اخر الاخبار

في إطار فعاليات مهرجان طريق الشعب الحادي عشر، قدّم رئيس تحرير جريدة "طريق الشعب" مفيد الجزائري شهادة استعاد فيها محطات من تجربته في العمل المشترك مع المبدعة الراحلة لطفية الدليمي، خلال وجوده في وزارة الثقافة بين عامي 2003 و2005، متوقفاً عند إسهاماتها في صياغة توجهات الوزارة الثقافية الجديدة، ومشاركتها في الأنشطة والفعاليات والمؤتمرات التي شهدتها تلك المرحلة.

قال الجزائري، مستهلاً حديثه، إنه يود التعبير عن امتنانه للمداخلات والشهادات التي سبقت حديثه، مشيراً إلى أن ما سيقدمه هو شهادة شخصية تستند إلى تجربته المباشرة في العمل مع الدليمي، وما لمسه من حضورها ونشاطها وإسهاماتها في تلك الفترة.

وأوضح أن الدليمي جاءت إلى وزارة الثقافة خريف عام 2003، بعد ان تبوأ هو منصب الوزير، جاءت في البداية مستكشفة متقصية عمل الوزارة وتوجهاتها في عهدها الجديد، قبل أن تنخرط بشكل مباشر واقعاً في عملها. وكانت هي آنذاك منشغلة بقضايا حرية المرأة وثقافة المرأة، وتعمل على تهيئة مشروع لتأسيس مركز يُعنى بهذه القضايا. وبالفعل، أسست في العام التالي 2004 "مركز عشتار" لحرية وثقافة المرأة، الذي واصلت العمل فيه حتى مغادرتها العراق عام 2006.

وأضاف أن الوزارة كانت، عند وصول الدليمي، منشغلة بإعداد سياسة ثقافية جديدة، تستجيب للمرحلة التي أعقبت سقوط النظام الديكتاتوري، وما رافقها من آمال ومخاوف وتطلعات إلى بناء حياة ثقافية مختلفة، بعد سنوات طويلة من الخراب الذي حل بالثقافة العراقية في ظل دكتاتورية صدام حسين.

وبيّن أن الوزارة وجهت حينها نداءً إلى المثقفين العراقيين في الداخل والخارج، دعتهم فيه إلى تقديم رؤاهم وآرائهم بشأن طبيعة الدور الذي ينبغي أن تضطلع به وزارة الثقافة في العهد الجديد، وأهدافها وتوجهاتها والمجالات التي يتعين عليها تغييرها، والآفاق التي ينبغي ان تفتحها أمام الثقافة العراقية.

الاستقلالية والعمل التطوعي

وأشار إلى أن الراحلة شاركت في الاستجابة للنداء، كما أبدت اهتماماً بالفكرة ذاتها، ثم ساهمت معنا في مناقشة الإجابات الواردة من المثقفين وتقييمها والاستفادة منها في إعداد السياسة الثقافية للوزارة.

ولفت إلى أن اهتمامها بالوزارة وبالعمل معه وفريق عمله، أخذ يتزايد تدريجياً، حتى غدت قبل نهاية عام 2003، جزءاً أساسياً من ذلك الفريق، وعلى رأسه الشهيد كامل شياع، وعضوا منسجماً في الرؤية والعمل.

وأوضح أن الدليمي شاركت بعد ذلك بصورة مباشرة في وضع توجهات الوزارة وتخطيط فعالياتها المختلفة وتنفيذها، وبضمنها تكليف القاص المعروف إبراهيم أحمد بإعداد مسودة نهج الوزارة الثقافي، بالاستناد إلى الإجابات ووجهات النظر الواردة من المثقفين العراقيين في الداخل والخارج، والتي بلغ عددها العشرات.

وأضاف أن المسودة نوقشت بمشاركة الفقيدة، التي قدمت بدورها ملاحظات وإضافات وتعديلات، قبل إطلاق الوثيقة بصيغتها النهائية في كانون الثاني 2004.

وأشار الى أن منظمة (اليونسكو) العالمية كانت أول جهة تبدي اهتماماً بالوثيقة. وكان سبق ذلك، قبل شهر من انتهاء عام 2003 ربما، ان زار وفد منها الوزارة متابعا موضوع الآثار والأوضاع الثقافية في العراق. ووقتها اطلع على مشروع الوزارة القائم على استفتاء المثقفين والكتاب والمعنيين الآخرين بشأن السياسة الثقافية المقبلة.

وأوضح أن اليونسكو أبدت علنا ارتياحها إلى اعتماد وزارة الثقافة هذا النهج، الذي تمت بموجبه صياغة سياسة ثقافية جديدة انطلاقا من آراء مثقفي البلاد وتصوراتهم، واعربت عن رأيها بأن الدول الخارجة من عهود ديكتاتورية ينبغي أن تسلك مثل هذا الطريق في رسم سياساتها الثقافية، أي بالعودة إلى مثقفي بلدانها واستطلاع آرائهم والاستفادة منها في صياغة الاستراتيجيات وتعديلها.

وأكد الجزائري أن هذا الموقف الإيجابي لليونسكو عزز إقبال الدليمي على العمل مع الوزارة، وزاد من حضورها ضمن الفريق الذي ضم مثقفين آخرين وناشطين في المجال الثقافي، كان بينهم الشاعر صادق الصائغ، فضلاً عن المعمارية ميسون الدملوجي التي كانت تشغل منصب وكيل الوزارة.

وأضاف أن الدليمي، بعد إقرار "نهجنا الثقافي"، أسهمت في وضع "الخطوات التنفيذية" للوثيقة والعمل على تطبيقها، حتى أصبحت حاضرة في العديد من جوانب العمل اليومي للوزارة.

وقال إنه ازاء ذلك الواقع عرض عليها في حينه أن تتولى موقعاً رسمياً في الوزارة، بمنصب مدير عام مثلا، على غرار كامل شياع الذي كان يشغل منصب مدير عام العلاقات الثقافية. لكنها اعتذرت عن ذلك مفضلة مواصلة العمل كمتطوعة. وعكست بهذا حرصها على استقلاليتها، ورغبتها في الاحتفاظ بحريتها في الحركة والتفكير والعمل.

وأضاف يقول أنها بالفعل، ورغم رفضها تولي منصب رسمي، واصلت العمل مع الوزارة طوال عام 2004، الذي شهد فعاليات ثقافية مكثفة، وصولاً إلى مؤتمر المثقفين العراقيين في نيسان 2005، الذي كانت الى جانب كامل شياع في طليعة العاملين في التهيئة له وتنظيمه، والمشاركة في كل ما يتعلق به، من التوجيه والتخطيط إلى الاتصالات والعلاقات.

وبيّن أن الدليمي كانت تعمل بحرص وإقبال وحب، كما لو أنها موظفة متفرغة، بل إنها بنشاطها وتفانيها كانت، بحسب وصفه، نموذجاً للعاملين في الوزارة. 

مؤتمر المثقفين العراقيين

وتوقف الجزائري عند مؤتمر المثقفين العراقيين الذي انعقد في أواسط نيسان 2005، مكررا أن الدليمي كانت من الشخصيات التي تصدرت أعمال التحضير له، وأسهمت بصورة مباشرة في مختلف مراحله، مستفيدة من علاقاتها الثقافية الواسعة ومكانتها الإبداعية والمعرفية.

وأوضح أنها كانت، عندما حل العام 2003، قد راكمت ثمار ثلاثين عاماً من الإبداع والعطاء، وأصدرت عدداً كبيراً من الكتب والمؤلفات، ما جعلها شخصية ثقافية معروفة وذات علاقات واسعة، انعكست إيجاباً على نشاطها في الوزارة وعلى التحضير للمؤتمر.

ونوّه الى "الكلمة المتميزة" التي قدمتها في جلسة المؤتمر الختامية، والتي لخّصت فيها أبرز ثمار المؤتمر وما دار فيه من نقاشات وحوارات، فضلاً عن استخلاص النتائج والخلاصات. وقال أنها عكست واقع الثقافة العراقية في ذلك الظرف، وما كان يحيط بها من تطلعات وآمال. لافتاً إلى أن المشاركين كانوا جميعا يأملون أن تشكل النتائج أساساً لعقد مؤتمرات لاحقة، بمعدل مؤتمر كل سنتين، ومواصلة العمل والتنمية الثقافية.

وبيّن أن مغادرته الوزارة في نهاية نيسان 2005 وضعت حداً لتلك التجربة، التي امتدت نحو عشرين شهراً من العمل والنشاط والمشاركة المباشرة، لا سيما من جانب كامل شياع ولطفية الدليمي، إلى جانب مجموعة واسعة من المثقفين.

وذكّر بأن الفعاليات والأنشطة التي كانت تقام داخل الوزارة في تلك الفترة لم تكن تخص العاملين فيها، بل كانت تجري بالتشاور مع أعداد كبيرة من المثقفين خارج الوزارة، الأمر الذي أتاح للدليمي العمل في بيئة ثقافية وجدت فيها المجال الذي كانت تطمح إليه وتسعى إلى تحقيقه.

الجمعية العراقية لدعم الثقافة ومجلة هلا

وتابع الجزائري أن العلاقة والعمل المشترك مع الدليمي استمرا حتى بعد مغادرته الوزارة، إذ شاركت عام 2005 معه في تأسيس الجمعية العراقية لدعم الثقافة، إلى جانب كامل شياع ومؤيد نعمة ونزار الراوي وآخرين عديدين من العاملين في الوزارة والمثقفين.

وواصلت الدليمي نشاطها ضمن الجمعية حتى عام 2006، وعملت مع الأديب الأستاذ حسن كريم عاتي، على الخروج بمجلة "هلا"، التي صدرت منها أربعة أعداد في أواخر عام 2005 واوائل عام 2006.

ووصف المجلة بأنها تجربة ثقافية متميزة وفريدة من نوعها في وقتها، كمجلة ثقافية مصورة وملونة، تولت الدليمي رئاسة تحريرها، وحسن كريم عاتي إدارة تحريرها، وقد صدرت باسم جمعية دعم الثقافة وجمعية الفنون البصرية المعاصرة، التي كانت برئاسة السينمائي الفنان نزار الراوي.

كما أشار إلى إشراف الدليمي على واحدة من أبرز الفعاليات التي نظمتها الجمعية عام 2006، والمتمثلة في مؤتمر تناول موضوع "الثقافات العراقية: المشتركات والخصوصيات"، وقد استمر يومين، وحقق نجاحاً مهماً.

وبيّن أن تدهور الأوضاع الأمنية في العراق لاحقاً، لا سيما في منطقة العامرية التي كانت تقيم فيها الدليمي، حتى أصبحت شديدة الخطورة بسبب نشاط الجماعات التكفيرية، حال دون بقاء الفقيدة في البلاد واضطرتها الى المغادرة الى الخارج.

لطيفة الدليمي.. استقلالية لا تحدّ من العطاء

وفي ختام شهادته، عاد الجزائري للتأكيد على أن أكثر ما ميّز الدليمي كان حرصها الشديد على استقلاليتها، ورغبتها في أن تكون صاحبة قرارها وحريتها بصورة مطلقة، من دون أن يعني ذلك ابتعادها عن العمل الجماعي أو إحجامها عن تقديم ما تستطيع من جهد وخبرة لكل مشروع وطني وتقدمي.

وقال إنها لم تكن بخيلة في عطائها، بل كانت تقدم كل ما يمكن أن تقدمه من أجل العمل الذي آمنت بأهميته وضرورة إنجازه، وقد انخرطت فيه تطوعاً ومن دون مقابل، لأنها كانت ترى فيه ما ينبغي أن يكون عليه العمل الثقافي.

وأضاف أن الدليمي كانت نموذجاً للإنسان الذي لا يستطيع البقاء من دون نشاط أو عمل أو إنتاج، كانت دائمة العطاء، وكان لديها باستمرار ما تقدمه، سواء في الكتب المؤلفة والمترجمة، أو القصص والروايات والمقالات والأعمدة الصحفية، فضلاً عن نشاطها الثقافي المتواصل.

ووصفها بأنها لم تكن مجرد مستهلك رفيع المستوى للمعرفة، بل كانت أيضا وخصوصا منتجة رفيعة المستوى للمعرفة، وأنها من الشخصيات التي خلقت لتقدم وتعطي، ولا تتوقف عن الإبداع والعطاء.

واختتم الجزائري حديثه بالإعراب عن سعادته بما سمعه من شهادات ومداخلات خلال الندوة، معتبراً أنها تليق بمكانة لطفية الدليمي، ومؤكداً أن هذه الشخصية الثقافية الكبيرة ستبقى حية في ذاكرة من عرفوها، وفي وجدان الأجيال التي ستتعرف لاحقا إليها وإلى إرثها الثقافي والإبداعي.