في هذه الورقة نناقش المسار الإبداعي للمثقفة العضوية لطفية الدليمي ضمن المسارات الآتية:
أولا: تعدد الإبداع ووحدة المشروع الثقافي
حين نستذكر الروائية العراقية الراحلة لطيفة الدليمي، فإننا لا نستذكر اسما بارزا في مشهد الرواية العراقية فحسب، بل نستعيد تجربة إبداعية وثقافية متعددة المسارات، تتكامل فيها الرواية والقصة والترجمة والكتابة الثقافية، لتشكل مشروعا يتجاوز حدود الجنس الأدبي الواحد، وينفتح على أسئلة الإنسان والمرأة والثقافة والعالم.
لقد كانت لطيفة الدليمي أكثر من روائية؛ كانت مثقفة تمتلك وعيا بمسؤولية الكتابة، وبقدرة الإبداع على مساءلة الواقع، وتفكيك الصور المألوفة، واستكشاف إمكانات جديدة للوجود الإنساني. ولعل ما يمنح تجربتها خصوصيتها أن تعدد مجالات كتابتها لم يكن تشتتا في الموضوعات، بل تنوعا يجمعه شغف واحد بالمعرفة، وإيمان بأن الثقافة مجال لتوسيع الوعي وتحرير الإنسان.
ثانيا: الوعي الجندري وتجاوز الصورة التقليدية للمرأة
لعل أبرز ما يستوقفنا في تجربة لطيفة الدليمي هو وعيها الجندري؛ ذلك الوعي الذي لا يكتفي برصد مشكلات المرأة، بل ينفذ إلى البنى الثقافية والاجتماعية التي تسهم في تشكيل هويتها وتحديد موقعها في المجتمع.
فالمرأة في عالمها السردي ليست مجرد ذات تتلقى آثار التهميش، ولا شخصية تختزل في مشكلات الحب والزواج والأسرة، على أهمية هذه التجارب في الحياة الإنسانية، بل هي ذات تمتلك أسئلتها الفكرية، وشغفها المعرفي، وقدرتها على الاختيار والمشاركة في صناعة الثقافة.
إنها تتطلع إلى نموذج نسوي مغاير للمألوف؛ نموذج لا تختزل فيه المرأة في معاناتها، ولا تستنفد هويتها في أدوارها الاجتماعية التقليدية، بل تتجاوز ذلك إلى بناء ذات ثقافية مستقلة، قادرة على التفكير والحوار وإنتاج المعرفة.
وهنا تتجلى أهمية تجربتها؛ فهي لا تجعل المرأة موضوعا للكتابة فحسب، بل تمنحها موقعا في إنتاج الرؤية وتشكيل المعنى.
ومن هنا نستطيع أن نقرأ مشروعها بوصفه اشتغالا على الوعي النسوي، لا بمعنى إعلان الموقف من قضية المرأة فحسب، بل بمعنى مساءلة التمثيلات الثقافية التي حصرت المرأة طويلا في أدوار محدودة.
ثالثا: النموذج النسوي بين المشاركة والغلبة
إن ما يستحق التأمل في هذا المشروع هو أن تجاوز المرأة لحدودها التقليدية لا يعني الدخول في منافسة مع الرجل، ولا السعي إلى استبدال مركز بآخر، أو تحويل الثقافة إلى ساحة للتباري والغلبة بين الجنسين.
إن المسألة تتصل ببناء علاقة ثقافية أكثر نضجا، تقوم على المشاركة والحوار والاعتراف المتبادل. فالمرأة التي نستطيع أن نستشفها من هذه التجربة ليست نسخة من الرجل، ولا نقيضا له؛ إنها ذات إنسانية مستقلة، تمتلك خصوصيتها، وتشارك في الوقت نفسه في إنتاج المعارف والقيم التي تنهض بها الحياة الثقافية.
ومن هنا، لا تكمن قيمة النموذج النسوي في قدرته على الانتصار في صراع بين الهويات، بل في قدرته على توسيع معنى الثقافة، وتأكيد حق المرأة في أن تكون شريكة كاملة في إنتاج المعرفة وصياغة الأسئلة التي تشغل الإنسان والمجتمع.
رابعا: تنوع المدارات السردية واتساع الرؤية
يتجلى هذا الوعي في تنوع العوالم الروائية التي بنتها لطيفة الدليمي، وفي انتقالها بين التجربة الفردية والتحولات الاجتماعية والتاريخية، وبين الأسئلة النفسية والهموم الثقافية العامة.
ففي رواية «سيدات زحل» يتداخل المصير النسوي مع الذاكرة العراقية وما شهدته البلاد من عنف وتحولات، فلا تبقى التجربة النسوية معزولة عن التاريخ، بل تصبح إحدى طرائق قراءته والكشف عن آثاره في الإنسان.
وفي رواية «عشاق وفونوغراف وأزمنة» تتسع الرؤية السردية لتشمل تحولات المجتمع وتعدد الأزمنة والأجيال، وتتقاطع الحيوات الخاصة مع الذاكرة العامة. أما رواية «عالم النساء الوحيدات» فتفتح مجالا لتأمل الوحدة النسوية وشروطها الإنسانية والاجتماعية.
وتكشف هذه الأعمال، على اختلاف عوالمها، عن أن الرواية عند لطيفة الدليمي ليست مجرد بناء حكائي، بل وسيلة لفهم التحولات، واستكشاف العلاقة بين الفرد ومحيطه، وبين الذاكرة والتاريخ، وبين التجربة الخاصة والأسئلة العامة.
خامسا: الترجمة والكتابة الثقافية واتساع الأفق المعرفي
إذا كانت الرواية والقصة تكشفان عن قدرة لطيفة الدليمي على بناء العوالم المتخيلة، فإن الترجمة تكشف عن وجه آخر من شخصيتها الثقافية؛ وجه المثقفة التي لا تكتفي بإنتاج المعرفة، بل تسعى إلى نقلها وإقامة جسور الحوار بين الثقافات.
فالترجمة في تجربتها ليست نشاطا هامشيا، بل جزء من مشروعها المعرفي، ومن انفتاحها على آداب العالم وأفكاره. إنها توسع أفق القارئ العربي، وتتيح له الاقتراب من تجارب إنسانية وثقافية مختلفة، بما تحمله من أسئلة ورؤى وإمكانات جديدة للفهم.
ويكتمل هذا المسار بكتابتها الثقافية والفكرية، التي تتجاوز حدود النص الأدبي إلى قضايا المرأة والحرية والثقافة والوعي. وهكذا تتفاعل في تجربتها مسارات ثلاثة:
الإبداع الذي يجسد الأسئلة في الشخصيات والعوالم،
والترجمة التي توسع مجال المعرفة،
والكتابة الثقافية التي تمنح التجربة بعدا تأمليا ونقديا.
سادسا: الثقافة بوصفها قيمة إنسانية
لعل ما يمنح هذه التجربة بعدها الأعمق هو ارتباطها بشغف يتجاوز حدود الإنجاز الأدبي إلى معنى الثقافة في الحياة الإنسانية. ففي عالم تتسارع فيه الماديات، وتتراجع فيه أحيانا مساحة التأمل، تبرز أهمية المثقف الذي يحفظ صلته بالقيم الروحية والثقافية والإنسانية، ويجعل من المعرفة وسيلة لفهم الحياة، لا مجرد تراكم للمعلومات.
ولقد كانت لطيفة الدليمي، في تنوع اشتغالاتها، مثالا للمثقفة التي تجمع بين شغف الكتابة وشغف المعرفة، وبين الاهتمام بخصوصية المجتمع العراقي والانفتاح على آفاق الثقافة الإنسانية.
ومن هنا، يمكننا أن نصفها بأنها المثقفة النسوية المتكاملة والعابرة للحدود المعرفية؛ فهي لم تحصر نفسها في اختصاص مغلق، ولم تفصل الإبداع عن الفكر، ولم تجعل من الثقافة مجالا للانغلاق على الذات، بل جعلت من تعدد مجالاتها سبيلا إلى توسيع أفق الوعي والحوار.
**ختاما: أسئلة مفتوحة على المستقبل**
إن استذكار لطيفة الدليمي اليوم لا ينبغي أن يقتصر على تعداد منجزها، أو التعبير عن الأسى لرحيلها، بل ينبغي أن يتجه إلى إعادة قراءة مشروعها في وحدته وتنوعه، واكتشاف الروابط التي تجمع بين كتاباتها السردية وترجماتها ومواقفها الثقافية.
لم تكن لطيفة الدليمي كاتبة انشغلت بالمرأة بمعزل عن العالم، بل جعلت من أسئلة المرأة مدخلا إلى أسئلة الثقافة والحرية والوجود الإنساني. ولم يكن تنوعها الإبداعي مجرد تعدد في الممارسات، بل تعبيرا عن وعي يتطلع إلى تجاوز الحدود بين الأجناس والحقول، وإلى بناء ثقافة تتسع للاختلاف والحوار والمشاركة.
رحم الله لطيفة الدليمي؛ الكاتبة التي جعلت من الإبداع طريقا إلى المعرفة، ومن الوعي النسوي أفقا للحرية والمشاركة، ومن الثقافة فضاء للحوار الإنساني.
وسيبقى منجزها جديرا بأن يقرأ لا بوصفه صفحات أغلقت برحيل صاحبتها، بل بوصفه أسئلة مفتوحة تواصل حضورها في ذاكرة الأدب العراقي والثقافة العربية.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
* أكاديمية وكاتبة