تتجلى يوماً بعد يوم ملامحُ سردية اللاجئ العراقي، وتتوزّع على جانبي الذاكرة المنشطرة بين مكانين: الموطن الأصيل، والملجأ البديل. وفي رواية العراقي ياسين غالب (گوگوش، دار الرافدين، ٢٠٢٦)، ثمّة دليل على انشطار سرديّة اللاجئ بين موضوعين متناقضين في الحقيقة والخيال، هما موضوع الإجلاء القسري لمواطني التبعية الإيرانية، واللجوء القسري لثوار ١٩٩١ من مواطني جنوب العراق الأصلاء، وتشرّدهم بين أكثر من ملجأ مؤقت، بينما الرابط السردي الجامع بين النقيضين، هو شخصية المغنية الشهيرة "گوگوش" ذات الأصل الآذريً، وعودتها للغناء بعد واحد وعشرين عاماً من المنع والتحريم، في موطنها إيران. وهو رابط يتأرجح كصوتٍ مؤدَّى بروح جريحة، وغربة دائمة، في "ألبوم" غنائيّ يستعرضه المؤلف تفصيلاً، في الفصل الثاني من روايته.
يمنح الروائيُّ اسمَ گوگوش لشخصيتين، إحداهما حقيقية والأخرى متخيَّلة. وبينما يظهر الاسم الحقيقي للمغنّية في الفصل الثاني (تورنتو، كندا، عام ٢٠٠٠)، فإنّ الاسم المتخيَّل، يهيمن على ذاكرة اللاجئ العراقي في فصل الرواية الأول، عبر استرجاع زمن طفولتيهما في البصرة. وبعد اختفاء الاسم الحقيقي، يعود اللاجئان، العراقي والإيراني، إلى اقتسام الفصل الثالث من الرواية، عبر عملية تمسرح صوتيّ (بودكاست) لحوادثَ الحكاية المجزأة، في ثلاث مراحل زمنية (البصرة- رفحاء- كندا). هيمنت لغةُ المؤلف على مسرح الحكاية، عكس زعمِه بأنّ حكايته مكوَّنة من "المفردات نفسها وكأنها حكاية معدة سلفاً، أو أن كاتباً ما قرر كل هذا، المنفى، الجغرافيا المتحركة والتاريخ والمشاعر المتيبسة على ورق وثائق وصور بالأسود والأبيض، الحظ وتشابه المسارات يجمع من شتّتهم التاريخ في نقطة واحدة... ثم اللاعودة". (ص ١٥٠). أنتج مسارُ المنفى هيمنةً لغوية تمثّلت بالإزاحة المستمرة للاماكن والمشاعر الفياضة بالحبّ الطفولي بين البطل الافتراضي لؤي البصراوي وگوگوش الإيرانية المتخيَّلة. وقد تسبَّبت "مزاحمة" المؤلف لأبطاله المتخيَّلين، في مفارقات عمرية واضحة، ومبالغات بطولية، نُسِبت جميعها لشخصية اللاجئ النموذجية، التي يتكرّر ظهورها في الرواية العراقية في المهجر.
تبدأ ذاكرة اللاجئ العراقي (لؤي البصراوي)- في رواية ياسين غالب- بالشبوب والتشظّي من رابط الحبّ الطفولي، وتسبّبه في ترحيل عائلة گوگوش المتخيَّلة في العام ١٩٨١ إلى إيران، إبّان صعود الشعور العرقي لسلطة البعث ضدّ الهويات الهجينة- الفارسية بصورة خاصة، على حافة اندلاع الحرب بين العراق وإيران. ظلَّ جرح الترحيل للمراهِقة الإيرانية مفتوحاً، بسبب خطأ الطفل العراقي الذي فتح الباب للقوّة البوليسية المكلَّفة بإجراء عمليات التسفير، عندما كان زائراً لبيت العائلة الإيرانية. وستحرّك آليةُ "فتح الابواب" هذه، سيلاً من التداعيات اللفظية المجازية، التي تعكس شعوراً دفيناً بالذنب والندم والإدانة، هو الشعور اللاواعي الذي يطارد اللاجئ العراقي، ويلاحق وجوده الحقيقي والافتراضي معاً، في أيّ مكان طُرِد إليه من بيته الأول. يعود ياسين غالب إلى محاكمة النفس اللوّامة، بعد عشرين عاماً من الفرقة، عندما تجتمع الشخصيتان اللاجئتان في مدينة تورنتو الكندية، لتبدأا فصلاً من حكاية التهجير والهروب.
نشير إلى بناء الخطاب الروائي المصوغ بإلهام شاعريّ مشبوب، لأنه الوسيلة الوحيدة لاستقواء اللاجئ العراقي على ربط لحظتين غاربتين، في أحشاء حادثة القسوة والتهجير السلطوية. غير أنّ الاستقواء الأكبر يحدث في لقاءٍ مخترَع- نابعٍ من خيال العشق الطفولي الغارب- بين اللاجئ العراقي والمغنية الإيرانية، في حفلة غناء گوگوش في المدينة الكندية، حيث تنشأ من قوة هذا اللقاء العجائبي صفحاتٌ من الإلهام المخترَع، تُستبدَل فيها الأسماء والأماكن وحقائق اللجوء وغرائبه. لقد برعَ ياسين غالب في وصف أجواء الحفلة، بما لا يخالج القارئَ شكٌّ في ثبوت الواقعة السردية، على تناقض أسبابها التاريخية، ويفتح "باباً" من أبواب التطهّر من إثم مزدوج: شعور الخضوع، والإدانة البعيدة من وراء الحدود، الذي يتحمَّله حُكاة اللجوء، قبل غيرهم.
تفترض حكاية "فتح الأبواب" أنً شعوراً لم يبرد أواره، يدفع اللاجئَ الغريب إلى استئناف حكايته. ففي حين تنغلق البيوت المهجورة للعائلات المسفَّرة على أسرارها وعاداتها اليومية المتحفّظة، فإنّ أغنيّة ما من أغاني الهجرة والترحيل، تغنّيها گوگوش في حفلة بمدينة كندية، قد تعيد فتحَ الأبواب الأصلية، وتستأنف حكايةَ اللجوء، في لقاء عاطفي جماهيري عرِم، يتمّ وصفه بأعلى ذبذبات اللغة المهاجرة: "گوگوش لم تكن تغنّي عن الهجرة فقط، كانت الهجرة نفسها جسداً، صوتاً وتاريخاً. عندما انتهت الأغنية لم نشعر بالتصفيق. شعرنا أننا خرجنا لتوّنا من قفص، لكنّنا لم نتعلّم بعد كيف تطير. تلك الليلة، في كندا البعيدة، عاد صوتٌ من الشرق، وأثبت لنا أن الصمت قد يُهزم، وأن الأغنية حين تُولد من الألم، تصير وطناً مؤقتاً للمنفيين جميعاً". (ص ٩٦).
استقوت سرديةُ اللاجئ العراقي بأغنيّة فارسية، كما فرشَت لغتَها بنقوش سجادة تبريزية، سيظهر أثرها الأعظم في عمل لاحق لياسين غالب (روايته التالية: شمسنامة). وبهذه الآليّات من فتح الأبواب القديمة على أسرار الأرشيف الشرقي (ولنتذكّر هنا رواية أورهان باموق: اسمي أحمر) سيرمّم اللاجئُ العراقي ذاكرتَه الجريحة بأكثر من سبب ومصدر هجين. ستنقلب الذاكرة على ذاتها، وترحل بعيداً في اختراعاتها، وإلا ستظلّ حبيسةَ الشعور بالإثم الأصلي، المركّب من "الخضوع والإدانة"، لا ينفكّ يتكرّر في روايات اللاجئين.
ينحصر مخطّط رواية (گوگوش) بثنائية الرحلة إلى أمام، وقهر الذاكرة على الرجوع الى الوراء، في نسق سردي تكراري، حيث تُبنى الخرائط المكانية وتُهدم بعد حين. فالذاكرة التي يصفها الروائي بأنّها "هلامٌ خادع" غير قادرة إلا على اختراع "أشياء كاملة من فراغ صغير" أو "فكرة ناقصة من ذكريات مطموسة ووجوه بلا أسماء". ومثل هذه الثقة الضعيفة بالذاكرة، لا تبني إلا قفزات وتناظرات لغوية غير مرتَّبة، ولا تستعيد إلا وجوهاً بمسميّات متغيّرة، كما تختلط الحقائق بالصور والرموز والأصوات. وليس من عيب في هذه الذاكرة، أكبر من إحساسها المتضخّم بالأخطاء، وليس قليلاً وصفها بالذاكرة التي تعدِّل خرائطَها باستمرار. وفي هذه المراوحة الثنائية، وحدها، تكمن قيمة حكاية اللاجئ الهارب إلى أمام.
يظهر ياسين غالب مهاراته الحكائية، لا بوصفه مؤلِّفاً محترفاً، وإنّما لأنّ الشعور الذي يحسّه اللاجئُ العراقي هو شعور "الحكواتي" المتنقّل بين الأصقاع، والمجرِّب أنواعاً من الخرائط السردية، غير المنتمية لنوع كلاسيكي في كتابة الرواية (ينفي في مفتتح الرواية أن تكون سيرة ذاتية). يذكّرنا الروائي بحكايته، كلما افتتح باباً من سرديته القافزة كجندب في حقل مجاور لبيته القديم، مزروع بأزاهير الطفولة. وفي مقطع حواريّ، من الفصل الثالث، ترِد هذه العبارة على لسان اللاجئة گوگوش: "الإنسان يتعلّم كيف يعيش، لكنه لا يتعلّم كيف ينتمي". ثم تعدِّل كلامها بالقول: "نحن لا ننتمي الآن إلا للحكاية، فهي الوطن الوحيد الذي لم يُصادَر". ولعلّ هذين الصوتين ممسرَحان بصوت المؤلف، الباحث عن صيغة مقنعة لهجرته أساساً، ورسم نهاية لرحلته، حيث يقرّر: "الرحلة لن تنتهي أبداً، ولو رواها ألفُ حكواتيّ".
والحقيقة، فإنّ حكاية اللاجئ تتجدَّد بصيغ مختلفة، وإن بدا مصدرها واحداً. وفي رواية ياسين غالب ما يدلّ على التعديل المستمر، أو التصحيح لما يبدو خطأً أصلياً، حدثَ تحت الضغط والإكراه. وهذا ما يجعل حكايته طريّة دوماً، كجرح مفتوح على احتمالات غير مقفلة. إنّ حكايته شكل من أشكال "البودكاست"، تتقابل فيه أصوات متوافقة ورؤى متضادّة، مخترعات وتداعيات حرّة للصور والأفكار. ومهما قلنا عن حقيقة هذه الأصوات المتقابلة/ الناسخة بعضها بعضاً، فإنّ حكاية "گوگوش" تتغلّب على حكاية المؤلف نفسه. فالحاكي/ اللاجئ يستيقظ يومياً على حلم كالسراب. وهو يطارد ظلالاً غير ثابتة، وأصواتاً تنبثق من قرار عميق، ويتلبَّسه شعور نقيض للحقيقة- حقيقة اللجوء والهجرة. إنّ لغته ليست بلغته، وصورته النرسيسيّة تتموّج أمام عينيه دون توقّف. وهذا- باختصار- إحساس مَن يقرأ رواية، لا تترتّب في فصول ممكنة الترتيب، أو تنتهي بشعور الارتياح والاستقرار.