هل يمكن الحديث عن "سردية موت الغرب الثقافي" وعن السقوط الحر كما سماه أوين جونز للسرديات الغربية،التي باتت محكومة بكثير من العنف والتضخم، وبالاسياسات التي جعلت من احزاب اليمين الأيديولوجي، ومن الجماعات العنصرية تفرض اشكالًا لتداولية الخطاب في علاقته بالدرس الثقافي، وبالسلطة، وحتى ب"الديمقراطية" التي باتت مهددة بمركزيات طاردة..
اعراض الانهيار الثقافي، تعني انهيار السياسات، وهشاشة برامجها، فبقدر ما كان “الغرب الديمقراطي” يتحفي بحراك ثقافي، وبجدل مفتوح على تناقضاته وصراعاته، فإنه ارتبط ايضًا بتجارب وأسماء وتشكلات ثقافية، كان فيها "اليسار الثقافي" حاضرًا، وفاعلًا بوصفه ممثلا إنسانيًا ونقابيًا لكثير من الفاعليات الاجتماعية، وحتى السياسية، وباتجاه اعطى لهذه الفاعليات حضورا نافذًا في استراتيجيات التمثيل الثقافي..
حديث اليوم عن "الهوية الصافية" و "المركزية الغربية" و"الليبرالية الجديدة" كشف عن العيوب البنيوية للغرب، في كولنياليته الجديدة، وفي سياساته التي بدت مسكونة بالعنف وبصياغة السرديات المضادة، تلك التي تخصُ قضايا المهاجرين والآخر والهوية والشتات، وعلى نحوٍ تحولت فيه الصراعات الثقافية الى اقنعة للعداء والكراهية، واعادة تمثيل الكولنيالية الغربية، عن طريق قناعها لاميركي الى اداة ترويج لصناعة فكرة "العدو" الذي يعني الآخر، في تمثيله الايديولوجي اليساري، أو في تمثيله الوجودي، أو في تمثيله الثقافي الغاطس في الاغتراب..
هذه التمثلات لن تكون “بريئة” لأنها ستكشف عن صدمة "التحول" التي باتت ضاغطة في تمثيل "العقل الغربي" الما بعد حداثي، وفي مواجهة السياسات التي ارتبطت بذاكرة النضال الاجتماعي والطبقي، وبالاسئلة التي اثارها مثقفو الماركسية، بدءا من اطروحات غرامشي وجورج لوكاش وجماعة فرانكفورت وليس انتهاء بالتوسير وفردريك جيمسون وسلافوي جيجك وغيرهم، حيث بدت تلك الأسئلة ذات حمولات نقدية، وذات توجهات تسعى الى تعرية عيبوب النظام الرأسمالي، الذي بدأ يعاني من تفكك نظامه “العقلاني” والى فضح التناقضات التي يعيشها هذا النظام، في ازماته وصراعاته، فصعود خطاب اليمين المتطرف، وموجات العنصرية، يكشف عن عمق هذه الازمات، وعن علاقتها الاخلاقية بتلك التناقضات، وعما هو مضمر في صدمة التحوّل، بوصفها نزوعًا الى تسييس العنف الثقافي، والى اعادة صياغة الكثير من المفاهيم التي فقدت قيمتها النقدية والانسانية.
إن ما يحدث في سياسة الغرب لن يكون بعيدا عمّا يحدث في الثقافة، لأن ما يتمخض من اصطفافات سياسية في الغرب يكشف عن اصطفاف في “التمثيل الثقافي” عبر ستراتيجات صناعات السينما والكتاب والاعلان والاستهلاك، وعبر ترسيم هوية القوى الجديدة، بوصفها قوة تعمد الى صعود أكثر عنفًا في النظر الى الآخر، والى استعادة صورة الأنموذج الكولنيالي في سياق اعادة تسويقها كقناع للغرب الثقافي، ولتمظهراته الوجودية، في ادارة السياسات والاقتصاد، وفي تحويل الخطاب الشعبوي الى خطاب استهلاكي تتقبله "الطبقات والنخب الحاكمة البرجوازية التي تأتي ثرواتها من العبودية ولذلك فإنها تروج عبودية حديثة بمختلف أشكال الرأسمالية واستغلال الشعوب والكوكب بصورة يومية". كما يقول جونز
وبسبب تضخم أيديولوجية السوق الحرة؛ ارتبط بشكل أو بآخر بأزمة النظام العالمي القائم على تشغيل صدمة موت “السرديات الكبرى” وعلى التمركز حول اجراءات العسكرة الاميركية، وسياسات البنك المركزي الاميركي وصندوق النقد الدولي، بوصفها الانساق التي تتحكم اليوم ب”العقل الغربي” وهي ما تعني اعادة الغرب الى “التوحش الاستعماري” حيث خيار قضم الهويات، وصناعة الهامش، وربط اقتصادات التنمية والجغرافيا والثقافة بسياسات التمركز الاميركي وسياساته في توسيع برامج التمدد الجيوسياسي، وفي اعادة صياغة أنموذج “البطل الشاطر” الذي يوجّه العالم عبر الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، وعبر الحكايات التي تعيد الغرب الى قرصنات الفايكنغ، على الرغم من أن البعض ينظر الى الغرب الجديد بوصفه غربًا اميركيًا، وأن “نزعته الاحادية” باتت هي الحامل الرمزي والسياسي لتطبيقات فكرة الغرب الذي يتسع عبر الجغرافيا والاسلحة والحروب في الشرق والغرب والشمال والجنوب..