في روايته الخالدة "آلهة عطشى" يروي الروائي أناتول فرانس كيف تتحول شعارات العدالة والحرية إلى مقبرة تبتلع الجميع حين يغيب الضمير وتحضر المصالح. وفي أدبيات الفقه الدستوري العريق ومبادئه الفلسفية الكبرى التي أسست عبر التاريخ مفهوم "الدولة القانونية" الملتزمة بقواعد العدل، تلك القائمة أساساً على صيانة "مبدأ المشروعية" وحيدة القضاء المطلقة. وكانت المبادئ تؤكد على أن القانون ليس حبراً يسكب على الأوراق، بل هو الضامن الوحيد لمنع ارتداد المجتمع إلى "حالة الطبيعة" الأولى تلك الحالة الوحشية التي يلتهم فيها القوي الضعيف.
وفي مشهدنا القضائي العراقي اليوم، يُثار سؤال: ماذا لو تحول هذا الضامن الدستوري إلى سلعة تعرض في مزاد العرض والطلب؟ وماذا لو أصبحت منصة القضاء، التي يفترض أن يلوذ بها المحرومون، تدار بعقلية الخصخصة غير المعلنة وتجار الصفقات؟ يحدثنا ابن خلدون في مقدمته الشهيرة أن أولى خطوات انهيار الدول تبدأ عندما تصبح الأحكام القضائية معروضة للبيع "لمن يدفع". في العراق كفل الدستور بمادته التاسعة عشرة استقلالية السلطة القضائية، وجاء قانون التنظيم القضائي العراقي رقم 160 لسنة 1979 ليرسخ مبادئ حماية الحقوق العامة والخاصة وتوطيد العدالة. لكن لغة الواقع مع الأسف، تتحدث إلينا بلهجة أخرى غريبة ومخيفة. لهجة غريبة يتردد صداها الحزين والمخيف في أروقة بعض المؤسسات القضائية، حيث يهمس السماسرة والوسطاء بأسعار "الأحكام القضائية القطعية" قبل صدورها، ويساومون الخصوم على تغيير مسارات الدعاوى الجزائية الشائكة قبل أن تحوز تلك الأحكام "درجة البتات" وتصبح غير قابلة للطعن.
هذه الممارسات الفاسدة والدخيلة لم تعد مجرد جريمة رشوة فردية يعاقب عليها قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969؛ بل تمثل عملية ممنهجة لإعادة صياغة النظام العام، وتحويل مرفق العدالة السيادي إلى قطاع استثماري خاص، حيث "الخصوم" لا يبحثون عن إظهار الحق والعدل، بل كمشترين يتنافسون في سوق مفتوحة للحصول على براءة قانونية مفصلة بعناية على مقاس ثرواتهم ونفوذهم. لقد استقر في يقين الفلسفة الدستورية المعاصرة أن القضاء هو "عقل الدولة الدستورية"، فإذا غاب هذا العقل تلاشت الدولة وتحولت مؤسساتها إلى مجرد "سلطة أمر واقع" عارية من الشرعية والجمال. واليوم حين يرى المواطن البسيط كيف يستطيع حيتان الفساد المالي وكبار اللصوص الإفلات من العقوبة بفضل تسويات مشبوهة، فإنه يفقد كلياً إيمانه بمؤسسات الدولة وبالعقد الاجتماعي المتين الذي يفترض أن يربطه بها. إن الفساد المالي المنظم والمدمر اذا تسلل إلى المنظومة القضائية لا يكتفي بسرقة أموال هذا الشعب فحسب، بل يسرق أمانه القانوني ويسلبه شعوره بالمواطنة. إن هذه التجاوزات تضعف بشكل مباشر دور السلطة القضائية في فرض الرقابة، وتجعل من نصوص قانون أصول المحاكمات الجزائية مجرد نصوص جامدة ولا قيمة لها، تطوع وتفسر بموجب شيكات مصرفية مدفوعة مسبقاً أو حقائب ممتلئة بالدولارات تهبط خلف الكواليس لتغيير وجه الحقائق وقلب موازين العدالة رأساً على عقب.
إن الخصخصة الحقيقية الأكثر تدميراً لا تكمن في بيع المستشفيات أو خصخصة التعليم، بل تكمن في خصخصة "الضمير القضائي والانساني" ذاته. عندما يستقر في روع المظلوم أن حقه لا يمكن استرداده إلا إذا ملك ثمن "التسوية"، فإننا نعلن رسمياً وبلا مواربة وفاة "دولة القانون" وولادة "دولة المزاد والصفقات". إنها الخصخصة السوداء التي تحول القاضي من حارس لمبدأ المشروعية الدستورية إلى شريك صامت في الصفقة التجارية، وهي الجريمة الكبرى التي تحذر منها الأدبيات السيادية باعتبار أن غياب العدل غياب للدولة ذاتها. ونحن اليوم لا نحتاج إطلاقاً إلى تشريعات قانونية جديدة، بل نحتاج إلى إحياء وتطبيق قوانيننا السامية الموجودة في الدستور و التشريعات. نحتاج إلى قضاء ينتصر للمعدمين والفقراء، لا قضاء يجامل الفاسدين. قضاءنا امام تحد كبير و صعب، ولكن التاريخ ينصف من يقود العدالة الى المسار الصحيح وهي انصاف حقوق المستضعفين وارساء مباديء القانون.