اخر الاخبار

من يتأمل العالم منذ عقود عديدة وحتى يومنا هذا يصاب بالخيبة والخذلان على ما يحصل فيه، خاصة ونحن نقف على كارثة كونية قد تؤدي الى حرب عالمية ثالثة قد تحرق الاخضر واليابس على سطح الارض وتعيد البشرية الى طور المشاعية البدائية وحتى ما قبله..

البشرية في الألفية الثالثة وأمام التطور العلمي والتكنولوجي الهائل واكتشاف العلماء لكل المجاهيل سواء في الفضاء وأسرار خلق الانسان والتدخل فيها وظهور تقنيات علمية كان مجرد التفكير بها في السابق ضربا من الجنون، العالم اليوم اصبح كله في قبضة يد العلم فليس هناك مستحيل وما يفلت من فكر العلماء في هذا الزمن ويصبح عصيا عليهم ويجدون صعوبة في تأويله واكتشافه، هناك تطمينات منهم بأنهم سيمسكوه في القريب العاجل وسيكون في خدمة الانسان..

أمام كل هذا الرقي العلمي والعمراني كانت تأمل البشرية أن تعيش بسعادة وهناء وأن تسود العدالة الاجتماعية كل المجتمعات وأن تكون العلاقة بين الدول قائمة على السلام وحسن الجوار والمصالح المشتركة ويُنظر الى الشعوب، بأبيضها وأسودها وأسمرها وأصفرها، بعين الرحمة والإنسانية. لكن يظهر أن حسابات البيدر تختلف عن حسابات الزرع. فالبشرية تقف اليوم بذهول وهي ترنو بنفس منكسرة وألم الى ما يحصل من جرائم وحروب واستغلال واستعباد للشعوب خاصة الفقيرة والضعيفة منها، ونبرة العدوانية والكراهية والعنصرية تتصاعد يوما بعد يوم حتى أن الشعوب جميعا، حتى المتحضرة منها، أصبحت الآن على حافة الهاوية وقد تنزلق الأمور أكثر وأكثر لتجد نفسها في جحيم مستعر بالقتل والابادة الجماعية، وتكون وجها لوجه امام الفقر والجوع والحرمان وصعوبة الحصول على رغيف الخبز.

 وهذا ما تصرح به معظم الحكومات وتطلب من شعوبها شد الاحزمة على البطون والتهيؤ للمفاجئات والكوارث والانهيارات، وقد أعذر من أنذر لكل من لم يتحسب لهذا الأمر.. فأين يقف العلم وثورته العلمية التكنولوجية وما هو دورهما في منع وتخفيف صدمات الكوارث التي تحيق بالبشرية؟ اليس من واجب العلم أن يطور العقول ويرتقي بالأرواح والنفوس الى المديات المطلقة؟ نعم.. إن العلم سلاح ذو حدين، ومن يتحكم بالعلم هو الأفكار الشمولية والنظم السياسية المنبثقة منها ، فان كان النظام السياسي ديمقراطيا ويوفر العدالة الاجتماعية ويرسخ القيم الانسانية فان العلم يكون في خدمة الانسان والمجتمعات، ويعمل على تطوير العقول ويوفر أسباب العيش الرغيد سواء في الجانب الصحي أو الخدمات المتطورة والتقنيات المذهلة والاستقلال الفكري والوعي الاجتماعي. وإن كان النظام السياسي قائما على الاستغلال واستعباد الشعوب، والمال وفائض قيمته وتغول الشركات الاحتكارية عموده الفقري، فيما تمد هذه الشركات أذرعها في كل العالم، عندها يكون العلم سلاحها الفتاك في تهديد الشعوب وزعزعة أمنها وارباك سبل العيش فيها، كما يحصل اليوم في عالمنا الذي تحكمه قيم النظام الرأسمالي الاستعماري والذي تدفع بسببه الشعوب الضعيفة والمستَغلة حاضرها ومستقبلها للعالم الامبريالي المتوحش من أجل أن يبقى ويحافظ على ديمومته كنظام اقتصادي وحيد للشعوب كافة.

 وما نراه اليوم من صراع دموي بين الشركات الاحتكارية والأحلاف العسكرية الغربية في الحرب الروسية الاوكرانية بحيث دفع الشعب الاوكراني ثمنا باهضا لهذا الصراع الدولي من اجل الاستحواذ على خيراته والاستيلاء على أرضه وتركه مشردا في بقاع العالم كافة، وحرب ابادة الشعب الفلسطيني في غزة من قبل الكيان الصهيوني أو الحرب الأمريكية الصهيونية الظالمة ضد الشعب الايراني والتي مازالت مستعرة.. ولن تقف الأمور عند هذا الحد فالصراع لا يهدد القوى المتحاربة فقط، فكل منها يهدد بإبادة الحياة على الأرض إن ثلمت مصالحه في هذا البلد او في بلدان أخرى. وإذا شعر أن حصته ستكون منقوصة فيحاول أن يدفّع جميع الشعوب الثمن من خلال حرب نووية قد تجعل العيش مستحيلا على الأرض وتتلوث التربة والهواء وكل شيء.

وليس هذا بمستحيل في العقل الغربي، فالحرب العالمية الثانية دمرت شعبي هيروشيما وناكازاكي على يد الولايات المتحدة الأمريكية، علما بأن ما تم تطويره من أسلحة في الزمن الحديث يفوق بقوته التدميرية آلاف المرات قوة القنابل النووية التي أسقطت على المدينتين اليابانيتين..

ان النظام الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة والبلدان الغربية هو خالق أزمات العالم، وإن تم حل الأزمة الروسية الاوكرانية أو الحرب الأمريكية الصهيونية ضد ايران وغيرها من الحروب في المستقبل بطريقة سلمية دون اللجوء الى الخيار النووي، فإن هناك أوراقا كثيرة بيدها مثل اثارة أزمة تايوان مع الصين أو هونغ كونغ، او التحرش المجنون بنظام كوريا الشمالية أو اعادة مشكلة الجزر بين اليابان والصين أو الجزر مع روسيا او خلق أزمة في أية بقعة في العالم في امريكا الجنوبية أو آسيا وأي بلد يحاول أن يرفع رأسه ويطالب العيش بحرية وكرامة بعيدا عن الهيمنة والتبعية. فالقوى الامبريالية الغاشمة تهدد خصومها بآخر تقنيات العلم من أسلحة نووية فتاكة.

إذن العلم بنية فوقية تتبع النظام السياسي القائم ولا دور رئيسي له في تنمية أخلاق البشر وبناء العدالة والحرية المجتمعية بل العكس يكون أداة تدمير وكراهية وعسف بيد الجاهل الذي يستخدمه كما يحصل في البلدان الاسلامية المتخلفة وأفكار أحزابها الشمولية التي تعتقد وتشيع بأنها تمثل خلاصة وجوهر الدين الاسلامي لكن هذه الأفكار المتطرفة للأحزاب الاسلامية، من قاعدة وداعش ومنظمات سلفية أو مرتزقة. المتشكلة في مؤسسات العقل السياسي الغربي من أجل تدمير العالم ومسخ هويته استخدمت تقنيات العلم الحديثة وأسلحته، التي زودهم الغرب بها، باسلوب همجي فأشاعت الموت المجاني والقتل على الهوية وسبي النساء واستعبادها وابادة الشعوب ، وترويض المتبقي من شعوبها الذي لا حول ولا قوة له وجعله قطيعا غارقا بالأوهام والجهل والخرافات..

فيما العلم.. تنويري وله أيضا جانب تدميري نفسي إن أستخدم من قبل الفرد المجرد بطريقة لا عقلانية غرائزية ، كما يحصل اليوم من غرق للمجتمعات في عوالم الاتصال الاجتماعي والتقنيات الألكترونية. فالانسان كي يهرب من المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ يلجأ الى العالم الافتراضي الذي وفرته منظومات الانترنيت من فيس بوك وتويتر وانستغرام ومئات المواقع الألكترونية، فأصابه التوحد والانقطاع عن الآخرين مما تسبب في تهتك النسيج الاجتماعي والفرقة والانفصال وشعور الفرد بأنه وحيد في العالم ازاء المشاكل التي تحاصره، بعكس الزمن البسيط السابق، الفقير علميا، والذي سمّاه بالزمن الجميل، زمن الألفة والمحبة والشهامة والصداقة والرأفة والشفقة والاندماج الدائم للفرد ضمن المجموع.

ان أزمة البشرية عامة أزمة ثقافية وفكرية يعاني منها مواطن العالم الغربي المتقدم ومواطن العالم الثالث المتخلف، والحضارة التي يراها المواطن من أبنية وعمران هي حضارة شكلية تزويقية مبهرجة وباطنها مظلم ومجهول، لأن من يقود هذه الحضارة سياسيا أغلبهم من البرابرة الجشعين، الذين لا يقيمون وزنا لأية اعتبارات انسانية تقف أمام مصالحهم ونمو رأسمالهم، وكل شيء في نظرهم سلعة تباع وتشترى: الثقافة، الدين، الأدب، الفن، القيم وكل شيء ينطبق عليه مزاد العرض والطلب قانون الرأسمالية وسر ديمومتها، وهو الذي سيكون في النهاية سر موتها.. ان ما تحتاجه البشرية هو نظام سياسي منصف قائم على العدالة الاجتماعية يمنع الاستغلال وينظر الى الانسان، أينما كان، كقيمة عليا. نظام ترتقي فيه الثقافة ويتسلح بالأفكار التنويرية والموضوعية القادرة على تطمين حاضر الانسان ومستقبله، واعادة ألفة ولُحمة البشر واحترام القانون. فبالعلم يمكن ان تكون هناك حضارة انسانية حقة..