثر ارتباطا بالمرحلة الراهنة، وأن يجيب بوضوح عن سؤال: ماذا يريد الحزب أن يحقق، وماذا يستطيع أن يفعل من موقع المعارضة؟ وما هي الآليات المتاحة لذلك؟
يتضمن ذلك تحديد أولويات النضال السياسي والجماهيري، وبناء التحالفات، ودعم الاحتجاجات والتحريض على الحراك الشعبي، وفضح نظام المحاصصة والفساد، والدفاع عن مصالح العمال وسائر الفئات الاجتماعية، وتوسيع قاعدة القوى الراغبة في التغيير.....الخ.
جـ: برنامج الحزب في حال المشاركة في السلطة
اما السياسات المتعلقة بإدارة الدولة وإعادة بناء الاقتصاد والخدمات والتعليم والصحة والإسكان والطاقة والصناعة والزراعة وغيرها، فيمكن أن تندرج في قسم خاص يوضح ما سيسعى الحزب وحلفاؤه إلى تنفيذه في حال الوصول إلى موقع يسمح لهم باتخاذ القرار والمشاركة في ادارة الدولة.
وبذلك يصبح واضحا الفرق بين ما يطالب الحزب بتحقيقه من موقع المعارضة، وما يستطيع السعي إلى تنفيذه عندما يمتلك أدوات السلطة والتشريع والتنفيذ.
رابعا: تحديد الأفق الاستراتيجي للحزب
إلى جانب المستويات الثلاثة السابقة، من المهم الحفاظ على الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى للحزب، وفي مقدمتها التوجه الاشتراكي، ولكن من الأفضل فصلها بوضوح عن برنامج العمل في المرحلة الراهنة.
****************************
حول مشروع برنامج الحزب لمؤتمره 12
عبد اللطيف السعدي
من الناحية المنطقية والعقلانية فإن أي برنامج يغطي مرحلة تأريخية تحتمل المتغيرات المتوقعة وغير المتوقعة، يُفترض أن يكون مركّزا في جُمله وفقراته، مُبسّطا لكونه يُطرح لعامة الناس وللجماهير المعنية به والتي جاءت نصوص البرنامج للتعبير عن مصالحها وتطلعاتها وليس لطرح أفكار نظرية عامة.
أعتقد أن المشروع حاول الاقتراب من هذا المبدأ عموما، وعلى أسس قراءات وتحليلات تستند إلى المنهج الماركسي الجدلي.
وبعد قراءة متمعنة وأنا أحاول أن أتفهم وأن أكون في موقع كاتب أو كُتّاب المشروع، وجدت بعض الملاحظات، أطرحها هنا ببساطة ودون صياغات او تعقيدات فكرية أو لغوية:
1. في الفقرة رقم (1) من ديباجة المسودة يأتي النص التالي: "يطرح الحزب برنامجه في مرحلة تأريخية .... الخ". أرى إضافة فقرة بعد "النظام الدولي"، كالتالي: "وفي مرحلة تشهد بلادنا فيها ظروفا وأوضاعا معقدة وصعبة بسبب استمرار نظام المحاصصات المتشابكة ٱلياتها وممارساتها مع مصالح وأهداف فئوية ضيقة، وإقليمية ودولية، بما يهدد سيادة الوطن، ويضعف أبعاد ومعاني الدولة المستقلة".
2. في الفقرة (3) من نفس الديباجة، جاء "ويسترشد الحزب في كفاحه ... بالفكر الماركسي ...". أضيف هنا، من باب الدقة، ما يلي: "ومنهجه المادي الديالكتيكي".
كما أعيد التأكيد على ما أراه خطأ ما جاء في مسودة النظام الداخلي، في إيراد عبارة "والحضارة العربية الإسلامية"، وكأننا نجزم بتوصيف الحضارات العربية وكأنها كلها إسلامية. وأرى أن الأصح هو عبارة "العربية والإسلامية". فمن المعروف تأريخيا أن هنالك الكثير من الحضارات لا علاقة لها بمراحل ظهور وتطور الاسلام ...!!!.
3. وأدعو أخيرا إلى وضع فقرة واضحة وشاملة لمواقفنا من موضوعة الايكولوجيا (البيئة). واقع تمظهرها في بلادنا وتوجه الحزب لمعالجتها، ومن بين أهمها التلوث البيئي والمائي.
*******************************
نحو تجديد المشروع الوطني الديمقراطي
المؤتمر الحزبي، محطة تنظيمية أم ورشة لإنتاج الفكر؟
يونس متي
تُعقد المؤتمرات الحزبية بصورة دورية بوصفها
أعلى سلطة في الحزب، وهي المناسبة التي تُراجع فيها التجربة، وتُقر السياسات، وتُنتخب الهيئات القيادية. غير أن هذه الوظائف، على أهميتها جميعها، تثير سؤالاً يسبقها: لماذا نعقد المؤتمر؟
قد يُقال إن السبب هو أن النظام الداخلي ينص على عقد المؤتمر بشكل دوري. لكن الالتزام بهذا الإجراء التنظيمي لا يجيب عن السؤال الأهم : ما الغاية من المؤتمر؟ فالمؤتمر ليس استحقاقا زمنيا فقط، بل هو قبل كل شيء لحظة سياسية وفكرية يتوقف فيها الحزب أمام نفسه ليعيد النظر في قراءته للواقع، وفي مدى صلاحية أدواته، وفي قدرته على الاستجابة للتحولات التي يشهدها المجتمع.
إن المجتمع لا يبقى ثابتاً بين مؤتمر وآخر. فالاقتصاد يتغير، والبنية الاجتماعية تتحول، وتظهر أجيال جديدة، وتتبدل وسائل الاتصال، وتتغير أشكال العمل السياسي. وإذا كان الواقع في حركة دائمة، فإن مسؤولية الحزب لا تقتصر على قراءة هذا الواقع عند انعقاد مؤتمره، بل تقتضي أن تكون قراءته ومتابعته عملية مستمرة طوال الفترة بين مؤتمرين، تُمكّنه من فهم التحولات الجارية واستخلاص ما تفرضه من استنتاجات. ويأتي المؤتمر تتويجاً لهذه العملية، لمناقشة تلك الخلاصات وإقرارها وتجديد رؤيته وبرنامجه على ضوئها، لا مناسبة لإعادة إنتاج قراءاته السابقة.
غالباً ما يطغى البعد التنظيمي على البعد الفكري في عمل كثير من الأحزاب. فمع مرور الزمن، وكثرة الانشغال بالمهام اليومية، يتركز الاهتمام على إدارة الشؤون التنظيمية أكثر من مراجعة الأفكار والسياسات. وعندئذٍ قد يصبح الحفاظ على ما هو قائم هدفا بحد ذاته، ويتراجع الحوار الفكري، ويتحول المؤتمر إلى مناسبة لإقرار الوثائق وانتخاب القيادات، أكثر من كونه فرصة لمراجعة التجربة وتجديد الرؤية.
عندها، لا تعود المهمة الأساسية للمؤتمر انتخاب قيادة جديدة فحسب، بل إعادة قراءة الواقع وصياغة رؤية جديدة ذات قدرة أكبر على فهمه. فالقيادة تستطيع تنفيذ السياسات، لكنها لا تستطيع أن تعوض غياب الفكر. أما الرؤية السياسية فلا تتشكل داخل دائرة ضيقة، بل تنضج من خلال حوار واسع يشارك فيه الأعضاء، وتتلاقى فيه الخبرات، وتناقش فيه الأفكار، قبل أن تتحول إلى وثائق يعتمدها المؤتمر.
الوثائق الأساسية ينبغي أن تصل إلى أعضاء الحزب مبكراً، لا بوصفها نصوصا جاهزة للمصادقة، بل مشاريع أولية قابلة للنقد والتعديل والإغناء. فالنقاش الواسع لا يضعف الوثيقة، بل يمنحها قوة أكبر، لأنه يجعلها ثمرة عقل جماعي لا نتاج دائرة ضيقة.
وإذا خرجت الوثيقة النهائية مطابقة للمسودة الأولى، فليس ذلك دليل على أنها أفضل الوثائق، بل قد يكون مؤشرا إلى أن النقاش لم يؤدِ دوره كما ينبغي. أما حين تتطور الوثيقة بفعل الحوار، فتحذف منها أفكار وتضاف إليها أخرى، فإنها تصبح ثمرة جهد جماعي، وتعكس ثقة الحزب بأعضائه، وإيمانه بأن أفضل الأفكار تتبلور بالحوار الحر.
وهذا هو الجوهر الحقيقي للديمقراطية الداخلية. فهي لا تقتصر على انتخاب القيادات أو الالتزام بالإجراءات التنظيمية، بل تقوم على إشراك الأعضاء في مناقشة الأفكار وصياغة السياسات، بحيث يكون المؤتمر تتويجا لحوار بدأ قبل انعقاده بوقت كافٍ، لا بداية لحوار ينتهي بانتهائه.
إن تجديد الحزب لا يبدأ يوم انعقاد المؤتمر، بل يبدأ عندما يصبح التفكير النقدي جزءا من ثقافته اليومية، ويصبح الحوار أسلوبا دائما في مراجعة السياسات وتطويرها، لا نشاطا موسميا تفرضه المواعيد التنظيمية. فالمؤتمر الناجح لا يخلق هذه الثقافة فحسب، وإنما يعكسها ويمنحها الإطار التنظيمي.
والحزب الذي يسعى إلى تغيير المجتمع لا يستطيع أن يدعو إلى التجديد وهو عاجز عن تجديد نفسه. فالديمقراطية الداخلية ليست شعارا، بل ممارسة يومية، والنقد ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه وسيلة للتطوير، لا سبب للخلاف، كما أن بناء المستقبل يتطلب مراجعة مستمرة للأفكار والسياسات في ضوء الواقع المتغير.
لذلك فإن قيمة المؤتمر لا تُقاس فقط بانتخاب قيادة جديدة أو بإقرار الوثائق، بل بقدرته على تجديد الفكر، وتعميق الحوار، وتعزيز قدرة الحزب على فهم المجتمع والاستجابة لتحولاته.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل مؤتمر: ما الذي تعلمه الحزب منذ مؤتمره السابق؟ وما الأفكار الجديدة التي أنتجها؟ وما الذي يحتاج إلى مراجعته وتطويره؟ فالإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تمنح المؤتمر معناه الحقيقي، وتجعله بداية لمرحلة جديدة في حياة الحزب. فالمؤتمر لا يقاس بما ينجزه في أيام انعقاده، بل بما يتركه من أثر في فكر الحزب وسياساته وثقافته التنظيمية خلال السنوات التي تليه.
***************************
الصفحة الثامنة
ستبقى انتفاضة تشرين الخالدة.. محطة بارزة في نضال شعبنا من أجل التغيير الشامل
د. كاظم المقدادي
تحل اليوم الذكرى السابعة لانتفاضة تشرين المجيدة، التي ولدت من رحم الشارع العراقي وهمومه، مجسدة الطيف العراقي الزاهي، بقومياته وأديانه ومذاهبه وشرائحه، ومثلت تعبيراً شعبياً واسعاً عن أزمة النظام السياسي ومنظومة المحاصصة والفساد المهيمنة على مقدرات البلد، وصرخة مدوية لملايين العراقيين والعراقيات بوجه المنظومة السلطوية الجائرة، التي جابهتها بالحديد والنار.
ورغم مرور 7 أعوام كاملة، يواصل حراك تشرين قض مضاجع الطغمة الحاكمة الفاسدة ومليشياتها وبلطجيتها. فبعد أن ظلت تتنصل من جريمة قتل وجرح أكثر من 30 ألف شاب وشابة في ريعان الشباب، من المتظاهرين السلميين، وتصدت لهم قواتها القمعية والمليشياوية، اختلقت «طرفاً ثالثاً» مجهولاً، هو من قام بعمليات القتل، بينما شاهد الملايين كيف كانت تقوم الجحافل المدججة بالسلاح، من قوات الشغب وسوات وبلطجية المليشيات المسلحين الملثمين وبزي أسود، بقتل المتظاهرين السلميين، بالرصاص الحي والقنابل «الدخانية» الغازية السامة والقاتلة، وبكاتم الصوت والطعن بالقامات، وغيرها.
وبما أن حبل الكذب قصير، فقد اعترف، قبل أسبوعين، أحد زعماء «الإطار التنسيقي»، هادي العامري، في كلمة مكتوبة ألقاها خلال اجتماع جماهيري، نقلته قناة «الغدير»، أن «المقاومة المجاهدة» (أي المليشيات) هي من قامت بالقمع الدموي والقتل العمد لثوار تشرين «دفاعاً عن النظام السياسي» إياهم.
وقوبل اعتراف العامري، ونَعْته لانتفاضة تشرين بـ«فتنة تشرين»، ظلماً وعدواناً، بردود فعل قوية.
تساءل أ. فلاح المشعل: أية «مقاومة» هذه التي تقتل ثوار تشرين للحفاظ على نظام اللصوص الأراذل الذين استباحوا البلاد، ونهبوا خيراتها، وأفقروا شعبها؟
أية «مقاومة» تلك التي تدافع عن أفسد نظام سياسي في التاريخ؟!
وكتب أ. حسين العامل: «المقاومة التي تقمع تظاهرات سلمية دعمها الشعب وباركتها المرجعية الدينية، هي مقاومة ليست وطنية!
وعلقت أ. ماجدة الجبوري: «من يحاول تشويه انتفاضة تشرين أو شيطنتها، فما هو إلا الشيطان الأكبر في هذا الوطن».
وجاء في بيان المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي في 4/9/2026: «لقد كانت انتفاضة تشرين تعبيراً شعبياً واسعاً عن أزمة النظام السياسي ومنظومة المحاصصة والفساد، وعن تطلع مئات الآلاف من العراقيين، وفي مقدمتهم الشباب، إلى دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية والسيادة والقانون. وقدم المنتفضون في سبيل هذه المطالب تضحيات جسيمة، وسقط المئات منهم شهداء، وأصيب الآلاف، فيما تعرض ناشطون إلى الاختطاف والاغتيال والملاحقة والترهيب.
إن وصف هذه الانتفاضة الشعبية بـ«الفتنة» يمثل إساءة إلى شهدائها وجرحاها وإلى المطالب المشروعة التي حملها العراقيون إلى ساحات الاحتجاج. ويثير الحديث العلني عن دور جماعات مسلحة في التصدي لها، ووصف هذه الجماعات بـ«المقاومة»، سؤالاً جوهرياً لا يمكن تجاوزه: هل تكون المقاومة في مواجهة أبناء الشعب المطالبين بحقوقهم وحرياتهم؟
ولم يأت نعت تشرين بـ«الفتنة» صدفة، وإنما هو امتداد لنعوت أبواق السلطة لثوار تشرين والافتراء عليهم، ومنها: «جوكرية» و«عملاء سفارات» و«أبناء رفيقات». وبلغت الإساءة حد أن نعت شيخ من إياهم أمهات ثوار تشرين بـ«العاهرات»!!! ولم تتحرك ضده (لجنة المحتوى الهابط) التابعة لوزارة الداخلية.
لكن إساءة الشيخ المشينة لم تمر، إذ رد عليه العشرات من الكتاب. وأقام المئات من العراقيين والعراقيات من جميع المحافظات العراقية المنتفضة دعاوى قضائية ضده. وبانتظار القضاء العادل أن يقول كلمته..
ولكي نفضح كذب وافتراء أبواق المنظومة السلطوية الجائرة، نورد هنا بضعة مؤشرات هامة من دراسة واسعة ستنشر قريباً في كتاب خاص، حيث وثق فريق العمل، بالاستناد إلى العديد من المصادر الموثوقة، الأسماء الكاملة لـ 1132 شهيداً وشهيدة، من جميع المحافظات المنتفضة، مع صور شخصية لما يعادل 62.4 في المائة من مجموع الشهداء. وقدمنا تعريفاً وافياً لكل شهيد وشهيدة، وفق ما توفر لدينا من صور ومعلومات عن كل واحد منهم.
ورتبنا الأسماء حسب الأبجدية، وكل حسب محافظته، أو حسب مكان استشهاده، مع ذكر مكان سكنه أو محل ولادته. وقسمنا أعمار الشهداء إلى فئات عمرية: أقل من 18 عاماً، 18-20 عاماً، 21-25 عاماً، 26-30 عاماً، 31-40 عاماً، وأكبر من 40 عاماً.
وفقاً لنتائج بحثنا، قتل الأوباش 1132 شاباً وشابة من ثوار تشرين، عدا أكثر من 60 شهيداً من مجهولي الهوية، الذين شوهت الأسلحة وجوههم وأجسادهم، تشويهاً كاملاً لم يستطع أحد التعرف عليهم، فقامت وزارة الصحة بدفنهم وفقاً لتعليماتها التي تنص على دفن الجثمان الذي يبقى في مشرحة الطب العدلي ثلاثة أشهر ولم يتعرف عليه أحد.. وعندما طلب محامون من وزارة الصحة صورهم، امتنعت، بذريعة «أسرار دولة».
من مجموع شهداء العراق، ثمة 582 شاباً وشابة من ثوار تشرين استشهدوا في محافظة بغداد، و191 في محافظة ذي قار، و92 في النجف الأشرف، و88 في محافظة البصرة، و48 في محافظة القادسية، و43 في محافظة ميسان، و31 في محافظة كربلاء، و24 في محافظة واسط، و19 في محافظة بابل، و12 في محافظة ديالى، وشهيدان في محافظة القادسية.
وقد مثل عدد الذين استشهدوا في بغداد أكثر من نصف مجموع شهداء تشرين في العراق. وعدا هذا، ثمة 5 شهداء من أبناء بغداد استشهدوا في المحافظات الأخرى (شهيد واحد في النجف وشهيدان في ميسان وشهيدان في البصرة) – أوردنا أسماءهم هناك.
بالمقابل، استشهد 36 شهيداً من أبناء المحافظات الأخرى، الذين شاركوا في حراك تشرين، في ساحات: التحرير، الخلاني، السنك، الوثبة، الطيران، جسر الأحرار، جسر الجمهورية، وساحة وهران بمدينة الثورة/ الصدر. منهم: 7 شهداء من واسط، و7 شهداء من القادسية، و6 شهداء من ديالى، و5 شهداء من بابل، و4 شهداء من ميسان، وشهيدان من البصرة، وشهيدان من كربلاء، وشهيد واحد من كل من: الموصل، وأربيل، وهيت.
وعرفنا محل ولادة/سكن 99 في المائة من مجموع شهداء وشهيدات تشرين في العراق. ولدينا عناوين قبور أكثر من 150 شهيداً، ووضعنا في الكتاب أمثلة من 60 صورة لقبور شهداء تشرين. وأمثلة من 20 صورة لزيارات قامت بها (رابطة تفقد عوائل شهداء انتفاضة تشرين) لعوائل شهداء تشرين، من نحو 300 زيارة تفقدية، وثقتها بالصور وبالفيديوهات.
ووجدنا أن مجموع الشهيدات والشهداء الذين نعرف أعمارهم هم 809 من مجموع شهداء وشهيدات العراق. ويشكل الشهداء الشباب بعمر دون الـ 26 عاماً 540 من مجموع الشهيدات والشهداء الذين نعرف أعمارهم.
وشكلت الفئة العمرية أقل من 18 عاماً: 132 شهيداً وشهيدة، من بينهم صبيان وفتيان دون الـ 14 عاماً، وأطفال بعمر 12 و10 أعوام، وحتى بعمر 4 سنوات، كالطفل أنيس الذي ذبحه الأوباش ورموا جثمانه الطاهر أمام باب بيته انتقاماً لرفض والده الناشط المدني الانسحاب من الحراك التشريني.
وهنا نسأل المفترين: متى أصبح الأطفال والفتيان والصبيان الشهداء: «جوكرية» و«عملاء سفارات»؟!!
واستطراداً، بين بحثنا أن الغالبية من الذين شاركوا بالتظاهرات والاحتجاجات السلمية هم من مناطق سكنية فقيرة، مثل مدينة الثورة/ الصدر، التي قدمت 116 شهيداً وشهيدة.
وثمة أكثر من 200 شهيد يتامى، ومن أسر فقيرة، تركوا الدراسة في المرحلة الابتدائية أو المتوسطة مضطرين للعمل لإعالة عوائلهم. وبينهم صبيان لا تتجاوز أعمارهم الـ 16 عاماً، وأغلبهم عمل كاسباً وعمالة بأجور يومية أو سائق تكتك أو ستوتة.
وعدا هذا، ثمة مئات الشهداء من العاطلين عن العمل في المحافظات، وبضمنهم خريجو كليات. ومن بين الشهداء أساتذة جامعيون وإعلاميون ومهندسون ومحامون وأطباء وشخصيات وطنية واجتماعية، استشهدوا برصاص القوات القمعية لانضمامهم إلى الحراك التشريني السلمي.
ختاماً، إن التشرينيين الأبرار ليسوا فتنة.. الفتنة الحقيقية هي المنظومة السلطوية ونهجها الاستبدادي وتقاعسها طيلة عقدين من الزمن عن تقديم شيء يذكر، يؤمن الحياة الكريمة والمستقبل الأفضل لغالبية المواطنين والمواطنات. لكنها بارعة بامتياز بنهب وإخفاء المليارات من أموال الشعب...
هذه المفارقة المخزية تشكل لطخة عار في جبين المنظومة السلطوية الفاسدة، التي من «بركات» هيمنتها ونهبها للمال العام، دفعت آلاف العوائل إلى أن تعيش تحت خط الفقر، ويضطر أبناؤها الفتيان والصبيان إلى ترك مقاعد الدراسة ليعملوا لإعالة أسرهم، لأن السلطة الفاسدة، التي جاءت باسم المظلومية، لم تؤمن لعوائلهم سبل العيش الكريم. وعندما خرجوا يطالبون بحقوقهم المشروعة، تصدت لهم قواتها القمعية وعناصر مليشيات أحزابها بالقمع الدموي والقتل العمد بدم بارد وبكل استهتار ووحشية.
*********************************
الأول من تشرين الأول
هندي حامد الهيتي
في الأول من تشرين الأول، انطلقت جماهير العراق وهي تريد وطناً، تريد كرامة، وتريد حياة. تريد أن تعيش كما تعيش بقية شعوب العالم.
تردد البعض، وتخوف آخرون، لأن الدعوات والدوافع جاءت في يومها الأول من مجهول. لكن ما إن انقضى ذلك اليوم حتى توحدت الاتجاهات، واضمحلت الأقاويل، وتلاشت الشكوك، وذابت الشبهات، وبرزت إرادة واحدة تريد وطناً وتريد حياة؛ إرادة تسامت مع أحلام الأغلبية، وتوحدت مع أصوات كانت قد انطلقت قبل أعوام. استمرت الجماهير، وتحشدت بقوة يوماً بعد يوم، وتساقطت الدعوات العابرة، وذابت الأهداف الصغيرة، وولدت تشرين.
تمثلت هذه الثورة في طلبة المدارس والجامعات، وفي سائقي التكتك، وعمال المساطر، وجياع الشعب، والعاطلين عن العمل، والباحثين عن مستقبل، والحالمين بوطن يحتضن أحلامهم... بدأت بدعوات قد تكون وراء بعضها مصالح آنية، لكن الجماهير استلمتها وحولتها إلى صوتها... جماهير تريد أن تعيش واقعاً غير هذا الذي تعيشه، وسط التهميش والجوع والظلام والتخلف. استلمتها شبيبة مهمشة، فاقدة لكثير من أحلامها، تبحث عن عالم آخر، عن حياة حرة كريمة، كبقية خلق الله.
انسحب المتخيلون بعد أول زخة رصاص، واختفوا مهزومين كأسيادهم، وبقي المحرومون، أولئك الذين لم يكن لديهم ما يخسرونه سوى جوعهم وتشردهم وعوزهم وعيشهم على الهامش... استمر هؤلاء في ثورتهم، واستمر رفضهم للظلم والجوع، وازدادوا عدداً... ازدادوا إصراراً، وازدادوا إيماناً بأنهم لن يخسروا سوى جوعهم وذلهم ودموع أمهاتهم... استمرت تشرين لأن الذين استلموا رايتها كانوا أهلها وأصحابها الحقيقيين، شعب يعيش على الهامش، يملك كل شيء ولا يتمتع بشيء، يساهم في إنتاج خيرات وطنه ولا يجد من تلك الخيرات إلا فتاتها، يملك قوت وطنه ولم يتذوق من ثماره غير القهر والذل والعوز والمرض.
بعد سنوات، تبقى تشرين في الذاكرة لا بوصفها أياماً مضت، بل بوصفها صوتاً خرج من أعماق العراق وقال:
نريد وطناً، نريد كرامة، ونريد حياة.
تشرين ليست يوماً في التقويم... إنها ذاكرة شعب، وحلم وطن لم ينته بعد.
********************************
سبع سنوات على صرخة {نريد وطن}
نبيل رومايا
قبل سبع سنوات، في الأول من تشرين الأول 2019، خرج شباب عراقيون إلى ساحة التحرير في بغداد وساحات مدن الجنوب، يحملون العلم العراقي ولا شيء سواه. لم تكن لهم قيادة حزبية ولا راية طائفية، بل جملة واحدة اختصرت كل شيء: "نريد وطن".
سبع سنوات ليست زمناً طويلاً في عمر الشعوب، لكنها كافية لتبهت الذاكرة إن لم نحرسها. واستذكار تشرين اليوم ليس طقساً سنوياً، بل هو سؤال مفتوح موجّه إلى الدولة والمجتمع معاً: ماذا فعلنا؟ بما ضحّى من أجله أولئك الشباب؟
كان أغلب المحتجين من جيل ما بعد 2003: شباب كبروا في ظل النظام السياسي الجديد، فلم يجدوا فيه ما وُعدوا به. تخرّج الآلاف منهم في الجامعات ليجدوا أبواب العمل مغلقة إلا أمام من يملك واسطة حزبية.
بدأت المطالب بسيطة: فرص عمل، وكهرباء لا تنقطع في صيف تتجاوز حرارته الخمسين، وماء صالح للشرب، ومستشفيات تليق بالبشر. في بلد يصدّر ملايين البراميل من النفط يومياً، كان هذا الحد الأدنى يبدو حلماً بعيداً.
لكن المحتجين سرعان ما شخّصوا أصل الداء: نظام المحاصصة الذي يوزّع الدولة غنائم بين الأحزاب، والفساد الذي صار نهج حكم، والسلاح المنفلت من سلطة الدولة، والتدخل الخارجي في القرار العراقي. فتحوّل المطلب من إصلاح الخدمات إلى استعادة الدولة نفسها.
واللافت أن قلب الاحتجاج نبض في بغداد والناصرية والبصرة والنجف وكربلاء، أي في مدن تدّعي الأحزاب الحاكمة تمثيلها. هنا سقطت ذريعة الطائفة، وولدت هوية عراقية جامعة من رحم الساحات.
واجهت السلطة الصدور العارية بالرصاص الحي والقناصة، وبقنابل غاز أُطلقت مباشرة نحو الرؤوس فاخترقت جماجم الشباب. وتشير أغلب التقديرات إلى مقتل نحو 700 متظاهر وإصابة أكثر من عشرين ألفاً، كثيرون منهم بإعاقات دائمة.
ولم يتوقف القمع عند حدود الساحات. امتدت يد الاغتيال والخطف إلى الناشطين والصحفيين في بيوتهم وشوارعهم، وكان اغتيال إيهاب الوزني في كربلاء واحداً من أشد تلك اللحظات إيلاماً. أراد القتلة أن يبعثوا رسالة مفادها أن الصوت الحر ثمنه الحياة.
ومع ذلك صمدت الساحات أشهراً. صار التكتك سيارة إسعاف، وصارت بناية "المطعم التركي" المهجورة «جبل أحد»، وملأت الجداريات نفق التحرير، ووقفت النساء والطلاب في الصفوف الأولى.
من الظلم أن يُقال إن تشرين مرّت دون أثر. فقد أجبرت حكومة عادل عبد المهدي على الاستقالة في أواخر 2019، وهي سابقة في عراق ما بعد 2003.
وأثمر الضغط الشعبي قانوناً انتخابياً جديداً بدوائر متعددة، وانتخابات مبكرة في تشرين الأول 2021 دخل عبرها مستقلون ووجوه ناشئة إلى مجلس النواب لأول مرة بهذا الحجم.
لكن الأثر الأعمق لم يكن في القوانين. فقد كسرت تشرين حاجز الخوف، وأثبتت أن الشارع العراقي قادر على محاسبة الطبقة السياسية خارج منطق الطائفة والعشيرة. وهذا وعي لا يُمحى بسهولة.
غير أن الجرح الأكبر ما زال مفتوحاً. فمعظم من أطلقوا النار أو أصدروا الأوامر لم يقفوا أمام القضاء، ولجان التحقيق المتعاقبة لم تفضِ إلى نتائج تشفي صدور الأمهات، وبالرغم من تصريح هادي العامري حين قال إن الفصائل المسلحة العراقية ("المقاومة") ساهمت في "القضاء على فتنة تشرين"، الا أن الإفلات من العقاب لا زال مستمر.
والمطالب التي رفعها الشباب ما تزال معلّقة في جوهرها: المحاصصة قائمة، والفساد لم يُقتلع، والسلاح لم يُحصر بيد الدولة، والبطالة تستنزف أجيالاً جديدة من الخريجين.
لذلك فإن الاستذكار فعل مقاومة. فالنسيان هو بالضبط ما تراهن عليه الجهات التي تريد طيّ الملف وكأن شيئاً لم يكن.
ولكيلا ننسى، نستذكر تشرين لأنها كانت المرة التي قال فيها جيل كامل إنه عراقي أولاً. ونستذكرها لأن أسماء شهدائها تستحق أن تُنطق كل عام، لا أن تتحوّل إلى أرقام في تقارير منسية.
ونستذكرها لأن الأسئلة التي طرحتها لم تُجَب بعد: من يحكم العراق؟ ولمصلحة من؟ ومن يُحاسَب حين تُسفك دماء المواطنين؟
قد تخفت الساحات، لكن الصرخة باقية. وما دام العراقيون يردّدون "نريد وطن"، فتشرين لم تنتهِ بعد.
*****************************
الصفحة التاسعة
لا جدوى من {مجلس الاتحاد} المفتقد لاختصاصاته الدستورية
هادي عزيز علي
منذ صدور دستور 2005 والمطالبات والمناشدات لم تكف عن المطالبة بسن قانون (مجلس الاتحاد) الجناح الثاني للسلطة التشريعية باعتباره النيابة الجغرافية المتساوية. وللغرض المذكور عقدت الندوات واللقاءات والاجتماعات وورش العمل وسواها ومحصلة ذلك صدور توصيات من جهات أكاديمية وسياسية وصحفية ومنظمات مجتمع مدني ومواقع التواصل الاجتماعي وغيرها. الجانب الأكاديمي المطالب بسن القانون رسم رؤاه ومقترحه للمجلس المنتظر بموضوعين الأول - الرؤية الهيكلية والثاني – اختصاصاته. خلف هذا الحراك كانت المواطنة وحسن النوايا تقف وراء هذا النشاط المثابر النازع نحو سد العوز التشريعي في أحكام السلطة التشريعية بغية الاسرع في البناء المؤسسي للدولة أولا وحضور المحافظات كصاحبة قرار تحت قبة المجلس التشريعي ثانيا. معلوم لأن ديوان رئاسة الجمهورية - ومنذ وقت ليس بالقريب - قد أرسل مسودة مشروع قانون مجلس الاتحاد إلى رئاسة مجلس النواب ولكن الحال بقي مثل ما كان عليه.
الوقوف احتراما لهذا الجهد المنحاز للوطن، لكن المطالبة مع نبل النوايا لا تفضي إلى سن قانونه بسبب العوار والخلل البنيوي في النص الدستوري ذاته (المادة 65 من الدستور) والذي جرد (مجلس الاتحاد) من اختصاصاته كافة وأقصته عن العملية التشريعية أي عدم وجود أية قاعدة دستورية تشير إلى البناء الهيكلية او الصلاحيات نبين ذلك على الوجه التالي:
اولا – أحال الدستور كافة اختصاصات السلطة التشريعية الواردة في الفصل الأول من الباب الثالث إلى مجلس النواب فقط. ولم يترك لمجلس الاتحاد أي اختصاص ( المواد 61 إلى نهاية المادة 65). هذا سلوك تشريعي غريب من قبل المشرع الدستوري العراقي يخالف المبادئ العامة المعتمدة من قبل الدول الفدرالية المتبنية للجناحين فقد عطل الوظيفة الدستورية لمجلس الاتحاد. وغرابته كانت محل تعقيب لفقيه القانون الراحل الدكتور حسن الجلبي إذ قال : ( واضع الدستور وقد أخذ بنظام الدولة الفدرالية وكما يتبين من مواد الدستور أنه أخذ بنظام المجلسين الأول لتمثيل الشعب العراقي والثاني في تمثيل الوحدات المكونة للدولة الاتحادية وكان على المشرع العراقي الا يكتفي بمجرد ذكر مجلس الاتحاد في المادة (48) وبمجرد بيان تمثيله للأقاليم والمحافظات ويحيل تكوينه وشروط العضوية فيه واختصاصاته وكل ما يتعلق به على قانون يسن لهذا الغرض خلافا لما فعل لمجلس النواب الذي عقد له فرعا خاصا في الفصل الأول من الباب الثالث من الدستور يفصّل تكوينه وسير عمله ودورات انعقاده واختصاصاته وحلّه وما إلى ذلك من الشؤون المتعلقة بهذا المجلس).
ثانيا – النص الدستوري المؤسس لمجلس الاتحاد ينص على: (يتم انشاء مجلس تشريعي يدعى بـ"مجلس الاتحاد" يضم ممثلين عن الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة بإقليم، وينظم تكوينه، وشروط العضوية، واختصاصاته، وكل ما يتعلق به، بقانون يسن بأغلبية ثلثي اعضاء مجلس النواب) (المادة 65). هذا يعني ان المرجعية التشريعية لمجلس الاتحاد هي القاعدة القانونية التي سوف يسنها مجلس النواب، في حين أن المرجعية التشريعية لمجلس النواب هي القاعدة الدستورية، ولما كانت التراتبية التشريعية تعطي للنص الدستوري علوية على النص القانوني فهذا يعني ان لمجلس النواب علوية على مجلس الاتحاد وهذه تعد مخالفة لوظيفة مجلس الاتحاد التي تخوله الدساتير الفدرالية حق الاعتراض على القوانين التي يسنها مجلس النواب. كما انه يخالف نص المادة (48) منه.
ثالثا – في القانون المقترح الذي يسنه مجلس النواب بأغلبية الثلثين لا بد ان يتضمن الهيكلية التأسيسية المطلوبة له أولا وتقاسم الاختصاصات ثانيا. فمن حيث الاختصاصات فقد غابت النصوص الدستورية المشرعنة لاختصاصات مجلس الاتحاد وخرج للنور من دون أي اختصاص دستوري لكون المشرع الدستوري قد أغدق جميع اختصاصات السلطة التشريعية إلى مجلس النواب الذي تمسك بها بقوة باعتبارها استحقاقا دستوريا غير قابل للتنازل كلا او جزءا. هذا النص المجزي لمجلس النواب جعله في منأى في مزاحمة مجلس الاتحاد له ولا منازع له في علويته الدستورية. وأي قانون يصدره مجلس النواب في هذا الصدد يثبت فيه هيمنته وسلطته التشريعية ولا يمكن والحالة هذه ان نفترض ثمة حالة كرم تتلبس مجلس النواب لسن قانون يرتقي فيه مجلس الاتحاد إلى مركزه القانوني، لا بل أن مجلس النواب اذا ما شعر بالمزاحمة او المضايقة فانه لن يتأخر في إلغاء القانون المؤسس له به وبذات الاغلبية.
رابعا – المادة ( 137) من الدستور نصت على تأجيل العمل بأحكام المواد الخاصة بمجلس الاتحاد أينما وردت في الدستور إلى حين صدور قرار من مجلس النواب بأغلبية الثلثين بعد دورته الانتخابية الاولى التي يعقدها بعد نفاذ هذا الدستور. تدخلت المحكمة الاتحادية العليا في هذا الموضوع وأصدرت قرارها المرقم 72 / اتحادية / 2012 في 1/ 1/ 2012 المتضمن: (المقصود بالمادة 137 من الدستور هو توجه مجلس النواب في بيان يصدره بإعداد قانون مجلس الاتحاد الذي يصبح إنشاؤه لازما تطبيقا لأحكام المادة 137 المشار اليها والقرار او البيان الصادر عن مجلس النواب يكون بأغلبية الثلثين.. يدعو السلطتين التنفيذية والقضائية والمنظمات والمعنيين بإعداد الأفكار والتصورات التي تخص مجلس الاتحاد بكل ابعاده ومرميه في ضوء ما ورد في المبادئ الاساسية للدستور..). ولم يصل إلى علمنا أن مجلس النواب قد أصدر بيانا او قرارا بأغلبية الثلثين في هذا الموضوع.
خامسا– المشرع الدستوري شعر بالخلل البنيوي في أكثر من موقع من الدستور وعلى وجه الخصوص العوز النصي لـ(مجلس الاتحاد) فنص في المادة ( 142) منه على تشكيل لجنة من أعضائه لوضع توصية بالتعديلات الضرورية التي يمكن اجراؤها على الدستور. فكان لها ذلك وقدمت توصياتها سنة 2009 إلى مجلس النواب ومن ضمنها التعديلات المطلوبة على مجلس الاتحاد الذي تضمنت اختصاصاته المبينة في المسودة وهي: تقديم مقترحات القوانين. والنظر في مشروعات القوانين المقدمة اليه المحالة عليه من مجلس النواب وله حق الاعتراض على مشروع القانون بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه وأن يساهم في تعيين الدرجات الهامة في الدولة ومن اختصاصاته ضمان حقوق الاقاليم والمحافظات غير المنضمة في إقليم. ومراقبة الواردات الاتحادية. والتحقق من الاستعمال الأمثل للموارد المالية الاتحادية وغير ذلك من الاختصاصات الاخرى مع الاستفاضة في البناء والهيكلية لمجلس الاتحاد.
الخلاصة – لا مساغ قانوني للمطالبة بسن قانون مجلس الاتحاد الا بعد التعديل الدستوري المنشود.
*********************************
البرجوازية العراقية الجديدة: طبقة اقتصادية أم شبكة من النفوذ؟
قاسم محمد داود
ليس من السهل تناول مفهوم «البرجوازية العراقية» بالمعنى الذي تبلور في المجتمعات الأوروبية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. فقد نشأت البرجوازية الأوروبية في سياق تاريخي واقتصادي محدد، ارتبط بنمو التجارة والصناعة وتراكم رأس المال، ثم بتطور السوق وظهور طبقة اجتماعية أخذت تسعى، تدريجياً، إلى امتلاك نفوذ سياسي يتناسب مع قوتها الاقتصادية.
أما العراق، فقد سلك مساراً مختلفاً. فالدولة الحديثة تشكلت في ظروف تاريخية وسياسية خاصة، ثم أخذ النفط، ولاحقاً الاقتصاد الريعي، يؤدي دوراً كبيراً في تشكيل علاقة الدولة بالمجتمع والاقتصاد. ولذلك لم تتطور البرجوازية العراقية بالمسار نفسه الذي عرفته المجتمعات الأوروبية.
لكن اختلاف المسار لا يعني غياب أصحاب الأعمال والثروات أو الفئات الرأسمالية. فقد شهد العراق، ولا يزال يشهد، نشوء فئات من التجار والمستثمرين وأصحاب الشركات والمصانع والمقاولين والمستثمرين في العقارات والخدمات، يمكن النظر إلى جزء منها باعتباره مكوّناً لما يمكن تسميته «البرجوازية العراقية الجديدة». غير أن استخدام هذا المصطلح يحتاج إلى قدر من الحذر؛ فهذه البرجوازية ليست كتلة متجانسة، ولا تنتمي إلى مصدر واحد للثروة. فبينما رآكم بعض أصحابها أموالهم من التجارة والصناعة والاستثمار والإنتاج، ارتبطت ثروات أخرى، بدرجات متفاوتة، بالإنفاق الحكومي أو العقود العامة أو الاقتصاد الريعي، كما ارتبط جزء منها بشبكات سياسية واجتماعية وعشائرية. وهنا تكمن خصوصية الحالة العراقية: فرأس المال لا يعمل دائماً بصورة مستقلة عن الدولة والمجتمع، بل قد يتقاطع مع شبكات النفوذ السياسي والاجتماعي والعشائري.
من السوق إلى الدولة
في الاقتصاد الرأسمالي المنتج، تتكون الثروة بصورة أساسية من الاستثمار والإنتاج والتجارة وتراكم رأس المال. لكن الاقتصاد العراقي يحمل خصوصية واضحة تتمثل في الوزن الكبير للدولة والموارد النفطية في النشاط الاقتصادي. فالدولة ليست مجرد جهة تضع القوانين وتنظم السوق، وإنما هي أيضاً طرف اقتصادي رئيسي، بحكم حجم الإنفاق العام والمشاريع والعقود والوظائف التي ترتبط بها قطاعات واسعة من الاقتصاد.
ومن هنا يصبح الوصول إلى الدولة، في بعض الحالات، جزءاً من قيمة رأس المال ذاته. فالشركة التي تستطيع المنافسة على أساس الكفاءة والخبرة والقدرة الإنتاجية لا تحتاج إلى الوساطة لكي تثبت وجودها. لكن عندما تصبح العلاقات الشخصية أو السياسية طريقاً للحصول على العقود أو الامتيازات، فإن العلاقة بالدولة تتحول من إطار تنظيمي إلى مصدر مباشر للقوة الاقتصادية. وهكذا يمكن أن تنشأ علاقة متبادلة بين رأس المال والنفوذ:
الثروة تمنح صاحبها قدرة على بناء النفوذ، والنفوذ قد يفتح أمام الثروة فرصاً جديدة. ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن كل رجل أعمال يتعامل مع الدولة هو جزء من منظومة فساد أو محاباة. فالقطاع الخاص يحتاج إلى الدولة، والدولة تحتاج إلى الشركات والمستثمرين والمقاولين والخبرات الخاصة. المشكلة تبدأ عندما تصبح العلاقة الشخصية أو السياسية بديلاً عن المنافسة الاقتصادية والقواعد العامة. عندئذ نقترب من مفهوم «الرأسمالية الزبائنية»، حيث لا تتحدد فرص النجاح الاقتصادي بالكفاءة ورأس المال وحدهما، بل تدخل العلاقات والنفوذ في تحديد من يحصل على الفرصة ومن يبقى خارجها.
العشيرة: من الانتماء الاجتماعي إلى رأس المال الاجتماعي
لا يمكن فهم المجتمع العراقي المعاصر من دون الانتباه إلى استمرار حضور العشيرة، حتى في البيئات التي تبدو حديثة من حيث التعليم والعمل والاستهلاك.
لكن وضع العشيرة في مواجهة الرأسمالية أو الحداثة بصورة مطلقة سيكون تبسيطاً للواقع. فالبنى الاجتماعية التقليدية قادرة على التكيف مع التحولات الاقتصادية والسياسية، وقد تدخل في علاقات جديدة مع السوق والدولة والمدينة. وبالنسبة إلى بعض أصحاب الأعمال والنفوذ، يمكن للعلاقات العشائرية أن توفر شبكة من الحماية والتواصل والوساطة وحل النزاعات، فضلاً عن مكانة اجتماعية وسياسية في البيئة المحلية.
وبذلك قد تتحول العشيرة، في بعض الحالات، من مجرد رابطة قرابة إلى نوع من رأس المال الاجتماعي. لكن العلاقة تسير في الاتجاهين. فكما يستطيع رجل الأعمال الاستفادة من مكانته العشائرية، تستطيع الثروة أيضاً أن تعزز مكانته داخل عشيرته. فالقدرة المالية على مساعدة الأقارب، والمساهمة في المناسبات، وحل بعض المشكلات، وتقديم الدعم، يمكن أن تمنح صاحب المال مكانة اجتماعية ونفوذاً يتجاوزان أحياناً حجم نشاطه الاقتصادي. وهنا تتشكل علاقة تبادلية: العشيرة تمنح صاحبها شبكة اجتماعية، والثروة تمنحه مكانة ونفوذاً داخل هذه الشبكة. ولا يعني ذلك أن كل عشيرة تعمل بهذه الطريقة، ولا أن كل رجل أعمال يوظف انتماءه العشائري لتحقيق مصالح اقتصادية أو سياسية. إنما المقصود هو فهم إحدى الآليات التي يمكن أن تتداخل من خلالها البنية الاجتماعية التقليدية مع الاقتصاد الحديث.
عندما يلتقي المال بالسياسة
تزداد المسألة حساسية عندما يتحول رأس المال الاقتصادي إلى نفوذ سياسي، أو عندما يصبح النفوذ السياسي أحد مصادر تكوين رأس المال.
في الحالة الأولى، يستطيع صاحب الثروة استخدام إمكاناته المالية وعلاقاته الاجتماعية لبناء حضور سياسي أو دعم قوى وشخصيات سياسية. وفي الحالة الثانية، يمكن للنفوذ السياسي أن يوفر لصاحبه أو لشبكته فرصاً اقتصادية لا تكون متاحة بالدرجة نفسها لمن يفتقر إلى النفوذ والعلاقات. وهكذا قد تنشأ دائرة متبادلة: المال يولد نفوذاً، والنفوذ يولد فرصاً، والفرص تولد مالاً جديداً. وعند هذه النقطة قد تصبح الحدود بين «رجل الأعمال» و«السياسي» و«الفاعل الاجتماعي» أقل وضوحاً.
لكن المشكلة ليست في دخول رجال الأعمال إلى المجال السياسي بحد ذاته. فهذا أمر موجود في أنظمة ديمقراطية مختلفة، وقد يكون للقطاع الخاص دور مشروع في الحياة العامة.
المشكلة تظهر عندما تصبح الدولة مجالاً لتوزيع المنافع على أساس الولاء الشخصي أو السياسي، وعندما تصبح المنافسة الاقتصادية مرتبطة بقوة الشبكة السياسية أكثر من ارتباطها بالكفاءة والإنتاج. وهنا لا تعود القضية اقتصادية فقط، وإنما تصبح قضية تتعلق بطبيعة الدولة نفسها، وبمدى استقلال مؤسساتها عن المصالح الخاصة.
برجوازية حديثة بعقلية تقليدية؟
ربما تمثل هذه إحدى أكثر المفارقات إثارة للاهتمام في المجتمع العراقي المعاصر. فقد نجد شخصاً يعيش بمظاهر الحداثة الاقتصادية والاستهلاكية: شركة حديثة، وسيارة فاخرة، وهاتف متطور، وسفر، وتعليم جامعي، وحضور على وسائل التواصل الاجتماعي، واهتمام بأحدث المنتجات والعلامات التجارية العالمية. لكن مظاهر الحداثة هذه لا تعني بالضرورة أن منظومته الاجتماعية والسياسية أصبحت حديثة بالدرجة نفسها. فقد يظل، في علاقاته الاجتماعية والسياسية، يعتمد على الوساطة، أو يرى في شبكة الولاءات الشخصية مصدراً للحماية والمكانة، أو يحتفظ بانتماءات تقليدية تؤدي دوراً مهماً في تحديد علاقاته ومصالحه. وهنا ينبغي التمييز بين حداثة الاستهلاك وحداثة التفكير والمؤسسات.
فامتلاك أحدث هاتف لا يعني بالضرورة الإيمان بدولة المؤسسات. وقيادة سيارة فاخرة لا تعني بالضرورة التخلي عن العلاقات التقليدية. وإنشاء شركة حديثة لا يعني بالضرورة الإيمان بالمنافسة العادلة. فالحداثة ليست فقط مجموعة من الأشياء التي نمتلكها، وإنما هي أيضاً طريقة في التفكير وإدارة العلاقات، واحترام القانون، وقبول المؤسسة، والإيمان بمبدأ تكافؤ الفرص والمواطنة المتساوية. ومن هنا يمكن فهم واحدة من مفارقات التحول الاجتماعي في العراق: قد تتغير أنماط الاستهلاك بسرعة أكبر بكثير من تغير العلاقات الاجتماعية والسياسية التي تحكم سلوك الأفراد.
هل هذه برجوازية أم طبقة ريعية؟
هنا ينبغي توخي قدر أكبر من الحذر في استخدام المصطلح. فليس كل ثري في العراق برجوازياً، وليس كل صاحب شركة ممثلاً للرأسمالية بالمعنى الاقتصادي الدقيق. فصاحب المصنع الذي يستثمر رأس ماله في الإنتاج، ويوظف العمال، ويعيد استثمار جزء من أرباحه، يختلف عن شخص تتكون ثروته بصورة أساسية من امتيازات أو فرص مرتبطة بالنفوذ السياسي. الأول أقرب إلى البرجوازية المنتجة. أما الثاني فقد يكون أقرب إلى الرأسمالية الريعية أو الزبائنية. وبين النموذجين توجد مساحات واسعة من رجال الأعمال الذين يجمع نشاطهم، بدرجات مختلفة، بين التجارة والاستثمار والعقارات والخدمات والعقود الحكومية والعلاقات الاجتماعية والسياسية. لذلك فإن استخدام كلمة «البرجوازية» لوصف جميع أصحاب الثروات في العراق قد يؤدي إلى تبسيط ظاهرة شديدة التعقيد. والأدق هو الحديث عن «البرجوازية العراقية الجديدة» بوصفها فئات اقتصادية واجتماعية في طور التشكل، تتقاطع داخلها أنماط مختلفة من رأس المال: الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
أين تقف الطبقة الوسطى؟
تزداد الصورة تعقيداً عند النظر إلى الطبقة الوسطى العراقية. فالطبقة الوسطى ليست برجوازية بالضرورة، حتى وإن كانت تتمتع بدخل جيد وتتبع نمطاً استهلاكياً حديثاً. فالموظف والطبيب والمهندس والأستاذ الجامعي وصاحب المشروع الصغير والمهني المستقل قد ينتمون إلى شرائح مختلفة من الطبقة الوسطى، لكنهم لا يصبحون برجوازيين لمجرد امتلاكهم دخلاً مرتفعاً أو مستوى معيشياً جيداً.
وهذا التمييز ضروري، لأن كلمة «برجوازي» تُستخدم أحياناً في الخطاب اليومي باعتبارها مرادفاً لـ«الغني» أو «المترف»، بينما يرتبط المفهوم اقتصادياً بموقع الفرد في ملكية رأس المال وعملية الإنتاج. ومن هنا فإن الدخل المرتفع وحده لا يكفي لتعريف الموقع الطبقي. نحو طبقة جديدة أم شبكة جديدة؟ ربما لا يتمثل السؤال الأهم في: هل توجد برجوازية عراقية؟ بل في: أي نوع من البرجوازية يتشكل في العراق؟
هل نحن أمام طبقة اقتصادية مستقلة، قادرة على الإنتاج والاستثمار والمنافسة، وتسعى إلى حماية مصالحها من خلال المؤسسات والقانون؟ أم أننا أمام شبكة من أصحاب الثروات ترتبط، بدرجات متفاوتة، بالدولة والسياسة والعشيرة، بحيث يصبح النفوذ جزءاً من عملية إنتاج الثروة؟ ربما نجد النموذجين معاً. وهذا يعني أن «البرجوازية العراقية الجديدة» ليست طبقة مكتملة ونهائية، بل عملية اجتماعية واقتصادية وسياسية لا تزال في طور التشكل. فكلما توسع القطاع الخاص، ونمت الشركات والإنتاج والاستثمار الحقيقي، وأصبحت المنافسة أكثر ارتباطاً بالكفاءة والإنتاجية، أمكن أن تتطور طبقة اقتصادية أكثر استقلالاً. أما إذا ظلت فرص تكوين الثروة مرتبطة بصورة أساسية بالريع والامتياز والعلاقات السياسية، فستظل قطاعات من هذه الطبقة مرتبطة بالدولة وشبكات النفوذ أكثر من ارتباطها بالإنتاج والسوق.
المشكلة ليست في الثروة
من الخطأ النظر إلى ظهور طبقة ثرية جديدة باعتباره مشكلة في حد ذاته. فالمجتمع يحتاج إلى رجال أعمال ومستثمرين وأصحاب مشاريع، وإلى طبقة اقتصادية قادرة على خلق فرص العمل والإنتاج والابتكار. ولا تبدأ المشكلة عندما يصبح الإنسان غنياً، وإنما عندما تصبح قواعد الوصول إلى الثروة غير عادلة، أو عندما تتحول الثروة إلى وسيلة لشراء النفوذ، ويتحول النفوذ بدوره إلى وسيلة لإنتاج مزيد من الثروة. عندئذ يصبح السؤال اقتصادياً وسياسياً وأخلاقياً في آن واحد: هل تخدم الثروة المجتمع أم تستحوذ على مؤسساته؟ والفارق بين الأمرين يكمن في وجود دولة قانون ومؤسسات قادرة على ضمان المنافسة، وفصل المصالح الخاصة عن القرار العام، وإتاحة الفرص الاقتصادية على أساس الكفاءة، لا على أساس القرابة أو الولاء أو النفوذ.
خاتمة
البرجوازية العراقية الجديدة ليست نسخة من البرجوازية الأوروبية، كما أنها ليست مجرد مجموعة من الأثرياء. إنها ظاهرة تقع عند نقطة التقاء الاقتصاد الحديث بالبنية الاجتماعية التقليدية، وبالدولة الريعية، وبالسياسة. وفي أفضل حالاتها، يمكن أن تكون قوة لبناء اقتصاد منتج، وتوسيع القطاع الخاص، وخلق فرص العمل، وتعزيز الاستقلال الاقتصادي عن الدولة.
أما في أسوأ حالاتها، فقد تتحول إلى طبقة من أصحاب المصالح الذين يستخدمون الدولة والعلاقات الاجتماعية والسياسية لتوسيع ثرواتهم، فتتراجع المنافسة وتضعف المؤسسات. أما العشيرة، فليست بالضرورة عائقاً أمام الحداثة، كما أن الحداثة الاقتصادية ليست بالضرورة دليلاً على الحداثة الاجتماعية والسياسية.
وهنا تكمن المفارقة العراقية الأعمق: قد تتغير السيارة والهاتف والملابس والشركة بوتيرة أسرع بكثير من تغير طريقة التفكير في السلطة والمصلحة والعلاقة بالدولة. ولهذا فإن مستقبل البرجوازية العراقية لن يتحدد بحجم الأموال التي يمتلكها أصحابها فحسب، بل بالسؤال الأهم: هل ستنجح هذه الثروة في الانتقال من منطق النفوذ والعلاقات إلى منطق الإنتاج والمؤسسات؟
فإذا حدث ذلك، يمكن أن تصبح البرجوازية الجديدة جزءاً من مشروع بناء دولة واقتصاد حديثين. أما إذا ظل المال محتاجاً إلى النفوذ، والنفوذ محتاجاً إلى الدولة، وظلت الدولة مفتوحة أمام شبكات المصالح، فلن نكون أمام برجوازية حديثة مكتملة بقدر ما سنكون أمام تحالف متغير بين رأس المال والريع والسلطة والعلاقات التقليدية.
**************************
الصفحة العاشرة
تراجع الليبرالية الجديدة ودور اليسار الاشتراكي
د. إبراهيم إسماعيل
شهد العالم، منذ نصف قرن تقريباً، تراجع النموذج الرأسمالي القائم على مساهمة نسبية للدولة في تنظيم الأسواق والقطاع المالي، وإعادة توزيع جزء من فائض القيمة لتمويل "دولة الرفاه"، والاعتراف بالدور السياسي والاقتصادي للنقابات، وتنظيم علاقة العمل برأس المال، وحلّ محلّه نموذج جديد يقوم على تحرير الأسواق، وخصخصة المؤسسات العامة، وتحرير حركة رؤوس الأموال، وإضعاف النقابات، وتوسيع التجارة العالمية، وهو ما أطلق عليه بالليبرالية الجديدة.
ولم تكن هذه مجرد مجموعة من السياسات الاقتصادية، بل فكرة متكاملة ترى في تحرير الأسواق، ورفع القيود التنظيمية، وفتح التجارة والاستثمار، وتقليص ملكية الدولة، سبيلاً إلى زيادة الكفاءة والنمو والابتكار، إلى جانب "حق" الأسواق المالية العالمية في التحكم بالسياسة الاقتصادية للدول. ومثلت هذه الفكرة مرآة للعلاقة المأزومة بين الرأسمالية والديمقراطية. فحين ارتفع الدين العام، وتزايدت قوة الأسواق المالية، نفّذت الحكومات سياسات تقشف وخصخصة أفضت إلى تقليص قدرة الدولة على توجيه الموارد وفقًا للأولويات الاجتماعية، واصطفّت مع الدائنين والأسواق المالية على حساب حقوق المواطنين، وجرى التضييق على الديمقراطية الاجتماعية لصالح عمل الأسواق وحماية الاستقرار المالي (1، 2)
وتمتّع هذا النموذج بذروة نفوذه بعد انهيار التجربة الاشتراكية الأولى، حتى توهم أصحابه أنه نهاية التاريخ (3)، قبل أن يتعرض لهزات متلاحقة، بدأت بالأزمة المالية عام 2008، ثم جائحة كوفيد، واضطرابات سلاسل الإمداد، والحرب في أوكرانيا، والتوتر التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين، وأزمات الطاقة والغذاء، مما فسح المجال لظهور مفاهيم الأمن والاستقلال الاستراتيجي من جديد، وجعل من الدفاع عن قدرة السوق على تنظيم نفسه بصورة كاملة فكرة غير مقنعة تماماً. ويشير تقرير لصندوق النقد الدولي بهذا الصدد إلى أن استخدام مفهوم السيادة الاقتصادية، بهدف زيادة النمو، وحماية الأمن القومي، والمرونة في سلاسل الإمداد، والمنافسة الجيوسياسية، بات أكثر تواتراً (4).
عودة إلى السوق الوطنية
وإذا كان أحد أهم عناصر النيوليبرالية هو إخضاع الاقتصاد الوطني بدرجة متزايدة لقواعد السوق العالمية، فإن التحول الراهن يتمثل جزئيًا في إعادة الاقتصاد إلى المجال السياسي الوطني عبر دعم الصناعات المحلية، وفرض قيود على بعض الواردات، وحماية سلاسل الإمداد، واعتبار التكنولوجيا والطاقة والغذاء قضايا أمن قومي، واستخدام الدولة للاستثمار العام في قطاعات استراتيجية. وسرعان ما برز أيضاً مفهوم Economic Nationalism أو ما يمكن ترجمته بالقومية الاقتصادية، وهي السياسة التي تعطي الأولوية للقدرة الإنتاجية الوطنية، وتقلل الاعتماد على الخارج في القطاعات الاستراتيجية، وتستخدم أدوات الدولة لحماية الصناعات المحلية وتطويرها (5).
دور اليسار الاشتراكي
ومع ظهور هذا المفهوم، الذي لا يرفضه اليسار بصورة مطلقة، بل يتعامل معه على أساس الغرض الاجتماعي الذي يستهدفه ومدى ابتعاده عن أي أيديولوجية قومية متطرفة، ومع تراجع العولمة واستعادة الدولة الوطنية بعضاً من سيادتها الاقتصادية، اتسع الحوار حول سبل جعل هذه المتغييرات ملائمة لصعود اليسار. وبرز هنا تحذيران مهمان، أولهما عدم اعتبار هذا التغيير انتصاراً تلقائياً لليسار، قبل أن تتمكن قواه من تحويل الإحمائية إلى مشروع للديمقراطية والعدالة الاجتماعية بدلاً من أن تُستغل في خدمة رأس المال الوطني، وثانيهما عدم الإسراف في الحديث عن انتهاء النيوليبرالية لأنها لم تختفِ بعد.
ورغم أن عودة السيادة الوطنية إذا اقترنت بالديمقراطية وبإخضاع الاقتصاد لمصلحة الشعب، يمكن أن تكون ذات قيمة لليسار، الذي كان ناقداً تاريخياً لتحرير الأسواق وإضعاف الدولة، فإن اليمين الشعبوي كان، للأسف، أسرع في الاستفادة سياسياً من ذلك، وراح يوظف الاستياء الناجم عن العولمة لإعادة المصانع، وفرض الرسوم الجمركية، وحماية العمال الوطنيين، وطرد المهاجرين، وتخفيض الضرائب على الشركات، دون إجراء أي تغيير في علاقات الملكية.(6)
ولهذا بات على اليسار ربط استعادة الدولة بتحسين قدرتها على اتخاذ قرارات اقتصادية ديمقراطية تحفظ التوازن بين السوق العالمية والسيادة الوطنية، بعد أن فرطت العولمة النيوليبرالية في هذا التوازن لمنع هروب الاستثمارات، أي باستخدام قومية اقتصادية اجتماعية تعيد السيطرة الديمقراطية على الاستثمار والإنتاج والعمل. (7) ولا يظهر الاختلاف بين المذهبين في بقاء الدولة أو غيابها، بل في من يسيطر عليها ومن يستفيد من تدخلها.
نمو فرص اليسار
وتمثل عودة السياسة الوطنية في صورة دعم حكومي واسع لتطوير الصناعات الاستراتيجية والتكنولوجيا والطاقة النظيفة، والمطالبة بالاستقلال الاستراتيجي، واعتماد التخطيط الصناعي طويل الأجل، هزيمة للنيوليبرالية، التي طالماً رأت الدولة عاجزة عن معرفة القطاعات التي ينبغي الاستثمار فيها، وأن السوق أكثر قدرة على تخصيص الموارد (8).
وبسبب عدم اقتصار دوافع هذه السياسة على التنمية الاقتصادية، وامتدادها لتشمل مسائل الأمن القومي والمرونة الجيوسياسية، نالت أسئلة اليسار على مصداقية اكبر. فإذا كان من المقبول مجددًا أن تستخدم الدولة المال العام لتوجيه الاستثمار، فلماذا يجب أن تذهب هذه الأموال إلى الشركات الخاصة دون شروط اجتماعية، مثل الحفاظ على الوظائف، ورفع الأجور، والاعتراف بالنقابات، وتقليل الانبعاثات، ومشاركة العمال في الإدارة، واخيراً حصول الدولة على حصة من الملكية؟ وهي شروط توفر فرصة لليسار لإعادة توزيع القوة داخل الرأسمالية نفسها، وربما تجاوزها تدريجيًا في بعض القطاعات. كما أن نمو فرص اليسار لا يتطلب التركيز على إعادة توزيع الدخل من خلال دولة الرفاه فحسب، بل وأيضاً تحديد من يملك الاقتصاد ومن يقرر اتجاه الاستثمار، فالاشتراكية تعني تغيير علاقات الملكية والسيطرة على الإنتاج.
وتفتح عودة الدولة إلى الاقتصاد ابواباً جديدة لتوسيع الملكية العامة في الطاقة، والنقل، والإسكان، والرعاية الصحية، والبنية التحتية الرقمية، والصناعات الدوائية، وشبكات الكهرباء. ولكي تحصّن الملكية العامة من البيروقراطية والاستبداد، لا بد من الجمع بين الملكية العامة والديمقراطية الاقتصادية، وبين تمثيل العمال في مجالس إدارة الشركات، وتقوية النقابات، وتطوير التعاونيات، وإنشاء صناديق ثروة اجتماعية تملك حصصًا في الشركات الكبرى. وبذلك ينتقل اليسار من سياسة "تصحيح نتائج السوق" إلى سياسة التأثير في كيفية عمل الاقتصاد نفسه.
البروليتاريا والقومية الاقتصادية
أدت العولمة، من خلال زيادة التجارة وإعادة توزيع الإنتاج عالميًا، إلى زيادة البطالة في بعض الدول الصناعية، مما ولّد شعوراً بالاستبعاد لدى قطاعات من الطبقة العاملة، استغله اليمين الشعبوي وحوله من صراع اجتماعي بين العمل ورأس المال إلى صراع بين المواطنين والمهاجرين أو بين الدولة الوطنية والعالم الخارجي. ويلقي هذا الواقع على اليسار مهمة فضح استخدام رأس المال للمنافسة بين العمال، والسعي لرفع الوعي بضرورة أن تصبح السياسة الاقتصادية الوطنية وسيلة لحماية العمل، لا وسيلة لخلق عداوة بين العمال. كما ينبغي عليه تجنب الوقوع في خطأ مساواة القومية الاقتصادية بالاشتراكية، فالدولة يمكن أن تدعم الصناعة الوطنية وفي الوقت نفسه تحافظ على ملكية رأسمالية شديدة التركيز، أو أن تتحول إلى شكل من أشكال رأسمالية الدولة.
كما ينبغي على اليسار تبني معايير واضحة للحكم على السياسة الصناعية الوطنية، ما الذي تنتجه؟ ومن يملكه؟ ومن يعمل فيه؟ ومن يحصل على الأرباح؟ وما هي الشروط الاجتماعية والبيئية المرتبطة بدعم الدولة؟ فعبر الاجابة على هذه التساؤلات يمكن أن يتم التعرف على أمكانية تحويل هذه السياسة من سياسة رأسمالية إلى سياسة اشتراكية تدريجية.
أن السيادة الديمقراطية للدولة الوطنية لا تتناقض بالضرورة مع التعاون الدولي في قضايا المناخ، والتجارة، والضرائب، والتمويل، والتكنولوجيا، والطاقة، بل يمكن أن يتكاملا، إذ يرى مفكرون أن على اليسار إيجاد صيغة تستطيع فيها الدول ذات التوجه الاجتماعي أن تتعاون فيما بينها (9).
وتحظى فكرة التحول الأخضر بشعبية كبيرة، فالانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون يحتاج إلى استثمارات هائلة في الطاقة المتجددة، وشبكات الكهرباء، والنقل العام، والمباني، والصناعة، والتكنولوجيا، وإلى تخطيطً طويل الأجل، لا تستطيع الأسواق وحدها ضمانه. ومن هنا يستطيع اليسار أن يطرح مشروعًا يقوم على أربعة عناصر (الدولة والصناعة والبيئة والعمل)، بحيث يجمع بين تقليل الانبعاثات وبناء قاعدة صناعية جديدة، وخلق وظائف اكثر، وتحسين الخدمات العامة، وتوسيع الملكية الاجتماعية.
ــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش
1. Wolfgang Streeck, “The Politics of Public Debt: Neoliberalism, Capitalist Development and the Restructuring of the State,” German Economic Review, Vol. 15, No. 1, 2014, pp. 143–165.
2. Wolfgang Streeck, “Capitalism, Neo-Liberalism and Democracy,” interview with Ben Jackson, 2014.
3. "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، الجزيرة نت، 8 ديسمبر 2022.
4. International Monetary Fund, “Industrial Policy Can Lift Productivity—but Comes With Risks and Trade-offs,” IMF Blog, 25 November 2025.
5. Simon J. Evenett et al., Industrial Policy Since the Great Financial Crisis, IMF Working Paper 2025/222, International Monetary Fund, 2025.
6. Benjamin Kunkel, “The New National Question,” New Left Review, 160, 2026.
7. Dani Rodrik, The Globalization Paradox: Democracy and the Future of the World Economy, W. W. Norton, 2011.
8. Simon J. المصدر السابق
9. Benjamin K. المصدر السابق
*******************************
فاشية نهاية الأزمنة / إيمي غودمان، وخوان غونزاليس
في مقابلة مطولة على برنامج «Democracy Now!» مع إيمي غودمان وخوان غونزاليس، قدمت نعومي كلاين وأسترا تايلور كتابهما الجديد «فاشية نهاية الأزمنة والكفاح من أجل العالم الحي». وبينما يشارك الاثنان في التأليف، تلخّص مداخلات كلاين جوهر الأطروحة: نحن لا نعيش إعادة لفاشية القرن العشرين، بل «تتمة» لها، حيث تطبّق منطق التمييز والتوحّش والتفوق العرقي في زمن أزمات وجودية؛ انهيار المناخ، الأسلحة النووية، والذكاء الاصطناعي.
تقول كلاين إن الفاشية تنشأ دائمًا في لحظات أزمة النظام، وتعمل «كاستجابة لتهديد الرأسمالية» أو «رأسمالية بأنياب مكشوفة». فبدلًا من توجيه الغضب الشعبي نحو أسباب الأزمة، يُحوَّل نحو كبش فداء. وفي زمننا، أصبح الخيار بين تغيير نظامي عادل أو ردّ «فاشية نهاية الأزمنة» الذي يقول: «دعوها تحترق». ومن هنا يأتي اسم الكتاب: تحالف مفكك لكن خطِر بين متطرفين دينيين، ومتطرفين تقنيين، وقوميين عرقيين. لا يتفقون على كل شيء، لكنهم يشتركون في التخلي عن فكرة المستقبل المشترك، والاستعداد لبناء الملاجئ والصواريخ ومنافذ الهروب. وللأثرياء نسخة علمانية من «الاختطاف»: «اختطاف الثروة»، إذ يستطيع من يملك الموارد أن ينقذ نفسه من كوارث يساهم في صناعتها.
نعومي كلاين تحذر
وتقارن كلاين هذا الواقع بملاجئ القنابل في الخمسينيات. حينها رفض معظم الأمريكيين فكرة «توجيه السلاح إلى الجار»، وطالبوا بنزع السلاح النووي بدل الاختباء. لكن اليوم، تقول إن «فاشيي نهاية الأزمنة» يفككون البنية الدولية نفسها: الأمم المتحدة، المعاهدات، وكل محاولة لتقييد أدوات الدمار. لذلك تدعو إلى «نزع سلاح ثلاثي»: الأسلحة النووية، وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، والثروة المركزة نفسها، التي تصفها بأنها أصبحت «سلاح دمار شامل». وتقترح «اختبار ستيفن ميلر»: إذا كنت لا تريد أن تقع أداة ما في يد أسوأ الناس، فلا ينبغي أن توجد هذه الأداة.
تحالف الأثرياء والمتطرفين ضد المستقبل المشترك
وفي ملف التكنولوجيا، تربط كلاين بين وادي السيليكون وترامب. فقد ساعد جيه دي فانس، بدعم من بيتر ثيل، في تقريب شركات الذكاء الاصطناعي من ترامب. وتقول إن هذه الشركات أرادت «حدودًا» بلا قواعد، ثم جاءت تتوسل التنظيم بعد أن أطلقت العنان لسباق محموم. وترفض كلاين ذريعة «الصين ستفعل ذلك»: فالصين، بحسبها، لديها قواعد أكثر من الولايات المتحدة لتنظيم الذكاء الاصطناعي. أما ترامب فيصف المخاوف من الذكاء الاصطناعي بأنها «خدعة»، بينما يتمسك بفقاعة أسهم الذكاء الاصطناعي خشية انفجارها سياسيًا واقتصاديًا. وتضيف كلاين أن الأسطورة القديمة عن «المسحور الذي أطلق العنان لمسخ لا يسيطر عليه» تتحقق اليوم، لكن المسخ ليس الذكاء الاصطناعي، بل ترامب نفسه: مخلوق النخب التقنية الذي خرج عن السيطرة.
أما غزة، فتبدأ كلاين بها الكتاب لأنها «أكثر تلخيص متطرف» للقصة الأخروية: أولًا الطوفان والموت الجماعي، ثم الجنة الذهبية للنخبة المختارة. وتصف مشروع «نيو غزة» بأنه جنة مخصخصة تُبنى فوق مقبرة جماعية، وتربطه «بمجلس السلام» الذي يريد ترامب ترؤُّسه مدى الحياة ويمنح أعضاءه حصانة. هذه ليست مجرد نبوءة دينية، بل «اختطاف ثروة» أيضاً واستخراج للدولة نفسها.
ورغم قتامة الصورة، تشدد كلاين على أن المعركة لم تُحسم. المقاومة، كما تقول، تبدأ من «هنا»: التمسك بالأرض المشتركة وبناء تضامن أفقي ضد التضامن العمودي الذي يوحّد النخب مع الغاضبين ضد المستضعفين. وتستشهد بحركات ضد مراكز البيانات، ومقاومة ICE، والنضال العمالي والبيئي. وتختم بأن الخيار واضح؛ إما أن نتبع فاشيي نهاية الأزمنة إلى الفناء، أو نبني حركة متجاوزة للحدود تدافع عن «جنة هنا».
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
"قاسيون" – 20 أيلول 2026
*******************************
جان ميلييه ماركسيّ قبل ماركس
سعيد محمد
قبل أن يدخل كارل ماركس مسرح التاريخ بأكثر من نصف قرن، كان جان ميلييه، الكاهن المحليّ لأبرشية ريفية فرنسية، يعيد تفسير البؤس بوصفه نتيجة علاقات اجتماعية صنعها البشر ويملكون القدرة على تغييرها، وينقّب خلف المواعظ والطقوس الدينية عن المصالح الدنيوية التي تخدمها، ثم يضع أحد أكثر النصوص المادية والسياسية جرأة في أوروبا مطلع القرن الثامن عشر، جامعاً ثالوث المُلكية الخاصة والحكم الملكيّ والكنيسة داخل بنية هيمنة واحدة، تنتج ثراءً للمتنفذين والنبلاء، وفاقة للفلاحين والفقراء.
ولد ميلييه سنة 1664، وتولى رعاية أبرشية إيتريبيني في إقليم الأردين طوال أربعة عقود، فكان يؤدي واجباته الرسميّة الدينية أمام أبناء القرية، بينما يكتب سراً مخطوطاً ضخماً يهدم أسس العقيدة التي يمثلها ويهاجم النظام الذي يوفّر له موقعه الاجتماعي. منحته حياته المزدوجة معرفة دقيقة بعمل المؤسسة الدينية، فيما تشكل وعيه السياسي من معايشة الفلاحين الذين ينتجون الثروة وتنتقل ثمار عملهم إلى ملاك الأرض ورجال الكنيسة وجباة الملك.
لقد أدرك أن المجتمع الإقطاعي يعتمد على العنف المؤسس والقانون والضريبة، وبالقدر نفسه على تفسير أخلاقي يجعل تراتبية البشر مقبولة في وعي الخاضعين، فكانت الكنيسة تمنح الملك سلطةً مقدسة كظلّ لله في الأرض، وتقدم طاعة السيد الإقطاعي بوصفها فريضة، وتربط الفقر والصبر بالفضيلة، ثم تنقل رجاء الفلاح في الإنصاف إلى حياة أخرى متخيلة، ليتحوّل الدين إلى قوة مادية تدير المجتمع: تنظم سلوك الأفراد، وتعيد توجيه غضبهم، وتحمي توزيع الثروة والأوضاع القائمة بقوة ضمير المؤمن نفسه.
بلغ نقده ذروته عند تناوله الملكية الخاصة، التي رأى فيها مصدراً للتفاوت ووسيلة تتيح لفئة الاستحواذ على نتاج عمل فئة أخرى، فدعا إلى الحيازة المشتركة للثروة وإلى تعاون المنتجين في العمل، كما خاطب الفلاحين بوصفهم قوة قادرة على التوحد وانتزاع خيراتها من أصحاب الامتياز، مقدماً بذلك صيغة مبكرة لشيوعية زراعية خرجت من تجربة القرية الإقطاعية قبل ظهور المصنع الحديث والطبقة العاملة الصناعية.
«ماركسي قبل ماركس» استعارة تضيء جانباً من ميلييه أكثر مما تقدم تعريفاً مكتملاً له، فقد كشف الصلة بين الأفكار ومصالح القوى المسيطرة، وربط الهيمنة الدينية باستغلال العمل، بينما جاءت الماركسية في القرن التاسع عشر محملة بأدوات تحليلية لنمط الإنتاج الرأسمالي والتراكم وفائض القيمة والصراع الطبقي، وهي مفاهيم نشأت في عالم المصانع والأسواق الحديثة، خارج الأفق الاقتصادي الذي عرفه كاهن الأردين.
بعد وفاته الغامضة سنة 1729، تناقلت دوائر القراءة السرية نسخ مخطوطه إلى أن أصدر فولتير عام 1762 كتيباً بعنوان «مستخلص من آراء جان ميلييه»، الذي كان أقرب إلى عملية اختطاف فكري صريحة حُذف فيها أكثر من ثلاثة أرباع النص الأصلي المليء بالتحليلات المادية العميقة ونقد هياكل السلطة، وأعيد توجيهه نحو نقد خرافات الكنيسة وفساد رجال الدين حصراً، فيما حُجب جانب كبير من ماديته الملحدة، كما كل الفقرات التي تحرّض الفلاحين على الإضراب عن دفع الضرائب، وعصيان الأسياد، وتأسيس مجتمعات تعاونية تدير ثرواتها وتشترك في جني محاصيلها، ليعاد ترسيم الكاهن الثوري في النسخة الفولتيرية المزوّرة صاحب نزعة إصلاحية ناعمة تناسب مزاج صالونات مثقفي باريس التنويرية وتبتعد عن تهديد النظام الاجتماعي الذي تستند إليه امتيازات النخب الفاسدة.
ظلّت نصوصه حبيسة ذلك «التنوير» الانتقائي طوال مئة عام، ولم تتكرس صورته المكتملة كمنظّر مبكر للشيوعية المادية إلا حين تجرأ مفكرون أكثر راديكالية في أمستردام على نشرها كاملة ضمن ثلاث مجلدات (1864) حررها رودولف شارل، لتكتشف التيارات الاشتراكية والمادية مفكراً سبقها إلى الجمع بين تحرير الوعي وتحرير الثروة. اكتسب هذا الاعتراف طابعاً رمزياً سنة 1918، حين نُقش اسم ميلييه على مسلّة حديقة ألكسندر بجوار الكرملين في موسكو ضمن تسعة عشر اسماً اختارها البلاشفة الروس كرواد في تاريخ تحرّر العمال، ليخرج كاهن القرية من سجن تزوير التنوير لأفكاره، ويأخذ مكانه المستحق بين أسلاف النقد الاجتماعي الحديث.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
"الأخبار" اللبنانية – 12 أيلول 2026
*********************************
الصفحة الحادية عشر
جديد الناقدة د. نادية هناوي
على الرغم من ظروفها الصحية القاهرة التي قد تحول دون عطائها الثر المتواصل؛ اصدرت الناقدة المعروفة د. نادية هناوي كتابين جديدين هما:
• علوم السرديات ما بعد الكلاسيكية
• مناظير الثقافة/ مقالات في الادب والحياة/
الكتابان صدرا عن الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق 2026. ويعدان مرجعاً نقدياً بارزاً ومهماً، نظراً، لما تشغله د. نادية هناوي من حضور بارز في النقد الادبي العراقي والعربي راهناً.
وكانت الناقدة قد اصدرت من قبل عدداً من الكتب النقدية التي حظيت باهتمام الادباء والنقاد والقراء.
السلامة والعافية والامل المرتجى في عودة الناقدة د. نادية هناوي الى اغناء النقد الادبي بجديدها المتميز والرصين.
********************************
مئوية رواد الشعر العراقي: السياب والبياتي والحيدري: ثلاث طرق إلى القصيدة الحديثة.. الثلاثي الذي أشعل ثورة الشعر العراقي
د. ياس خضير البياتي
لم تكن ثورة الشعر العراقي في منتصف القرن العشرين انقلاباً على الوزن وحده، ولا مجرد انتقال من البيت الشعري إلى السطر الشعري. كانت الثورة أعمق من ذلك بكثير؛ كانت انقلاباً في طريقة النظر إلى الشعر، وإلى الإنسان، وإلى المدينة، وإلى الوطن، وإلى وظيفة الشاعر نفسه.
ومن بين الأصوات التي أسهمت في صناعة هذه اللحظة التاريخية يبرز ثلاثة شعراء ولدوا في العام نفسه تقريباً، وعاشوا المناخ الثقافي والسياسي المضطرب نفسه، لكن كل واحد منهم اختار طريقاً مختلفاً في صناعة القصيدة الجديدة: بدر شاكر السياب، عبد الوهاب البياتي، بلند الحيدري.
ولذلك فإن جمعهم في مهرجان واحد ليس جمعاً لأسماء متجاورة في تاريخ الشعر، وإنما استعادة لثلاثة مسارات أساسية في الثورة الشعرية العراقية.
لكن السؤال النقدي الحقيقي ليس: من كان الأول؟
بل: ماذا فعل كل واحد منهم لكي يتغير الشعر العراقي؟
بلند الحيدري: الرائد الذي سبق زمنه
بلند الحيدري هو ذلك الصوت الذي خرج من قلب بغداد ليعلن أن الشعر ليس مجرد وزنٍ وقافية، بل هو ارتجافة إنسانٍ مأزوم، وصرخة مدينةٍ تختنق، وقلق وجودي يتسلل إلى كل كلمة. لم يكن شاعرًا يكتب ليُسجَّل اسمه في قائمة الرواد، بل كان يكتب ليكسر جدار الصمت، وليفتح نافذةً على الذات وهي تواجه غربتها الداخلية.
منذ ديوانه الأول "خفقة الطين" عام 1946، بدا الحيدري وكأنه يسبق زمنه؛ قصائده لم تكن مجرد محاولة في كسر العمود الشعري، بل كانت محاولة في كسر العمود النفسي للإنسان العربي الذي وجد نفسه بين سلطةٍ قاسية ومدينةٍ متوحشة واغترابٍ لا ينتهي. في دواوينه اللاحقة – أغاني المدينة الميتة، خطوات في الغربة، رحلة الحروف الصفر – ظل يبحث عن لغةٍ جديدة، لغةٍ لا تكتفي بالصور البلاغية، بل تُحاول أن تُعيد تشكيل علاقة الإنسان بالعالم، وأن تُحوّل القصيدة إلى مرآةٍ للقلق والتمرد والبحث عن الخلاص.
وإذا كان السياب قد جعل من الأسطورة والقرية العراقية مادةً لحداثته، والبياتي قد جعل من الثورة والمنفى والرمز فضاءً شعريًا، فإن بلند الحيدري اختار طريقًا ثالثًا: طريق الذات الممزقة، والمدينة الموحشة، والإنسان الذي يكتب من قلب الغربة. لقد كانت ثورته ثورة الداخل، ثورة الروح الباحثة عن معنى، لا ثورة الوزن وحده ولا ثورة الرمز السياسي فقط.
ومع ذلك، فقد ظلمته بعض القراءات النقدية حين اختزلت الريادة في أسماء محددة، وتناست أن الحيدري كان من أوائل الذين فتحوا الباب أمام القصيدة الحديثة في العراق. لكن من يتأمل مسيرته يدرك أنه لم يكن حادثةً عابرة، بل كان شاعرًا أصيلًا ظلّ يكتب من قلب الجرح، ويحوّل الشعر إلى شهادةٍ على قلق الإنسان في زمنٍ مضطرب.
إن بلند الحيدري هو الطريق الثالث في ثورة الشعر العراقي: طريق الذات والاغتراب والمدينة، الطريق الذي جعل من القصيدة الحديثة مرآةً للإنسان الممزق، وصوتًا يسبق زمنه، ويظل حاضرًا في كل محاولة لإعادة تعريف الشعر والإنسان والوطن.
السياب: الذي حوّل الثورة الشكلية إلى ثورة شعرية
إذا كان بلند الحيدري من أوائل الذين طرقوا باب القصيدة الجديدة، فإن بدر شاكر السياب هو الشاعر الذي جعل هذا الباب يؤدي إلى عالم شعري كامل، وهنا تكمن عظمته. السياب لم يكتفِ باستخدام التفعيلة بديلاً عن نظام البيت التقليدي، بل غيّر البنية الداخلية للقصيدة، فجعل السطر الشعري قابلاً للامتداد والانقطاع، وأدخل الإيقاع في حركة المعنى، وفتح القصيدة على السرد والحوار والرمز والأسطورة والمشهد.
لكن ما يميز السياب أكثر هو أنه لم يتعامل مع الشعر بوصفه مجرد فن جمالي، بل بوصفه وسيلة لإعادة صياغة الوعي الجمعي. لقد جعل من القصيدة العراقية مختبرًا للتجريب، حيث تتجاور الأصوات الفردية مع الهمّ الوطني، وحيث يتحول المرض الشخصي إلى استعارة عن جسد العراق، والمنفى الفردي إلى صورة عن اغتراب الأمة. بهذا المعنى، كان السياب شاعرًا يكتب من قلب التجربة الفردية، لكنه يوسّعها لتصبح تجربة إنسانية عامة.
الأهم أن السياب أعاد اكتشاف العراق شعريًا؛ فالعراق عنده ليس مجرد اسم جغرافي، بل هو القرية والنخيل وشط العرب والمطر والفقر والمرض والأم والحب والمنفى والموت. في أنشودة المطر يبلغ هذا التحول ذروته؛ فالمطر لا يعود ظاهرة طبيعية، بل يتحول إلى رمز مركب للخصب والخلاص والألم والانتظار، بل إلى صورة للعراق نفسه. وهنا انتقلت القصيدة العراقية من وصف الواقع إلى إعادة خلق الواقع بالرمز، لتصبح القصيدة فضاءً رمزيًا قادرًا على احتضان التاريخ والأسطورة والوجدان الجمعي.
السياب كان أكثر الثلاثة قدرة على الجمع بين الخاص والعام؛ مرضه لم يكن مرض فرد فقط، وحزنه لم يكن حزنًا شخصيًا فقط، والمنفى لم يكن مجرد تجربة سياسية، بل تحوّل كل ذلك في قصيدته إلى تجربة إنسانية واسعة. هذه هي النقلة الكبرى التي أحدثها السياب: حوّل التفعيلة من تقنية شعرية إلى رؤية للعالم، وأثبت أن القصيدة الجديدة تستطيع أن تكون أكثر عمقًا ودرامية واتساعًا من القصيدة التقليدية، من دون أن تفقد موسيقاها.
إنه بهذا المعنى لم يكن مجرد رائد للشعر الحر، بل كان المؤسس الحقيقي لحداثة شعرية عراقية وعربية، حداثة جعلت من القصيدة فضاءً رحبًا للرمز والدراما والإنسان، وأعادت للشعر وظيفته الكبرى: أن يكون مرآةً للوجود، وصوتًا للإنسان في مواجهة الزمن والموت والمنفى. لقد كان السياب شاعر التحولات الكبرى، الذي حوّل الثورة الشكلية إلى ثورة شعرية، وأرسى دعائم القصيدة الحديثة بوصفها نصًا قادرًا على أن يوازي الرواية والمسرح في طاقته الدرامية، وأن يظل حيًا في الذاكرة الشعرية العربية حتى اليوم.
البياتي: ثورة المنفى والتاريخ
عبد الوهاب البياتي هو الشاعر الذي جعل من القصيدة العراقية جواز سفر إلى العالم، وحوّل الشعر الحر من ثورة شكلية إلى ثورة إنسانية كونية. إذا كان السياب قد أعاد اكتشاف العراق شعريًا، فإن البياتي أعاد اكتشاف الإنسان والتاريخ عبر القصيدة، وجعل من الشعر فضاءً يتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية.
المنفى عند البياتي لم يكن مجرد تجربة شخصية أو ظرف سياسي، بل أصبح مكوّنًا شعريًا أصيلًا. لقد كتب من بيروت ودمشق والقاهرة وموسكو ومدن أخرى، وجعل من الغربة مادةً للقصيدة، حيث يتحول المنفي إلى رمز للإنسان الباحث عن الحرية، والمدينة الغريبة إلى مرآة للاغتراب الكوني. بهذا المعنى، المنفى عنده ليس مكانًا، بل حالة وجودية تتكرر في نصوصه، وتمنحها طابعًا عالميًا.
البياتي لم يستخدم الرمز كزينة بلاغية، بل كأداة للتعبير عن القضايا الكبرى. عنده المتنبي والحلاج وعبد القادر الجيلاني ولوركا والمناضل والعاشق والشاعر؛ كلهم يتحولون إلى أقنعة داخل النص، ليصبح الشعر مسرحًا رمزيًا عالميًا. وإذا كان السياب قد جعل الأسطورة وسيلة لإعادة قراءة العراق، فإن البياتي جعلها وسيلة لإعادة قراءة الإنسان والتاريخ. وهنا تكمن عالمية تجربته، حيث تتجاور الرموز الصوفية مع الرموز الثورية، ليصوغ نصًا قادرًا على احتضان الماضي والحاضر معًا.
قصيدة البياتي تتسم بالانفتاح على السرد والحوار، لكنها تحتفظ بقدرتها على التكثيف الرمزي. الإيقاع عنده ليس مجرد موسيقى، بل حركة داخلية تعكس توتر المنفى والبحث عن الحرية. لغته مباشرة أحيانًا، لكنها مشبعة بالرموز، مما يجعلها قادرة على الجمع بين الخطاب السياسي والعمق الشعري.
هو شاعر ملتزم، لكن التزامه لم يكن محليًا فقط، بل عالميًا. لقد جعل من القصيدة العراقية نصًا يتحدث عن الحرية والعدالة والاغتراب الإنساني في كل مكان. أعماله الكاملة، التي صدرت في ثلاثة أجزاء، تكشف عن شاعر ظلّ وفيًا لقضايا الإنسان حتى رحيله عام 1999، شاعرًا يرى أن الشعر ليس انعزالًا، بل مشاركة في التاريخ والوجود.
إن تجربة عبد الوهاب البياتي تمثل الوجه العالمي للحداثة الشعرية العراقية. لقد حرر القصيدة من حدود المكان، وجعلها نصًا إنسانيًا يتجاوز الجغرافيا، ويحتضن الرموز الصوفية والثورية، ويحوّل المنفى إلى عنصر بنيوي. بهذا المعنى، البياتي هو الشاعر الذي حمل الثورة الشعرية العراقية إلى العالم، وأثبت أن القصيدة الحديثة يمكن أن تكون نصًا كونيًا، يتحدث عن الإنسان في كل زمان ومكان.
ثلاثة شعراء... وثلاثة مفاهيم للثورة
تُعدّ ثورة الشعر العراقي في منتصف القرن العشرين لحظة تأسيسية في الثقافة العربية الحديثة، إذ لم تكن مجرد انقلاب على الوزن أو انتقال من البيت الشعري إلى السطر الشعري، بل كانت ثورة في الرؤية والوعي والوظيفة. وقد تجسدت هذه الثورة في ثلاثية شعرية بارزة: بدر شاكر السياب، عبد الوهاب البياتي، بلند الحيدري. كل واحد منهم فتح أفقًا مختلفًا للقصيدة الحديثة، وأسهم في صياغة مفهوم جديد للشعر والشاعر.
الحيدري كان الرائد الذي سبق زمنه بديوانه خفقة الطين (1946)، حيث ظهرت ملامح قصيدة تتجاوز البناء التقليدي. لكنه لم يكتفِ بالأسبقية الزمنية، بل حمل روحًا متمردة على الشكل والواقع معًا. قصيدته تنبع من قلق الإنسان واغترابه، ومن إحساس داخلي بالتمرد على المدينة والسلطة. في دواوينه اللاحقة مثل أغاني المدينة الميتة وخطوات في الغربة، ظل يبحث عن لغة جديدة تحتضن القلق الداخلي وتحوّل الشعر إلى شهادة وجودية. ثورته كانت ثورة الذات الباحثة عن خلاصها، وهو ما يميّزه عن زميليه.
السياب هو الذي حوّل الثورة الشكلية إلى ثورة شعرية كاملة. لم يكتفِ بكسر العمود، بل أعاد بناء القصيدة من الداخل، فجعل الإيقاع جزءًا من حركة المعنى، وفتح النص على السرد والرمز والأسطورة. في أنشودة المطر بلغ هذا التحول ذروته، حيث تحوّل المطر إلى رمز مركب للخصب والخلاص والألم والانتظار، بل إلى صورة للعراق نفسه. السياب جمع بين الخاص والعام، فجعل مرضه وحزنه ومنفاه تجارب إنسانية واسعة، وأثبت أن الشعر الحر ليس مجرد تقنية، بل رؤية للعالم.
أما البياتي فقد أخذ القصيدة في اتجاه ثالث، حيث حررها من حدود المكان، وجعلها نصًا عالميًا. ارتبط شعره منذ بداياته بالأسئلة السياسية والاجتماعية، ثم اتسع مع المنفى والسفر والاحتكاك بالثقافات المختلفة. عنده المتنبي والحلاج ولوركا والمناضل والمنفي؛ كلهم يتحولون إلى أقنعة داخل النص. الرمز عنده ليس زينة بلاغية، بل لغة بديلة للتعبير عن السياسة والتاريخ والمنفى والحرية. لقد جعل من المنفى عنصرًا بنيويًا، ومن الثورة أفقًا إنسانيًا، وحوّل القصيدة العراقية إلى نص عالمي يتحدث عن الإنسان في كل مكان.
المقارنة النقدية
حين نقف أمام الثلاثي الشعري المؤسس: بلند الحيدري، بدر شاكر السياب، عبد الوهاب البياتي، ندرك أن كل واحد منهم لم يكن مجرد شاعر يكتب قصيدة جديدة، بل كان ثائرًا يفتح أفقًا مختلفًا للشعر العراقي الحديث.
الحيدري هو شاعر القلق والاغتراب. قصيدته تنبع من الداخل الممزق، من الذات التي تواجه وحدتها في مدينةٍ تتحول إلى متاهة. لغته وجودية قلقة، تبحث عن خلاص الإنسان الفرد، وتحوّل الشعر إلى شهادة على هشاشة الكائن. لقد فتح الباب أمام القصيدة الجديدة، لكنه ظل وفيًا لثورة الداخل، ثورة الروح الباحثة عن معنى في عالمٍ مضطرب.
السياب هو الذي حوّل الثورة الشكلية إلى ثورة شعرية كاملة. لم يكتفِ بكسر العمود، بل أعاد بناء القصيدة من الداخل، وجعل الإيقاع جزءًا من حركة المعنى. في أنشودة المطر، بلغ هذا التحول ذروته؛ حيث تحوّل المطر إلى رمز مركب للخصب والخلاص والألم والانتظار، بل إلى صورة للعراق نفسه. لغته رمزية ملحمية، تجمع بين الخاص والعام، بين المرض الفردي والتجربة الإنسانية الواسعة. لقد أسس البيت الجديد للقصيدة، وأثبت أن الشعر الحر ليس مجرد تقنية، بل رؤية للعالم.
أما البياتي فقد جعل من القصيدة العراقية نصًا عالميًا، حيث المنفى ليس مجرد مكان إقامة، بل عنصر بنيوي في تجربته الشعرية. قصيدته خطابية رمزية، تحتضن التاريخ والأسطورة والشخصيات الصوفية والثورية، وتحوّلها إلى أقنعة داخل النص. لقد وسّع البيت الشعري حتى صار فضاءً عربيًا وإنسانيًا، وجعل من القصيدة العراقية جسرًا بين الشرق والغرب، بين التراث والحداثة، بين المنفى والوطن.
كل واحد منهم غيّر شيئًا مختلفًا: الحيدري فتح الباب، السياب أسس البيت، البياتي وسّع البيت حتى صار فضاءً عالميًا.
أكبر خطأ في قراءة تجربتهم هو اختزالها في عبارة "الشعر الحر". فلو كان الأمر مجرد تغيير في عدد التفعيلات، لما بقيت تجربتهم حية حتى اليوم. لقد غيّر هؤلاء الثلاثة مفهوم الشاعر نفسه: لم يعد مجرد حافظ للتراث، بل أصبح شاهدًا على عصره، متمردًا عليه، منفياً أحيانًا، محاورًا للتاريخ، مكتشفًا لذاته. أصبح الشعر قادرًا على أن يحمل المرض والحب والفقر والسياسة والمنفى والأسطورة والموت في قصيدة واحدة. وهذا هو جوهر الثورة.
الخاتمة
قراءة هذا الثلاثي اليوم تعني إعادة قراءة لحظة تأسيسية في الثقافة العراقية. خرجوا من بيئة واحدة تقريبًا، لكنهم لم يذهبوا إلى المكان نفسه: الحيدري نحو الاغتراب الداخلي، السياب نحو العراق والأسطورة والوجود، البياتي نحو المنفى والثورة والكون. ثلاث مسارات، لكنها تصب في نهر واحد: تحرير الشعر العراقي من القالب الجاهز، وتحويله إلى مساحة حرة لاكتشاف الإنسان والعالم.
إن تكريم بلند الحيدري، بدر شاكر السياب، عبد الوهاب البياتي في مئوية الرواد من قبل اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين ليس مجرد احتفاء بأسماء مضت، بل هو استعادة للحظة تأسيسية في الثقافة العراقية والعربية، اللحظة التي غيّرت وجه الشعر وأعادت تعريفه بوصفه فعلًا وجوديًا وثقافيًا. لقد كان السؤال يومها: كيف نكتب قصيدة جديدة؟، أما السؤال الذي تركوه لنا فهو أكثر خطورة وإلحاحًا: ماذا نفعل بالحرية التي منحونا إياها؟
هذه الحرية ليست مجرد حرية شكلية في كسر الوزن، بل حرية الرؤية، حرية أن يكون الشاعر شاهدًا ومتمردًا ومنفيًا ومكتشفًا لذاته، حرية أن يحمل الشعر في نص واحد المرض والحب والفقر والسياسة والمنفى والأسطورة والموت. إنها الحرية التي جعلت الشعر العراقي يقول شيئًا جديدًا للعرب جميعًا، الحرية التي حوّلت القصيدة إلى فضاء مفتوح على الإنسان والعالم.
واليوم، في مئوية الرواد، لا نحتفل بذكراهم فقط، بل نواجه مسؤولية جديدة: أن نعيد طرح السؤال الذي تركوه لنا، وأن نثبت أن الحرية التي منحونا إياها ليست عبئًا، بل فرصة لإعادة ابتكار الشعر مرة أخرى، ليظل صوتًا للإنسان في مواجهة الزمن، وصرخةً في وجه العزلة، ونافذةً نحو المستقبل.
*****************************
الريادة الشعرية واستراتيجيات الأمن الثقافي
علي حسن الفواز
يظل حديث الريادة الثقافية مثار جدل مفتوح، ومجالَ مراجعة نقدية وتاريخية، الا أن حيويته تكمن في تجدد مسؤولية الحوار، وفي جعل الريادة حافزًا للتعرف على التاريخ ذاته، وعلى اهمية ما تركه الرواد من أثرٍ ومن زمنٍ ثقافي مازال يحفل بكثير من الحيوية والجدة، وبتحفيز الاجيال اللاحقة على الدرس والتعلم والمراجعة، على اساس أن الظاهرة الثقافية هي ظاهرة تاريخية، وأن اهميتها والكشف عما فيها من انساق ثقافية يرتهن الى فاعلية المراجعة النقدية، والى اضاءة الخطوات التي صنعت الطريق للآخرين.
احتفاء الوسط الثقافي العراقي بـ "مئوية الرواد" من شعراء الحداثة – بدر شاكر السياب، عبد الوهاب البياتي، بلند الحيري- يؤكد هذا التلازم بين التاريخي والنقدي، فبقدر ما أن المناسبة ذات طابع زمني ارتبط بولادتهم في عام 1926، إلا أن حيوية الاهتمام بها، وعبر طيبة لجهات مدنية ورسمية تعاونت مع الاتحاد العام للأدباء وبمشاركة عربية ومحلية، هو الذي اعطاءها هذه المساحة التي جمعت بين الشعر والنقد، وبين الاجيال الثقافية المتعددة التي تحتفي بقيم التجدد والتواصل والانفتاح على فضاءات شعرية جديدة..
تنوع القراءات، والاجراءات النقدية التي عمد اليها الباحثون في اوراقهم يؤشر مدى الاهمية التي تحملها الريادة كسؤال ثقافي، وكعتبة تاريخية، وعلى نحوٍ بدا فيه فحص الظاهرة وكأنه مدخل مهم للتعاطي مع كل التحولات الفارقة التي حدثت في واقع الشعر العربي والعراقي بشكل خاص، على مستوى بناء الأنموذج الشعري الجديد، واشتباكه الغامض مع مفهوم "الشعر الحر" وكذلك على مستوى خصوصية هؤلاء الشعراء الثلاثة الذين كانوا جزءا من تاريخ التحول السياسي في العراق، لأن التجديد في الشعر لم يكن عابرًا، بقدر ما كان تمثيلًا لفكرة التقدم والحرية، فضلًا عن كونه وجهًا آخر للتغييرات الشعرية التي حدثت في العالم ما بعد الحرب العالمية الثانية وانتصار قوى الحرية والديمقراطية على الفاشية والنازية..
ما يجعل هذا الاحتفاء المئوي لشعراء الريادة مهما، هو البحث في اسئلة التجاوز الشعري، وفي دراسة هذا التجاوز نقديًا، لأن الريادة التي بدأت في منتصف القرن الماضي تحولت الى "ثورة ثقافية" فأثارت حولها جدلًا، توزع بين القبول بها، وبين الرفض لها، بوصفها تمردًا على "مكانة التاريخ الشعري" مثلما تحولت الى باعث لتجديد ادوات الدرس النقدي، والنظر الى الشعر بوصفه "تاريخًا" وليس "نصًا" ثابتًا في بنائه وفي سحر ذاكرته..
تجديد التاريخ يعني فحصه، وأن فتح صناديقه القديمة يعني الكشف عن قوة المعرفة وهي تصنع أفقًا جديدًا لوعي هذا التاريخ، وجعل الشعراء جزءًا من زمنهم الثقافي، ومن اسئلته وتحولاته، وهو ما حدث فعلًا، إذ برز الشعراء الرواد كممثلين لوعي جديد، ولمواقف وطنية ذات منزع ثوري، حتى وإن كانوا رومانسيين، إلا أن هذه الرومانسية لم تكن عائمة، بل كانت تحمل معها كثيرًا من الهواجس الاجتماعية، ومن قيم الثورة الاجتماعية، والوعي السياسي والثوري الرافض للاستعمار والاستبداد، والشغوف بإثارة اسئلة الحرية والديمقراطية وبناء الوطن السعيد.
ما يميّز اهمية الاحتفاء هو التقليد الذي بات مُكرّسًا في وسطنا الثقافي، فقبل ثلاث سنوات تم الاحتفاء بمئوية الشاعرة الرائدة نازك الملائكة، وبمشاركة عربية ومحلية كبيرة، فضلا عن مشاركة منظمة اليونسكو فيها، ترميزًا لفاعلية المرأة العراقية، وجدة ريادتها الثقافية عربيًا ودوليًا، وهذا ما يدعونا الى ضرورة اعطاء "الملف الثقافي" اهمية الكبير في بناء الدولة العراقية الجديدة، على مستوى تبني مشروع وطني وستراتيجية ثقافية واضحة وفاعلة، والعمل على تعزيز برامجها في توسيع مساحات التنمية الثقافية والأمن الثقافي، وعلى نحو يجعل من الثقافة رافدا مهما في تعزيز البناء الديمقراطي والتعايش الخلاق بين مكونات الشعب العراقي، واعطاء الرموز الثقافية في المجالات المتعددة عنوانين لامعة، على مستوى التعريف بهم في تاريخ العراق، وعلى مستوى ايجاد البيئات المناسبة التي تؤطر التواصل الثقافي، فضلا عن ربط الملف الثقافي بتخصيصات الموازنة العامة، لأن دعم الثقافة يعني دعم ستراتيجية الأمن الثقافي والتعليم الثقافي، وأنسنة الهويات العراقية تحت يافطة الهوية الوطنية الجامعة التي تحمي مسارات البناء وخيارات الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمشاركة الوطنية الواسعة..
***********************************
الصفحة الثانية عشر
في ذكرى ميلاد السيّاب والبياتي والحيدري اختتام فعاليات {مهرجان مئوية الروّاد}
متابعة – طريق الشعب
اختُتمت مساء أمس السبت، فعاليات مهرجان مئوية الروّاد (السيّاب – البياتي – بلند الحيدري) 1926 – 2026"، والتي أقيمت على مدى ثلاثة أيام، احتفاءً بمرور مئة عام على ميلاد الشعراء الروّاد الثلاثة بدر شاكر السيّاب، وعبد الوهاب البياتي، وبلند الحيدري.
وافتُتح المهرجان، الذي كان برعاية رئيس الوزراء، وبدعم من رابطة المصارف العراقية، وبالتعاون مع وزارة الثقافة والاتحاد العام للأدباء والكتاب، يوم الخميس الماضي وعلى مسرح الرشيد، وسط حضور رسمي وثقافي وأدبي كبير، حيث شهدت الجلسة الأولى قراءة قصائد ممسرحة للروّاد، من قبل عدد من الفنانين. ثم ألقى المستشار الثقافي لرئيس الوزراء ورئيس الاتحاد العام للأدباء والكتاب، د. عارف الساعدي، كلمة قال فيها إن الشعراء الروّاد الثلاثة "حملوا أرواحهم وأحلامهم وأسئلتهم إلى القصيدة العربية في لحظة تاريخية فارقة في ذاكرة العالم كله، وليس المنطقة"، مضيفًا أن هؤلاء الشعراء فكّروا بمنطق شعري مختلف عن الأسلاف.
بعدها جاءت كلمة وكيل وزارة الثقافة، د. فاضل البدراني، وكلمة بأسم عائلة الشاعر السياب ألقتها ابنته آلاء بدر، وكلمة باسم عائلة الشاعر البياتي، ألقتها حفيدته الصحفية سمية جوهر. وتواصلت الكلمات بعدها، ومنها كلمة باسم اتحاد الأدباء ألقاها نائب الأمين العام، الناقد علي الفواز، وقال فيها إن الشعراء الروّاد مثّلوا "منعطفًا مهمًّا وفارقًا على مستوى القصيدة العربية".
وفي سياق الحفل، قدّمت الفرقة الوطنية للتراث الموسيقي مجموعة من القصائد المغنّاة، لينتقل المهرجان إلى واحة الشعر، بقراءات شعرية لكل من الشعراء كاظم الحجاج، واللبناني جودت فخر الدين، وعلي العلاق، والسوري عبد القادر الحصني، قبل أن يُختتم الحفل بأغانٍ تراثية أدّتها الفرقة الوطنية للتراث الموسيقي.
أما اليوم الثاني، الجمعة، فقد انطلقت فعالياته في الساعة العاشرة صباحًا بجلسة نقدية عن الشاعر الحيدري، احتضنها مضيف القصب في مبنى "اقرأ تاون"، وشارك فيها عدد من النقاد. تلتها مباشرة جلسة نقدية عن الشاعر البياتي.
وفي عصر اليوم نفسه، شهد مبنى المتصرفية في زقاق السراي جلسة قراءات شعرية شارك فيها عدد من الشعراء. أعقبتها جلسة مماثلة عُقدت في قاعة الجواهري بمقر اتحاد الأدباء.
وشهد حفل الختام في صباح السبت جلسة نقدية عن الشاعر السيّاب، عُقدت في مضيف القصب بمبنى "اقرأ تاون" في شارع المتنبي وجلسة قراءات شعرية احتضنها مبنى المتصرفية في زقاق السراي بشارع المتنبي وساهم فيها عدد من الشعراء من بغداد والمحافظات، ثم جلسة شعرية في قاعة الجواهري بمبنى الاتحاد العام للأدباء والكتاب.
********************************
التشكيلية المغتربة أشنا أحمد.. لا أعرف اليأس وطموحاتي ليس لها حدود
حاورها: محمد الكحط
وُلدت الفنانة التشكيلية أشنا أحمد دولت عام 1969 في بغداد، وسط عائلة سياسية. وفي عمر الثالثة، عادت مع عائلتها إلى مدينتها السليمانية، وهناك درست المرحلة الابتدائية، وفي ذلك الوقت شخّصت إحدى المعلمات امتلاكها قدرات فنية. وفي المرحلة المتوسطة، كانت معلمة الجغرافيا تطلب منها رسم خرائط الدول التي تُدرّس ضمن المنهج. وكذلك كانت معلمة العلوم تطلب منها رسم الأجهزة العلمية، ما شكّل تشجيعًا لها دفعها إلى المضي في تطوير موهبتها.
في حوار أجرته معها "طريق الشعب"، قالت أشنا إنها في البداية كانت تحاول تقليد رسوم ابن خالتها الفنان هيره ش. وبعد تخرجها في المتوسطة، حالفها الحظ لتُقبل في معهد الفنون الجميلة في السليمانية، رغم صعوبة القبول فيه، حيث يخضع المتقدمون إليه لامتحان خاص.
وأضافت أن السنوات الخمس في المعهد كانت حافلة بالدراسة والفن، حيث ساهمت في المعارض السنوية المشتركة التي يقيمها قسمها، مستذكرة أساتذتها، ومنهم كردو حمه علي، وعلي جولا، وبختيار، وهيوا عزيز، وخوشي سيروان.
وأشارت إلى أنها بعد التخرج بدأت مرحلة العطاء الفني، عبر تطبيق ما اكتسبته خلال الدراسة، حيث امتهنت تعليم مادة الفن في مدينة رانية، ثم انتقلت إلى تعليم الرسم في السليمانية.
وتحدثت أشنا عن انتقالها إلى السويد عام 1994، إذ بدأت هناك مرحلة فنية جديدة. ففي خضم معاناة الغربة والمشكلات الاقتصادية، صارت ترسم بكثرة. وسرعان ما عرفت معلمة اللغة السويدية التي كانت تدرّسها توجهها الفني، ما دفعها إلى إيصالها إلى بعض وسائل الإعلام السويدية، فأجرت لقاءات معها.
وعن أول معرض شخصي لها في السويد، قالت أشنا: "عرضت فيه حوالي 15 لوحة، نالت إعجاب السويديين، ووقتها جاء صحفيون واطلعوا على أعمالي ووجدوا أني تناولت فيها العراق وهمومه وفراق الوطن وحب الأم والأهل، ما ساعد على تعييني سنة 1996 مساعدة لمدرّس الفن في المدرسة الفنية"، مضيفة أنها خلال عملها في المدرسة نفذت خمس لوحات لمناظر طبيعية كانت تشاهدها من شباك المدرسة، وقد أُعجب المدرّس باللوحات، خاصة أنها مُنجزة من فنانة أجنبية.
وأشارت إلى أنها أقامت بعدها معارض شخصية عدة، وشاركت في أخرى جماعية. وعندما تأسست جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين في السويد سنة 1999، ساهمت في معظم معارضها السنوية. فيما لفتت إلى أنها أقامت عام 2009 في ستوكهولم أكبر معرض شخصي لها، عرضت فيه 84 لوحة، حصيلة ما أنجزته من أعمال منذ عام 1995 حتى 2009.
وأكدت أن "السويديين أعجبوا بأعمالي. فقد بعت في المعرض 22 لوحة، ووقتها شعرت بالزهو وازدادت ثقتي في نفسي، لأنطلق بعدها في معارض شخصية أقمتها في مدن عدة، ما ساهم في توطيد علاقتي مع منظمة "تالوس أرت"، وهي منظمة تدعم الأطفال الفقراء".
وتابعت قائلة: "عام 2011 دُعيت إلى معرض في الهند، وهناك تعرّفت على العديد من الفنانين الكبار. وكان من شروط المساهمة تنفيذ لوحتين أمام الجمهور، يذهب ريعهما إلى الأطفال الفقراء".
وأصيبت أشنا بمرض في العظام والمفاصل، أوقفها فترة طويلة عن مزاولة الفن، لكنها واصلت الدراسة وحصلت على شهادة الهندسة المدنية. وبعد سنوات من العلاج، تعافت وعادت إلى وضعها الطبيعي، وأصرّت على التشبث بالحياة والإبداع.
وكان آخر نشاطاتها مشاركتها، مع نخبة من الفنانات المنضمات إلى جمعية التشكيليين، في معرض مشترك عراقي – سويدي، أقامته وزارة الثقافة الألمانية في آب الماضي، ضمن فعاليات المخيم الفني الدولي، التي يشارك فيها فنانون من مختلف الدول.
ورغم ما مرّت به من مصاعب خلال مسيرتها الحياتية والفنية، تقول أشنا: "لا أعرف اليأس وطموحاتي ليس لها حدود".
******************************
معاً لبناء بيت الحزب.. بيت الشعب
دعماً للحملة الوطنية لبناء مقر الحزب الشيوعي العراقي، تبرع الرفاق والأصدقاء:
• يحيى طربال مليون دينار
• علي عبد المجيد السعيدي 400 الف دينار
• سليم بطرس جمعة 150 الف دينار
• نايف عبد الله نايف 100 الف دينار
الشكر والتقدير للرفاق والأصدقاء على دعمهم واسنادهم حملة الحزب لبناء مقره المركزي في بغداد.
معاً حتى يكتمل بناء بيت الشيوعيين.. بيت العراقيين.
***********************************
{جيكور} يناقش الجدوى من معارض الكتاب المجانية
البصرة – طريق الشعب
ضيّف "ملتقى جيكور" الثقافي في البصرة، أخيرًا، الأديبين جاسم محمد حسن، رئيس "مؤسسة ثغر الفيحاء" للثقافة والإعلام، وعلاء المرقب، نائب رئيس المؤسسة، في جلسة ثقافية بعنوان (الجدوى من إقامة معرض الكتاب المجاني ( ثورة الورق). الجلسة التي احتضنتها "قاعة الشهيد هندال"» في مقر اللجنة المحلية للحزب الشيوعي العراقي في البصرة، حضرها جمع من المثقفين والأدباء، وأدارها رئيس "ملتقى جيكور"، الشاعر والإعلامي عبد السادة البصري، مشيرًا في مستهل حديثه إلى أهمية الكتاب ودور المعارض في تعزيز حضوره وإيصاله إلى شرائح متنوعة من المجتمع، ومنها المجتمع البصري.
بعدها تحدّث الضيفان عن تجربة مؤسستهما "ثغر الفيحاء" في إقامة معرض الكتاب المجاني لأكثر من أربع دورات، مستعرضين أهداف التجربة وما حققته من حضور بين القرّاء، وما يمكن أن تضيفه مثل هذه المبادرات إلى المشهد الثقافي المحلي.
من جانبها، قدّمت الصحفية نهال العنزي ورقة تناولت فيها موضوع الجلسة. أعقبها الشاعر علي حسين فضالة بقراءات شعرية. ثم قدّم الشاب حسان البصري وصلة غنائية.
وشهدت الجلسة نقاشات ومداخلات ساهم فيها عدد من الحاضرين، وركّزوا على أهمية الكتاب المجاني ودور المؤسسات الثقافية في إشاعة ثقافة القراءة.
فيما طرح البعض تساؤلات بشأن جدوى إقامة مثل هذه المعارض، فضلًا عن استمراريتها وقدرتها على الوصول إلى القارئ الحقيقي.
وفي الختام، قدّم "ملتقى جيكور" شهادتي تقدير إلى الأديبين جاسم محمد حسن وعلاء المرقب، تثمينًا لجهودهما في دعم النشاط الثقافي والمبادرات المرتبطة بالكتاب والقراءة.
******************************
قف.. المسؤول
عبد المنعم الأعسم
أشفقُ على "المسؤول" الذي يذكّرني بصدام حسين، أو بمن كان يتمثله في الوظيفة، سلوكا وكلاما وتعاملا مع المنصب والجمهور، وأشعر بالغثيان حين يتحدث ذلك المسؤول عن المظالم التي لحقته شخصيا جراء معارضته لصدام حسين، والتضحيات التي قدمها دفاعا عن العدالة التي كانت منتهكة، والضحايا الذين سقطوا من عائلته على يد سلطات ذلك العهد، وغدا كل ذلك مدعاة للسخط حيال أخلاقيات الوظيفة العامة، ومثارا للاستفزاز، بالنسبة لي، كلما أراجع دائرة حكومية، بل صرتُ أهزأ من تكرار القول إن ابن خلدون رصد كيف يحاول الضحية أن يتمثل سلوك جلاده، فإن للكثير من الجلادين والطغاة فضائل، ولو صغيرة، مسجلة لهم مثل الظهور بمظهر "المبتسم السعيد" فلماذا لا يتمثل أصحابنا المسؤولون هذه الفضيلة، على الأقل.
لا يعنيني الآن إجراء المقارنة، او المماثلة، أو التشبيه بين مسؤولنا الجديد والنموذج الصدامي المتعالي، إنما يعنيني حالي، وحال جيل من أبناء قضية الحرية، نحن الذين كنا ضحايا "مسؤول قديم" أدار طاحونة الإذلال والعنجهية والجور في دمائنا، و"مسؤول جديد" يدير تلك الطاحونة عن قصد أو من دونه.
*قالوا:
"أقلُّ صدودي أنني لك مُبغضٌ/
وأيسرُ هجري أنني عنك راحلُ"
المعري
************************
عدد جديد من {النصير الشيوعي}
عن رابطة الأنصار الشيوعيين العراقيين، صدر أخيرًا العدد (51)، تشرين الأول 2026، من جريدة "النصير الشيوعي". ضمّ العدد أخبارًا وتقارير عن نشاطات الرابطة في العراق والخارج، وكتابات عن مسيرة الحركة الأنصارية وشهدائها، غطّت جميعها 12 صفحة ملوّنة.
*************************************
في مهرجان تورنتو ثلاثة أفلام عراقية توثّق حياة الأهوار
متابعة – طريق الشعب
شارك العراق في مهرجان تورنتو السينمائي بدورته الـ51، التي اختُتمت يوم 20 أيلول الفائت، بثلاثة أفلام وثائقية، هي «صوت الأهوار» و«ذاكرة القصب» و«طبيبة القصب».
وتجسّد الأفلام الثلاثة، التي عُرضت في سوق المهرجان، الحياة اليومية لسكان الأهوار، وما تواجهه المنطقة من تحديات مرتبطة بشحّ المياه والتغيرات المناخية.
وبحسب وكالات أنباء، فإن الأفلام العراقية ركّزت على الأهوار وما تحمله من حكايات الإنسان والماء والبيئة. فيما عادت ذاكرة حرب 2003 إلى الشاشة عبر عمل سينمائي أميركي، ما جعل العراق حاضرًا في المهرجان بوصفه مهدًا للحكاية، وذاكرة مفتوحة على أسئلة الإنسان والبيئة والحرب.
والأفلام الثلاثة من إخراج كريستيان أبي عبود، بينما تولّى إنتاجها أوميد خالد، ضمن مشروع (إنعاش الأهوار – إنعاش الأمل) التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق، والذي تنفذه (مؤسسة بابلون) للأفلام بتمويل من الحكومة الكندية.
ووفقًا لوكالات الأنباء، فإن المشاركة العراقية في المهرجان لم تكن مجرد عرض لأفلام أمام جمهور دولي، بل محاولة لتقديم حكايات الأهوار من الداخل، عبر قصص سكانها وذاكرتهم وعلاقتهم بالماء والقصب والطبيعة، في وقت تواجه فيه هذه البيئة الفريدة ضغوطًا متزايدة تهدد أنماط الحياة التي نشأت حولها لعقود طويلة.
ويفتح سوق المهرجان مساحة مختلفة عن العرض السينمائي التقليدي، حيث يتيح لصنّاع الأفلام والمؤسسات الثقافية والمنتجين بناء علاقات مع جهات دولية، وطرح مشاريعهم وقضاياهم أمام شبكة واسعة من العاملين في صناعة السينما، بحسب وكالات الأنباء.