تأسست الدولة الحديثة على قاعدة جوهرية مفادها أن الجميع، حكاماً ومحكومين، مسؤولين وقضاة ومواطنين، يخضعون لحكم القانون دون تمييز، ويجد هذا المبدأ جذوره العميقة في التصور القرآني للرقابة على أعمال الإنسان، حيث يؤكد القرآن الكريم أن كل فعل وقول محصى ومراقب، وأن المسؤولية أمام الله شاملة لا ينجو منها أحد، وفي المقابل، يواجه الواقع العملي في الدول تحديات تتعلق بظاهرة (الأشخاص الذين هم فوق القانون)، سواء بسبب النفوذ السياسي أو الفهم الخاطئ للحصانة، ومن هنا تأتي أهمية الربط بين الرقابة الإلهية والرقابة الدستورية والقانونية، لتوضيح أن الاستقامة لا تتحقق إلا بوعي الإنسان بوجود رقابة الله على اعمالهم، وبخضوع السلطات والأفراد لسيادة القانون.
ويقدم لنا القرآن الكريم تصوراً شاملاً للرقابة، ويصنفها الى مستويات متعددة، منها (رقابة الله المباشرة بقوله تعالى في الاية 156 من سورة عمران (والله بما تعملون بصير)، وكذلك عن طريق رقابة الملائكة الكتبة بقوله تعالى في الآية الكريمة (10 ,و11 و12) من سورة الانفطار (وان عليكم لحافظين، كرامًا كاتبين، يعلمون ما تفعلون)، ثم رقابة النفس والضمير بقوله تعالى في الآية الكريمة (14) من سورة القيامة (بل الانسان على نفسه بصيرة)، وأضاف اليها رقابة الجوارح والزمان والمكان بقوله تعالى في الاية الكريمة (24) من سورة النور (يوم تشهد عليهم السنتهم وايديهم وارجلهم بما كانو يعملون)، وتاتي بعد ذلك الرقابة الشاملة (الإحصاء) بقوله تعالى في الاية الكريمة (49) من سورة الكهف بقوله (ووضِع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا احصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا)، وبعد استعراض الآيات الكريمة في قوله الله تعالى يتضح لنا هذا التصور الذي يرسخ بأن لا أحد فوق الرقابة الإلهية، وأن الاستقامة الحقيقية لا تتحقق إلا بالوعي الدائم بهذه الرقابة، اما عن القيم والمبادئ الدستورية نجد بان دستور جمهورية العراق لعام 2005 أرسى مبادئ واضحة تؤكد أن الجميع خاضع للقانون، ومنها المادة (5) التي جاء فيها (السيادة للقانون، والشعب مصدر السلطات.) والمادة (14) التي جاء فيها (العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييز) والمادة (19/اولاً) التي جاء فيها (حق التقاضي مكفول ومصون للجميع)، وفي هذه النصوص نرى انها لا تقر بوجود أي سلطة أو إرادة تعلو فوق القانون، وتؤكد أن المساواة أمام القضاء مبدأ مطلق، وحتى الحصانة القضائية للقضاة او لغيرهم فان الدستور جعلها ضمانة لحماية حيادهم، لا امتياز شخصي يعفيهم من المسؤولية، لان الإفلات من الرقابة على عمل القضاة يحوّل القضاء من حارس للقانون إلى سلطة مطلقة، وهو ما يتعارض مع مبادئ العدالة، وان القانون النافذ اوجد جهة رقابة على عمل القضاة المتمثلة بهيئة الاشراف القضائي وتعمل بموجب قانون هيئة الاشراف القضائي رقم 29 لسنة 2016، الا ان بعض المناصب القضائية لا تخضع لاي رقابة ومنها منصب رئيس مجلس القضاء الأعلى وأعضاء محكمة التمييز الاتحادية وارئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية العليا ، وكذلك رئيس وأعضاء المحكمة الإدارية العليا، وغياب الرقابة، سواء كانت إلهية أو دستورية أو اجتماعية، يؤدي حتماً إلى نتائج خطيرة منها، تفرد المسؤول بالقرار، حيث يتحول المنصب إلى سلطة شخصية مطلقة، و الميل نحو الديكتاتورية الذي إذ يؤثر على التوازن بين السلطات، ويختزل الحكم في إرادة فرد أو مجموعة ضيقة، واستشراء الفساد، لان غياب الرقابة يفتح الباب أمام استغلال النفوذ والمال العام دون رادع، كذلك إضعاف الثقة العامة،: مما يؤدي إلى انهيار العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطنين، وما يشهد هالواقع العراقي حاليا بعض مما تقدم ذكره، ويلاحظ المراقب للشأن العراقي بان ضعف الأجهزة الرقابية وتسييس الحصانات ادى إلى تكريس ظاهرة الإفلات من العقاب، وهو ما يتعارض مع النصوص الدستورية وروح العدالة، وسيذكر ان هذا الامر ليس وليد اليوم بل تمتد جذوره في عمق التاريخ واهتم به الفلاسفة مثل كانط وارسطو وافلاطون، عندما ربطوا الرقابة بالواجب الأخلاقي، معتبرين أن الإنسان يجب أن يتصرف وفق قاعدة عامة تصلح أن تكون قانوناً يسري على الجميع، ومن خلال منلا تقدم لابد التنبيه الى ان بوجود أفراد أو سلطات (فوق القانون) يمثل انحرافاً عن المقاصد الدستورية والشرعية، حيث ان الرقابة الإلهية تؤكد أن لا أحد يفلت من الحساب، والرقابة الدستورية تؤكد أن الجميع متساوون أمام القانون، أما الحصانات فهي ضمانات وظيفية لا تعني الإفلات من المساءلة، ويؤدي انعدام الرقابة إلى تفرد المسؤول، والميل نحو الديكتاتورية، واستشراء الفساد، وهو ما يهدد كيان الدولة القانونية، وتبقى العبرة بتفعيل الأجهزة الرقابية وتوطيد استقلال القضاء وحياده، لضمان علوية القانون على الجميع، وتحقيق الاستقامة التي أرادها الله في القرآن الكريم، والتي نص عليها الدستور العراقي.
ـــــــــــــــــــ
* قاضٍ متقاعد