اخر الاخبار

يظل حديث الريادة الثقافية مثار جدل مفتوح، ومجالَ مراجعة نقدية وتاريخية، الا أن حيويته تكمن في تجدد مسؤولية الحوار، وفي جعل  الريادة حافزًا للتعرف على التاريخ ذاته، وعلى اهمية ما تركه الرواد من أثرٍ ومن زمنٍ ثقافي مازال يحفل بكثير من الحيوية والجدة، وبتحفيز الاجيال اللاحقة على الدرس والتعلم والمراجعة، على اساس أن الظاهرة الثقافية هي ظاهرة تاريخية، وأن اهميتها والكشف عما فيها من انساق ثقافية يرتهن الى فاعلية المراجعة النقدية، والى اضاءة الخطوات التي صنعت الطريق للآخرين.

احتفاء الوسط الثقافي العراقي بـ "مئوية الرواد" من شعراء الحداثة – بدر شاكر السياب، عبد الوهاب البياتي، بلند الحيري-   يؤكد هذا التلازم بين التاريخي والنقدي، فبقدر ما أن المناسبة ذات طابع زمني ارتبط بولادتهم في عام 1926، إلا أن حيوية الاهتمام بها، وعبر طيبة لجهات مدنية ورسمية تعاونت مع الاتحاد العام للأدباء وبمشاركة عربية ومحلية، هو الذي اعطاءها هذه المساحة التي جمعت بين الشعر والنقد، وبين الاجيال الثقافية المتعددة التي تحتفي بقيم التجدد والتواصل والانفتاح على فضاءات شعرية جديدة..

تنوع القراءات، والاجراءات النقدية التي عمد اليها الباحثون في اوراقهم يؤشر مدى الاهمية التي تحملها الريادة كسؤال ثقافي، وكعتبة تاريخية، وعلى نحوٍ بدا فيه فحص الظاهرة وكأنه مدخل مهم للتعاطي مع كل التحولات الفارقة التي حدثت في واقع الشعر العربي والعراقي بشكل خاص، على مستوى بناء الأنموذج الشعري الجديد، واشتباكه الغامض مع مفهوم "الشعر الحر" وكذلك على مستوى خصوصية هؤلاء الشعراء الثلاثة الذين كانوا جزءا من تاريخ التحول السياسي في العراق، لأن التجديد في الشعر لم يكن عابرًا، بقدر ما كان تمثيلًا لفكرة التقدم والحرية، فضلًا عن كونه وجهًا آخر للتغييرات الشعرية التي حدثت في العالم ما بعد الحرب العالمية الثانية وانتصار قوى الحرية والديمقراطية على الفاشية والنازية..

ما يجعل هذا الاحتفاء المئوي لشعراء الريادة مهما، هو البحث في اسئلة التجاوز الشعري، وفي دراسة هذا التجاوز نقديًا، لأن الريادة التي بدأت في منتصف القرن الماضي تحولت الى "ثورة ثقافية" فأثارت حولها جدلًا، توزع بين القبول بها، وبين الرفض لها، بوصفها تمردًا على "مكانة التاريخ الشعري" مثلما تحولت الى باعث لتجديد ادوات الدرس النقدي، والنظر الى الشعر بوصفه "تاريخًا" وليس "نصًا" ثابتًا في بنائه وفي سحر ذاكرته..

تجديد التاريخ يعني فحصه، وأن فتح صناديقه القديمة يعني الكشف عن قوة المعرفة وهي تصنع أفقًا جديدًا لوعي هذا التاريخ، وجعل الشعراء جزءًا من زمنهم الثقافي، ومن اسئلته وتحولاته، وهو ما حدث فعلًا، إذ برز الشعراء الرواد كممثلين لوعي جديد، ولمواقف وطنية ذات منزع ثوري، حتى وإن كانوا رومانسيين، إلا أن هذه الرومانسية لم تكن عائمة، بل كانت تحمل معها كثيرًا من الهواجس الاجتماعية، ومن قيم الثورة الاجتماعية، والوعي السياسي والثوري الرافض للاستعمار والاستبداد، والشغوف بإثارة اسئلة الحرية والديمقراطية وبناء الوطن السعيد.

ما يميّز اهمية الاحتفاء هو التقليد الذي بات مُكرّسًا في وسطنا الثقافي، فقبل ثلاث سنوات تم الاحتفاء بمئوية الشاعرة الرائدة نازك الملائكة، وبمشاركة عربية ومحلية كبيرة، فضلا عن مشاركة منظمة اليونسكو فيها، ترميزًا لفاعلية المرأة العراقية، وجدة ريادتها الثقافية عربيًا ودوليًا، وهذا ما يدعونا الى ضرورة اعطاء "الملف الثقافي" اهمية الكبير في بناء الدولة العراقية الجديدة، على مستوى  تبني مشروع وطني وستراتيجية ثقافية واضحة وفاعلة، والعمل على تعزيز برامجها في توسيع مساحات التنمية الثقافية والأمن الثقافي، وعلى نحو يجعل من الثقافة رافدا مهما في تعزيز البناء الديمقراطي والتعايش الخلاق بين مكونات الشعب العراقي، واعطاء الرموز الثقافية في المجالات المتعددة عنوانين لامعة، على مستوى التعريف بهم في تاريخ العراق، وعلى مستوى ايجاد البيئات المناسبة التي تؤطر التواصل الثقافي، فضلا عن ربط الملف الثقافي بتخصيصات الموازنة العامة، لأن دعم الثقافة يعني دعم ستراتيجية الأمن الثقافي والتعليم الثقافي، وأنسنة الهويات العراقية تحت يافطة الهوية الوطنية الجامعة التي تحمي مسارات البناء وخيارات الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمشاركة الوطنية الواسعة..