اخر الاخبار

مقدمة

أيقظت انتفاضة تشرين المجيدة الحسَّ الثوري في العراق، وهي تُعدّ أهم حدث في تاريخه الحديث، قام به أحفاد ثورة العشرين عشية مرور قرن على ثورة أجدادهم العظام؛ فهي انتفاضة شكّلت انعطافةً في مسار الحركة الثورية العراقية، وأحيت الشعور الوطني، وساهمت في إعادة الهوية الوطنية العراقية التي غيّبتها سياسة المحاصصة الطائفية، وكسرت حاجز الخوف من أجهزة السلطة القمعية، وأشاعت روح التحدي، وفضحت خضوع المتنفذين للدول الأجنبية، وكشفت حقدهم الدفين على كل ما هو وطني وديمقراطي. فهي خطوة عملية جريئة، وهنا نتذكر قول ماركس: ((كل خطوة عملية تخطوها الحركة أهم من دزينة برامج)).

في هذا المعنى، نشير هنا إلى عدة نقاط:

1- كان لمواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية المختلفة أثر إيجابي في مسار الانتفاضة، لقدرتها على تسهيل التواصل والتنظيم وتسريعهما مع جميع الفصائل، ومعرفة مواقفها أولًا بأول.

2- أدّى التراكم الكمي إلى تغيير كيفي؛ فقد أدّت التراكمات الكمية، التي أسهمت في تأجيج غضب الجماهير وشعورها بالظلم، إلى تغيير في تفكيرها لاحقًا.

لقد وصلت حالات الفساد إلى مستويات غير طبيعية، وأدخلت البلاد في مستقبل مظلم. وبسبب إخفاق القوى المتسلطة في دفع مسيرة البلاد نحو النهج الصحيح، تحوّل مزاج الجماهير من حالة الهدوء النسبي إلى الانتفاضة على الأوضاع المزرية. هذه التراكمات، وما سبقها من حملات احتجاجية وتظاهرات وهبّات واعتصامات رافضة لنظام المحاصصة الطائفية والفساد المدعوم بسلطة الميليشيات المسلحة وأتباعها، منذ عامي 2010 و2011، مرورًا باحتجاجات عام 2015، وصولًا إلى انتفاضة تشرين عام 2019، أوصلت وعي الجماهير إلى مرحلة المطالبة بالتغيير الكيفي، لكنه، للأسف، لم يتحوّل إلى ثورة. أي إن التراكمات الكمية لم تبلغ الذروة، ولم يصبح التغيير حتميًا؛ إذ إن ذلك يحتاج إلى تراكم أكبر وفي ظل ظروف أفضل. فالظروف الذاتية والموضوعية لم تكن ناضجة لعدة أسباب، منها:

لماذا لم تحقق انتفاضة تشرين أهدافها؟

نعود إلى صراع الأضداد؛ فوجودهما معًا يجعل أحدهما يقاوم الآخر، ويحصل التغيير عندما تصل التراكمات التدريجية إلى درجة يصبح فيها التغيير حتميًا، ويتحوّل إلى ثورة؛ فلا الشعب قادر على العيش في ظل هذه الظروف، ولا السلطات الحاكمة قادرة على البقاء والتحكم بالجماهير وبمصير البلاد.

القوى التي جاءت مع المحتل تحالفت مع قوى طفيلية محلية لتشابك مصالحهما، بالإضافة إلى وجود قوى رجعية، وقوى أخرى تريد العودة إلى النظام الدكتاتوري السابق. وبسبب الاقتصاد الريعي وعدم توافر فرص العمل، اضطر الكثيرون إلى الالتحاق بالجيش والشرطة والحشد الشعبي والقوى الأمنية الأخرى، وهؤلاء، بالضرورة، يسيرون في كنف القوى المتنفذة، ناهيك عن قوى أخرى مرتبطة بأنظمة خارجية. هذه القوى تتصارع فيما بينها، لكن مصالحها مترابطة؛ فتتوحّد ضد الانتفاضة.

من جهة أخرى، هناك قوى تقدمية ووطنية وديمقراطية وشعبية تريد بناء دولة وطنية ديمقراطية تسود فيها العدالة الاجتماعية.

هنا يتصارع النقيضان؛ فالقوى التقدمية في حالة نضال من أجل خلق وعي جماهيري، إلى أن يصل الأمر إلى مرحلة ثورية. لقد أوجدت هذه الانتفاضة وعيًا وطنيًا وثوريًا، وأيقظت شعبنا من سبات عميق. 

الظروف الذاتية والموضوعية لانحسار الانتفاضة

أولًا- الظروف الذاتية

1- عدم وجود تجانس طبقي: القوى التي ساهمت في الانتفاضة تمتد من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وتتصدرها مجموعات من الشباب والشابات، من الطلبة والخريجين العاطلين عن العمل والكسبة والمثقفين والفنانين، ومن العوائل الفقيرة المعدمة والكادحين والفئات الوسطى، ولم يسبق لنسبة كبيرة منهم أن شاركت في أي نشاط سياسي.

2- وعي القوى والفئات المساهمة في الانتفاضة: هو خليط من الوعي السياسي والوطني والديمقراطي، ومن الوعي الطبقي غير المتجانس، لكنهم جميعًا رفضوا الطائفية والفساد، وطالبوا بالهوية الوطنية العراقية، مع وجود بعض الفصائل الممثلة للقوى المتنفذة. ولا بد من أن نؤشر الدور المتميز للمرأة العراقية في هذا الحضور الذي فاجأ الجميع.

3- غياب وحدة المصالح والأهداف: هناك من يريد حصر الانتفاضة بأهداف مطلبية ومهنية، وهناك من رفع شعارات وطنية وديمقراطية، وتجذّرت لاحقًا أهداف الحرية والخلاص من نظام المحاصصة والفساد. والبعض رفع شعار (إسقاط النظام)، والبعض يريد الإصلاح فقط، وآخرون طالبوا بالتغيير، وصولًا إلى شعار (أريد وطن)، أي استعادة الوطن المنهوب من القوى الظلامية والطائفية والفاسدة.

4- غياب التنظيم والفكر: لا حركة ثورية من دون نظرية ثورية، ومن دون تنظيم ثوري.

انطلاقًا مما سبق، فإن من نقاط ضعف الانتفاضة عدم وجود تنظيم، ولا نظرية فكرية جامعة لها. وكانت بعض الشعارات غير واقعية، ومنها شعار (لا للأحزاب كافة)).

افتقر المنتفضون إلى الفكر الثوري، رغم ما لعبه رفاق ورفيقات الحزب الشيوعي دورًا جماهيريًا متميزًا، رغم الظروف المعقدة والصعبة والمخاطر التي أحاطت بالانتفاضة منذ بدئها، محاولين رفع وعي المنتفضين. ولم يكن من السهل تغيير مفاهيم المنتفضين حول الانتفاضة.

5- غياب القيادة السياسية الموحدة: للأسف، لم تكن هناك وحدة فكرية ولا تنظيمية، ولم توجد قيادة موحدة للانتفاضة، على الرغم من الدور البطولي الذي لعبته الجماهير. وكان هذا ضعفًا واضحًا. ورغم بروز قيادات سياسية، فإنها لم تكن ذات تجارب ثورية.

فكانت الانتفاضة تسير وفق اجتهادات كل مجموعة من مجموعاتها، وحصل على أثر ذلك العديد من الخلافات والمشكلات التي أثّرت في مسيرة الانتفاضة. فمثلًا، أراد البعض استخدام العنف، في حين أراد آخرون الحفاظ على سلمية الانتفاضة. وكذلك كان هناك شعار (لا للأحزاب)، والموقف السلبي من جميع الأحزاب، مما يدل على عدم الدراية السياسية. ومن جهة أخرى، انعدم التنسيق بين المجموعات المختلفة، مما سهّل على قوى العدو التغلغل والاندساس في صفوفها، من جهات متنفذة عدة؛ فكان بعضهم يصوّر المنتفضين، وينقل أخبارهم، ويراقب تحركاتهم أولًا بأول. بل كان هناك وجود لخيام معروفة المصدر والأهداف جيدًا. فهناك قوى انتهازية وضعت نفسها إلى جانب القوى المعادية للانتفاضة، رغم أنها تنتمي إلى الطبقات الفقيرة.

ثانيًا- الظروف الموضوعية لانحسار انتفاضة تشرين المجيدة

1- عدم انتشار شرارة الانتفاضة في عموم العراق، بل انحسارها في بغداد والمحافظات الجنوبية، وذلك لأسباب عديدة.

2- كان لعدم تكافؤ القوى بين رجال الانتفاضة العُزّل السلميين والسلطات المتنفذة والميليشيات المسلحة والمنفلتة أثر في مسيرة الانتفاضة؛ إذ استخدمت السلطات عدة أساليب لتشويه سمعة الانتفاضة، حتى قبل انطلاقها، ناهيك عن استخدام العنف المفرط، وتعرّض المنتفضين للقتل والاختطاف والتغييب والتشهير، فضلًا عن عمليات الاندساس وشراء الذمم وغيرها من الأساليب القذرة والقمعية.

3- كان لانتشار جائحة كورونا أثر سلبي في مسيرة الانتفاضة؛ إذ استغلت بعض الجهات الخارجة على القانون حالة الوباء لممارسة أساليب القتل والاعتقال والاختطاف، وللأسف، بتواطؤ مع الحكومة.

مستقبل الانتفاضة وطموحات شعبنا

الانتفاضة لم تنتهِ؛ فالعوامل والأسباب التي شخصناها لانطلاقها ما زالت قائمة، فلا نظام المحاصصة والفساد قد زال، ولا الفقر والبطالة، ولم تتم محاسبة القتلة والمجرمين وسرّاق المال العام والمخرّبين، رغم محاولات إجهاض الانتفاضة ووأدها. ورغم كل ما تعرّضت له، فإنها زرعت الأمل بالتغيير. أما الذين نعتوا المنتفضين بالعمالة، فهم أنفسهم الذين كشفت الانتفاضة وجوههم الحقيقية وعمالتهم.

بالمقابل، خلقت الانتفاضة وعيًا سياسيًا واجتماعيًا وثوريًا بين أبناء الشعب كافة، بعد فترة سبات طويلة، وكشفت عن قدرات كبيرة لدى أبناء شعبنا واستعدادهم للتضحية والفداء، وخصوصًا لدى جيل الشباب الجديد. كما كشفت عن قدرات كبيرة في القيادة والإبداع في الفن بمختلف أشكاله، من رسم وغناء ومسرح، وفي مجال الأدب، من شعر وخطابة وغيرهما.

من جهة أخرى، اتهمت السلطات الحكومية الرسمية (طرفًا ثالثًا)، وحمّلته مسؤولية كل الجرائم التي ارتُكبت ضد المنتفضين. وهذا إقرار بعجز الدولة عن الحفاظ على أبناء شعبها، لكن الحقيقة هي التواطؤ وخضوع الأجهزة الأمنية العراقية لإرادات القوى المتنفذة.

- كشفت الانتفاضة عن ضعف أداء السلطات التشريعية وتواطؤها مع القوى المتنفذة.

- كما أجبرت الانتفاضة السلطات كافة على إعادة حساباتها، بل وقدّمت عدة تنازلات، رغم عدم جدية معظمها.

-  أيقظت الانتفاضة منظمات المجتمع الدولي المختلفة، بما فيها الأمم المتحدة، لتنتبه إلى ما يتعرض له بلدنا من دمار. وقدّمت العديد من هذه الجهات الدعم والتضامن والتأييد للمطالب العادلة، وكذلك وقفت العديد من الدول والأحزاب الديمقراطية في دول العالم مع الانتفاضة.

خلاصة القول: إن الانتفاضة لم تنتهِ؛ لأنها انتفاضة شبابية سلمية ديمقراطية. 

مستقبل العراق السياسي

- كشفت الانتخابات وهم التغيير لدى الذين كانوا يعوّلون عليها، بل على العكس، كانت الانتخابات عامل إنقاذ للقوى المتنفذة التي كادت تحتضر بفعل انتفاضة تشرين.

 وكانت الانتخابات لتدوير سلطة المحاصصة والفساد، وليس لتحقيق إرادة الشعب. وقد أدّت إلى تدهور الأوضاع أكثر.

-  ما زال العامل الخارجي يلعب دورًا كبيرًا في الوضع السياسي في العراق، لما يملكه العراق من إمكانات اقتصادية وموقع جغرافي مهم؛ لذا فإن التدخلات كثيرة وكبيرة من دول الجوار والولايات المتحدة، وحتى الدول الأوروبية، رغم الانسحاب الأمريكي.

-  لم تتمكن السلطات العراقية حتى الآن من محاكمة قتلة المتظاهرين، رغم اعترافهم بذلك علنًا، ولم تتمكن من نزع السلاح المنفلت من الميليشيات التي بات بعضها يمتلك أسلحة متوسطة وثقيلة.

-  لم تتمكن السلطات العراقية حتى الآن من تقديم الفاسدين الكبار، الذين يقفون وراء خراب البلد، إلى المحاكمة، ولا من محاكمة المسؤولين عن سقوط المحافظات العراقية وعن جرائم سبايكر، بل ما زال هؤلاء هم المتنفذين في الواقع العراقي.

-  لم تُفعَّل قوانين مهمة، مثل قانون الأحزاب وقانون الانتخابات العادل، ولا توجد قوانين عادلة في التعيينات والرواتب والتقاعد... إلخ.

-  اليوم، تشكّلت عدة أحزاب وتيارات تدّعي المدنية وترفع شعارات تشرين، وبعضها فصائل وواجهات تابعة للأحزاب المتنفذة نفسها، والمتسببة في كل هذا التردي في الواقع العراقي.

- ما زالت القوى المدنية والديمقراطية مشتتة، ولم تجمع قواها وتتوحّد لإيجاد عمل سياسي حديث، كما لم تتقارب وتوحّد جهودها مع منتفضي تشرين. وتبدو هذه المهمة اليوم ملحّة جدًا، ولا بد من المضي فيها بسرعة لتوحيد الجهود والانطلاق لتهيئة الشارع العراقي لما هو قادم؛ فالقوى المتنفذة لم تعد قادرة على قيادة البلاد كما في السابق، وما زالت سياسة المحاصصة هي السائدة.

- لا بد من فصل الدين عن الدولة، وبناء نظام مدني وطني ينبذ الطائفية والمحاصصاتية.

-  على القوى المدنية الديمقراطية الاعتماد على الجماهير وتعبئتها من أجل تحقيق مصالحها، وأن تثق بالجماهير، بل وأن تتعلم منها وتعلّمها.

-  اليوم، يحتاج العراق إلى تغيير جذري، وإلى إعادة بناء الدولة على أسس جديدة تؤسّس لروح المواطنة، وإعادة بناء القوات الأمنية والمسلحة بروح حب الوطن وخدمة الشعب، وبروح مهنية، وتحقيق استقلال القضاء التام بعيدًا عن التأثيرات الحزبية وغيرها. وقبل كل هذا وذاك، يجب عدم فسح المجال للتدخلات الخارجية في شؤونه الداخلية والخارجية، أي تحقيق الاستقلال الحقيقي والتام.