اخر الاخبار

يظل حديث القصيدة العربية مفتوحًا على احتمالات لا نهائية، ومكشوفًا على أسئلة ومفارقات كثيرة، ليس لأن هذه القصيدة تعيش كل تناقضات التاريخ أو السيرة والديوان، بقدر ما أنها باتت المجال الأكثر اشكالية في الكشف عن تلك التنقضات، وعن علاقتها بمواجهة متغيرات الحداثة، وصدمات تحولاتها الواسعة، حيث باتت "هوية" هذه القصيدة هي الرهان على الوعي بالتجديد، أو في النظر الى اجراءاتها في البحث عن وعي التجاوز والمغايرة، وفي مراجعة مدى تقبل القصيدة للتحولات العاصفة في التجريب والتجديد، لا سيما بعد دخولها الصاخب الى منطقة "الجوائز الثقافية" والمهرجانات التي تحتفي بالصوت وليس بالظاهرة، وهذا ما جعلها تستأثر بالاهتمام والحظوات الواسعة في مؤسسات الديوان الثقافي العربي..

عالم الجوائر، ليس عالما نقديًا، ولا علاقة له ب" الثورات الشعرية" وأن توسيع مساحاته يعني دفع القصيدة التقليدية في نمطها "العمودي" ذي الشطرين للعودة الى التاريخ، إذ تحولت الى قصيدة احتفاء أكثر من كونها قصيدة نقد، مثلما تحولت الى قصيدة متعة وانشاد وليس قصيدةَ وعي، أو جزءًا من شعرية المختبر النقدي، وهذا ما جعلها تكتفي بالتاريخ على حساب علاقتها بقيم التجديد، وبتحولاتها الفنية، وحتى الدراسات النقدية والبلاغية والاسلوبية اكتفت بدراسة ظاهرة القصيدة القديمة، في سياق تمثيلها لتوصيف ثنائية القديم والمُحدَث، وهو ما وضعها ازاء مفارقة نقدية مع التشكلات الجديدة للقصيدة العربية بدءا من زمن ريادة التجديد في اربعينيات القرن الماضي، مرورا بالتغيرات الصادمة التي استغرقتها، وجعلتها ازاء مساءلات نقدية مختلفة تماما، على مستوى النشر والتجريب، والبحث عن هوية جديدة للشعرية العربية، وصولا الى تمثلات الاشكال المعاصرة في تجليات كتابتها الجديدة..

السؤال عن "ماهية الشعر" يعني البحث في شكله الجديد، وفي محتواه وما يضمره من حمولات رمزية، ومن تقانات بنائية واسلوبية، وحتى في مجرى تحولاته، وربط جدته بمتغيرات الواقع التي بدت عاصفة في تمثيل الزمن الشعري، وبيان مدى تأثر الشعراء بحركات التجديد في العالم وفي العربية، بوصف أن الشعر "رؤيا" مثلما هو شكلٌ واسلوب وبناء، وليس هناك من الضرورة تفرض اخضاع القصيدة الى قسرية الوزن والتمثيل العروضي القديم..

من اخطر صدمات التجديد الشعري التي بدأت مع بداية القرن الماضي ارتهن الى ما سُمّى ب"الاحياء الشعري" والتي لا تعدو أن تكون عودة الى تكريس النمط، عبر تقشير جلد القصيدة من بلاغتها، وتحويلها الى قصيدة بسيطة وغرضية، لا متعة فيها، ولا اثارة كما كانت تحفل به قصيدة "الفحولة العربية" وبلاغتها وسعة بنائها الجمالي واستغراقها في استعارات ومجازات وتصاوير تمنحها شغفا وتحريضا على التلقي..

احسب أن حركة الاحياء كانت واحدة من اسباب التمرد على "شعرية البساطة" والنزوع الى استعادة قيمة "الشعرية" عن طريق اعادة النظر بهيكلها، وبمحتواها، وبتحسين ادواتها الممكنة، من دون الالتفات الى صورة "الماضي الذهبي" والى صورة "الشاعر الساحر" إذ باتت الحداثة مرهونة بشروط انطولوجية، مثلما ارتهانها الى شروط تاريخية وفنية، وحيث بات للشاعر دوافعه في وعي التجديد والمغامرة، والانفتاح على عوالم اكثر تمثيلًا لزمنه الشعري، وليومياته في "المدينة الثقافية" التي تنظر للشعر بوصفه وجودا ومكوثا، وليس هروبا منه.

خطورة العودة الغرائبية الى "قصيدة الشطرين" يؤشر خرقا ثقافيا في النظر الى المعاصرة، مثلما يؤشر وضعا انثربولوجيا مترديا في تمثيل السؤال الشعري الثقافي، وفي علاقته بالانسان المفتوح على مفارقات الحداثة واسئلتها الصادمة، فعلى الرغم مما تركته مغامرة "قصيدة التفعيلة" من اثر عبر شعراء الريادة، الا أن ما بات يبدو مفارقا هو العودة الى ذاكرة "الشاعر المغني" والى منبره واغواءاته التي تعيد الشاعر الى التاريخ والى مؤسسة الايديولوجيا والذاكرة، مقابل عزل الشاعر الحداثي عن "فضاء الجوائز" وعن سلطة المؤسسات ومنابر الفقه الشعري..