اخر الاخبار

حين عدتُ إلى النقد الأدبي، بعد سنواتٍ طوال قضيتها في الصحافة والعمل الأكاديمي والبحث العلمي، متنقّلًا بين حقول الإعلام والاجتماع والأنثروبولوجيا، وجدتني أمام سؤالٍ ظلّ يلحّ عليّ: ماذا بقي للنقد العراقي اليوم، بعدما تبدّلت النصوص، وتحوّلت الذائقة، واتّسعت آفاق المعرفة، وتشابكت مسارات الأدب مع الاجتماع والتاريخ والفلسفة والأنثروبولوجيا؟ وهل ما يزال النقد قادرًا على النفاذ إلى ما وراء ظاهر النص، واستكشاف ما لم يقله عن نفسه؟

هذا السؤال يقودني، بصورة مباشرة، إلى تجربة الناقد ياسين النصير، الذي أتابع في كتاباته الأخيرة انشغالاً يكاد يتحول إلى مشروع متكامل: المكان.

غير أن المكان عند النصير لم يعد ذلك الفضاء الذي تجري فيه الأحداث، ولا الخلفية التي تتحرك عليها الشخصيات، ولا مجرد جغرافيا يمكن وصفها أو تحديدها. لقد أخذ المكان عنده يتحول تدريجياً إلى أداة للمعرفة، ثم إلى مفهوم نقدي، ثم إلى طريقة في قراءة الإنسان والمجتمع والنص. ومن هنا تصبح تجربة النصير جديرة بالقراءة لا بوصفها اشتغالاً على «موضوع المكان» فحسب، وإنما بوصفها محاولة لتأسيس رؤية نقدية يكون المكان فيها مدخلاً إلى فهم الأدب والحياة معاً.

ولعل السؤال الأكثر أهمية هنا ليس: ماذا يقول ياسين النصير عن المكان؟ وإنما: ماذا يفعل المكان في مشروع ياسين النصير؟ هذا السؤال هو الذي يكشف خصوصية تجربته.

المكان الذي خرج من هامش النص

اعتاد النقد الأدبي أن ينظر إلى المكان بوصفه عنصراً من عناصر العمل الإبداعي. في الرواية هناك شخصية وحبكة وزمن ولغة وحدث، وهناك المكان الذي يحتضن كل ذلك. وغالباً ما كان المكان يأتي في مرتبة تالية لهذه العناصر، حتى وإن كان بعض النقاد قد أدركوا مبكراً أن المكان قادر على صناعة الشخصية وتوجيه الحدث وتشكيل الرؤية. لكن ياسين النصير قلب المعادلة.

لقد حاول أن ينقل المكان من الهامش إلى المركز، وأن يقول إن الشارع ليس مجرد شارع، والبيت ليس مجرد بيت، والمقهى ليس مجرد مقهى، والساحة ليست مجرد مساحة مفتوحة. كل هذه الأمكنة تحمل تاريخاً اجتماعياً، وذاكرة، وسلطة، وخوفاً، وألفة، وطبقات من العلاقات الإنسانية.

في مقالته «تكسير المكان/الزمان» يبدأ من الطريق السريع ومحطات الوقوف، من محطات تعبئة البنزين ومراكز الشرطة والمطاعم والأشجار وأعمدة الكهرباء والمساحات المحيطة بالطريق. وهي أشياء قد تبدو للوهلة الأولى خارج دائرة الأدب. لكنه يحولها إلى علامات تكشف علاقة الإنسان بالمسافة والسرعة والرؤية.وهنا تكمن إحدى ميزات مشروعه: الانتباه إلى ما لا ننتبه إليه.

فالعين التي تسافر بسرعة مئة وعشرين كيلومتراً في الساعة لا ترى الأشياء بالطريقة نفسها التي تراها بها عين المسافر البطيء. المسافة تتغير، وبالتالي يتغير الإدراك. المكان نفسه لم يتغير، لكن علاقتنا به تغيرت. وهذه الفكرة الصغيرة تفتح عند النصير باباً واسعاً إلى الرواية.

فالرواية، في نظره، ليست مجرد كلمات مكتوبة، بل حركة بين أمكنة وأزمنة، وما يراه السارد وما لا يراه، وما تراه الشخصية من نافذة السيارة أو خلف الستارة، وما تلتقطه العين في الطريق، كلها تدخل في تشكيل المسرود. وهنا ينتقل المكان من كونه «موجوداً» إلى كونه(فاعلاً).

المسافة ليست فراغاً

من الأفكار التي تتكرر في مشروع النصير مفهوم المسافة. والمسافة عنده ليست رقماً هندسياً بين نقطتين، وإنما علاقة. إنها المسافة بين الإنسان والآخر، وبين الإنسان والمكان، وبين الشخصية والحدث، وبين العين والشيء المرئي. ومن هنا يصبح «الحيز» مفهوماً أساسياً في رؤيته؛ فالحيز ليس مجرد مساحة، وإنما المكان الذي تنتمي إليه الأنا.

وهذا يقودنا إلى نتيجة مهمة: الإنسان لا يعيش في المكان فقط، بل يعيش من خلال علاقته به. فالبيت الذي تسكنه الشخصية ليس الجدران الأربعة فقط؛ إنه توزيع للأبواب والنوافذ والغرف والممرات، وهو توزيع للخصوصية والخوف والأمان والعلاقات الأسرية. والمقهى ليس الطاولات والكراسي، وإنما شبكة العلاقات التي تنشأ حولها. والشارع ليس الإسفلت والأرصفة، وإنما حركة الناس والسلطة والاقتصاد واللغة والأزياء والذاكرة.

بهذا المعنى، تصبح المسافة لغة اجتماعية. ولعل هذه واحدة من أكثر الأفكار التي تستحق التوقف في مشروع النصير، لأنها تجعل المكان قابلاً للقراءة كما نقرأ النص.

البيت: المكان الأول للخوف والأمان

في مقالته «بيوتنا الشرقية – مجموعة مخاوف» يذهب النصير إلى منطقة أكثر حساسية: البيت. يستعين بإدوارد هال وبعلم المكان أو البروكسيمي، ثم ينتقل إلى علاقة الإنسان العربي بالمكان السكني، وإلى الفروق في إدراك الفضاء بين الثقافات.

لكن النصير لا يتوقف عند وصف البيت، بل يحاول أن يقرأ ما وراءه: كيف تتشكل علاقتنا بالمكان؟ وكيف يتحول الاتساع إلى شعور بالخوف أحياناً، بينما يتحول الضيق إلى ألفة وأمان في أحيان أخرى؟

وهنا يصبح البيت نظاماً للمسافات. فالإنسان لا يحتاج إلى بيت فحسب، وإنما يحتاج إلى معرفة حدوده الداخلية. أين يجلس؟ أين ينام؟ أين يستقبل الآخر؟ أين يخفي خصوصيته؟ أين يلتقي بالعائلة؟ أين يستطيع أن يكون وحيداً؟

كل هذه الأسئلة تجعل البيت بنية اجتماعية قبل أن يكون بنية معمارية. وهذا ما يجعل استدعاء فوكو في حديث النصير عن السلطة والمراقبة ذا دلالة. فالمكان يمكن أن يكون أداة للضبط، ويمكن أن يحدد الحركة والنظر والعلاقات. وفي هذه النقطة يتجاوز النصير القراءة الجمالية للمكان إلى قراءة اجتماعية وسياسية.

غير أن هذا الاتساع نفسه يضع مشروعه أمام سؤال نقدي: إلى أي حد يستطيع المكان أن يستوعب كل هذه الدلالات من دون أن يفقد حدوده المفهومية؟ إنها ليست ملاحظة ضد المشروع، بقدر ما هي سؤال يرافق اتساعه.

من الطبيعة إلى المجتمع

لعل أكثر أفكار النصير إثارة في هذا السياق تلك التي طرحها في حديثه عن (تحولات الأمكنة من الطبيعة إلى المجتمع). هنا يخرج المكان من الرواية إلى الحياة مباشرة. الماء والتراب والنار والهواء هي العناصر الأربعة المعروفة في تصورات قديمة للطبيعة. لكن النصير يضيف إليها عنصراً خامساً: الإنسان.

وهذه الإضافة ليست مجرد لعبة رمزية. فالإنسان هو الذي يختار المكان، ويسميه، ويسكنه، وينظمه، ويمنحه وظيفة وذاكرة. الطبيعة مكان قبل أن يكون اجتماعاً، لكن ما إن يختار الإنسان جزءاً منها حتى تبدأ عملية التحول.

الاختيار هو الفعل الاجتماعي الأول. ثم تأتي التسمية. عندما نسمي المكان، فإننا نخرجه من مجهوليته الطبيعية إلى الذاكرة الاجتماعية. وبعد التسمية يأتي التحديد، ثم السكن، ثم التنظيم، ثم السلطة، ثم الاقتصاد، ثم العلاقات الاجتماعية. هكذا يتحول المكان من الطبيعة إلى المجتمع.

فالمدينة لم تكن مدينة في أصلها؛ كانت أرضاً. والشارع لم يكن شارعاً؛ كان مساحة. والساحة لم تكن ساحة؛ كانت فراغاً. والبيت لم يكن بيتاً؛ كان مادة يمكن أن تتحول إلى مأوى. فالإنسان هو الذي يمنح المكان وظيفته الاجتماعية. ومن هنا تصبح فكرة النصير عن الإنسان بوصفه «العنصر الخامس» ذات قيمة تتجاوز المحاضرة التي قدمها؛ لأنها تضع الإنسان في قلب العلاقة بين الطبيعة والثقافة.

السلطة تصنع المكان

من اللافت في مشروع النصير أنه لا ينظر إلى المكان بمعزل عن السلطة. فالسلطة تحدد الأمكنة، وتبني المدن، وتصنع الساحات، وتحدد المغلق والمفتوح، وتضع الحدود بين الخاص والعام. لكن السلطة ليست القوة الوحيدة.

هناك الخوف. الخوف يصنع الأسوار، بينما تصنع الحرية الفضاءات المفتوحة. وهناك الاقتصاد، الذي يحول المكان إلى سوق، وإلى مركز للإنتاج والتبادل والاستهلاك. وهناك الجسد، وهو من أكثر العناصر إثارة في رؤية النصير: كيف نجلس؟ كيف نمشي؟ كيف ننظر؟ كيف نتحدث؟ كيف نقترب من الآخر أو نبتعد عنه؟

الجسد لا يسكن المكان فقط؛ إنه يعيد تشكيله. المكان المشغول بالجسد يعلم قبل أن يعلم العقل.

وهنا يقترب النصير من الأنثروبولوجيا أكثر مما يقترب من النقد الأدبي التقليدي. وهذا، في رأيي، من أهم التحولات في تجربته؛ لأنه لم يعد يريد أن يقرأ المكان داخل الرواية فقط، بل يريد أن يفهم كيف يصنع الإنسان المكان قبل أن تدخله الرواية.