(وكما بالنسبة لي، فأنا أفكر بما أفكر فيه دائما... الأدب.)
من رسالة لفلوبير الى أمه من مصر.
(تخل عن العقل من أجل الحب وسترى كل الأبدية في لحظة واحدة وجيزة.)
العطار-منطق الطير.
لقد كانت رواية أليف شافاك (توجد أنهار في السماء) حدثا أدبيا كبيرا والرواية الأكثر مبيعا في العام
2025 بحيث كان من الصعب تصور أن تكتب بعدها رواية أفضل منها، ولكن لحسن الحظ لم تأت (كل الأبدية في لحظة وجيزة واحدة
(مخيبة للآمال. إن القارئ يدخل أو لحظات الإنبهار التي لا تنتهي بمجرد قراءته لعناوين أقسامها(إذ لا يمكن اعتبار الرواية مقسمة الى فصول) وهذه الأقسام
الظل الأبيض، إيما، الجزء الأول ألوان الطفولة، الجزء الثاني ألوان المراهقة، الجزء الثالث ألوان الشباب، الجزء الرابع ألوان منتصف العمر، الجزء الخامس ألوان الشيخوخة، وأخير إيما أيضا، وكل جزء مقسم أيضا الى أقسام كل قسم له عنوان لون من الألوان التي تشكل بمجموعها حشدا من الألوان نضرب منها مثلا الجزء الأول (أصفر، أرجواني، قرنفل وردي، أخضر، زنجاري، أحمر، ماروني، أسود، أزرق).
ربما بدت مادة موضوع الرواية، حياة غوستاف فلوبير وهو أحد عظماء الصرح الأدبي الغربي، خروجا عن عالمية وملحمية رواياتها الأخيرة، ولكنها مفعمة بنكهة أسلوب شافاك والانسياق العاطفي لكتاباتها. تدور أحداثها المتألقة في القرن التاسع عشر، بدءا من طفولته الصعبة وحتى «موته المفاجئ بالصرع» الذي سُجل رسميا باعتباره سكتة دماغية في العام 1880 وهو في الثامنة والخمسين.
إنها رواية عن تكون روائي كان أكثر ابداعه شهرة هي البطلة المضادة المحبطة الشاعرة بالنقص في رواية 1857 (مدام بوفاري)، وهي أيضا قصة إنسانية عن المؤلف كشخص غير منسجم اجتماعيا، قصة عن فلوبير بطيء التعلم وحالم اليقظة الذي فشل في الطب وفي الدراسات القانونية، ولكن حياته أصلحت بشكل مثير بالأدب: « بينه وبين العالم نافذة زعفران يلون الحواف بتدرجه اللوني المبهر، يجعله يقاوم كثافة النور وعمق الظلال». ليس بمعنى أن حياته كانت سهلة بأية حال. إن سرد شافاك القصصي مليء بالدراما. ولد فلوبير في العام 1821، ليس في باريس بل في روين، حيث سيقضي كثيرا من حياته كمواطن ريفي، مثل شخصيته الشهيرة، إيما بوفاري. مع ذلك فإن فرنسا اضطربت اضطرابا عنيفا بوباء الكولير سنة 1832، وثورة 1848، والحرب الفرنسية-البروسية 1870-1871، وكانت الحياة اليومية وسط تلك الظروف الإستثنائية مليئة بالكفاح والاحداث. ماتت شقيقته كارولين وهي تلد، حالها حال أخريات، وقد ربى هو وأمه طفلها. لم يكن ممكنا شفاؤه من الزهري الذي أصيب به من معاشرة البغايا أثناء جولته الواسعة في الشرق الأوسط، وقد دمر صحته استخدام الزئبق علاجا له.
إن «التربة تكون حية فقط حين تُفتح بالشق». حتى الكتابة نفسها قد تكون بثمن غال. لقد كان معروفا عن فلوبير بأنه بطيء في العمل ويتجنب الإنزلاق الى الأساليب البلاغية في زمنه بل يسعى الى ما كان يسميه «الكلمة الصحيحة»، وقد يكون هذا الأسلوب الجراحي الأدبي راجعا في جانب ما الى نشأته إبناً لرئيس جراحين مستشفى روين حيث كانت عائلته تعيش أيضا، وحيث تكون أحداث الفصول الأولى للرواية، مفعمة بالحيوية ومليئة بالمرضى والجثث، ضحايا العنف السياسي والنهوض الصناعي. ولكن في الوقت الذي كان فيه فلوبير كاتبا بطيئا فإنه لم يكن محتاطا، فقد جره طبع (مدام بوفاري) الى المحاكمة «لتجاوزه على الدين والأخلاق»، وشكلت هذه المحاكمة أحداثا درامية أخرى في رواية شافاك. لقد بريء فلوبير في المحكمة، ولكن ليس عند الناس، وربما لحسن حظه أنه غادر باريس ليعيش مع أمه منذ عقد من الزمن. نعم لم يكن حذرا وقد أفاد من شهرته السيئة كما قال في رسالة الى كوليت «أثير شهوة حتى القارئ الأكثر برودا». كما لم يكن ناسكا انعزاليا، فقدرته على الصداقة الادبية تجلت بعضويته لنادي ماغني مع مؤلفين أمثال تورجنيف وبعلاقة رسائلية مع جورج صاند التي كانت المرأة الوحيدة في النادي وقد تبادل معها 400 رسالة كان هو التبادل الأكثر غنى بين كاتبين، وهو ما يقودنا الى لب مشروع شافاك الأدبي هذا. إن (كل الأبدية في لحظة وجيزة واحدة) هي بالضبط حكاية جيدة من قاصة كاملة الصفات، وهي كذلك استكشاف عميق للأواصر بين الكاتب وعمله، وبتعبير آخر هي نوع من السيرة الأدبية، في ختامها تعطي شافاك ملاحظة للقارئ جاعلة الرواية استكشافا ليس لأواصر فلوبير بعمله فقط بل كذلك استكشاف لحياتها الخاصة وعملها هي التي تعيش في عالم في أزمة دائمة يجعلها محبطة ومشرفة على الاستسلام. تخبرنا بأنها لجأت الى فلوبير لتستكشف كيف أن عظماء الكتاب أمثاله يمكنهم المواصلة في أزمنة صعبة: «كيف يمكن لنا أن نتمسك بالتفاؤل، والأمل، والجهد اليومي لمواصلة الخلق الفني... عندما تكون أحداث الحياة أكثير الحاحا بكثير؟».
إن السيرة الأدبية، بكلمة أخرى، مهمة لأنها تمنحنا رؤية للكيفية التي يجب أن نعيش بها حياتنا الآن. وعندما تحول شافاك التفاصيل من سيرة واقعية الى خيال أدبي فإنها تفعل هذا لكي تصوغ عملها القصصي الخاص بها. الأكثر إدهاشا هو أنها حين تروي كل حدث بسرد الراوي العليم تجعل السرد عن طريق تشكيلة من الشخصيات الأنثوية كل واحدة تعيد سردها من خلال تجربتها الخاصة. بعض الساردات شخصيات تاريخية حقيقية مثل الراقصة الشرقية المصرية كشك هانم والأخريات شخصيات فلوبير، خصوصا إيما بوفاري، وأفراد عائلة فلوبير ومربيته، وجورج ساند، وكذلك إليانور ماركس أول من ترجم مدام بوفاري الى الانكليزية واختارت مصير بطلتها، ولكن بشرب السم. وبعض تلك الشخصيات ليست بشرا كمدينة اسطنبول والناقة، وحتى الأفيون والزهري. إنها ثلاثون شخصية تحتشد في الكتاب تمنحه النسيج الاسطوري، والرمزي، المزدان بالثقافة الشفاهية. إن الملاحظة الأخيرة تبين لنا بأن هذا من بين التقاليد التي أرادت إداء التحية لها، ولأن الرواية في آخر الأمر رواية عدالة استعادية أيضا، تستعيد بها شافاك كرامة غوستاف فلوبير، سواء كان طفلا أخرق أو معذبا بالزهري. تستعيد النساء، حقيقيات أو متخيَّلات، اللواتي يحطن به في أماكنهن المستحقة في هذا العمل، وهو « الخبير بعقلية المرأة»، موضحة من جانب آخر بأنه « ليس إيما فقط،... بل النساء اللواتي لم تُسمع أصواتهن في كتب التاريخ»، إن مدام بوفاري هي كل النساء.
بهذه الرواية تكتب شافاك رسالة حب الى الأدب الذي في مواجهة « القلق، والغضب، والذكاء الإصطناعي» يخلصنا جميعا.