تحل اليوم الذكرى السابعة لانتفاضة تشرين المجيدة، التي ولدت من رحم الشارع العراقي وهمومه، مجسدة الطيف العراقي الزاهي، بقومياته وأديانه ومذاهبه وشرائحه، ومثلت تعبيراً شعبياً واسعاً عن أزمة النظام السياسي ومنظومة المحاصصة والفساد المهيمنة على مقدرات البلد، وصرخة مدوية لملايين العراقيين والعراقيات بوجه المنظومة السلطوية الجائرة، التي جابهتها بالحديد والنار.
ورغم مرور 7 أعوام كاملة، يواصل حراك تشرين قض مضاجع الطغمة الحاكمة الفاسدة ومليشياتها وبلطجيتها. فبعد أن ظلت تتنصل من جريمة قتل وجرح أكثر من 30 ألف شاب وشابة في ريعان الشباب، من المتظاهرين السلميين، وتصدت لهم قواتها القمعية والمليشياوية، اختلقت «طرفاً ثالثاً» مجهولاً، هو من قام بعمليات القتل، بينما شاهد الملايين كيف كانت تقوم الجحافل المدججة بالسلاح، من قوات الشغب وسوات وبلطجية المليشيات المسلحين الملثمين وبزي أسود، بقتل المتظاهرين السلميين، بالرصاص الحي والقنابل «الدخانية» الغازية السامة والقاتلة، وبكاتم الصوت والطعن بالقامات، وغيرها.
وبما أن حبل الكذب قصير، فقد اعترف، قبل أسبوعين، أحد زعماء «الإطار التنسيقي»، هادي العامري، في كلمة مكتوبة ألقاها خلال اجتماع جماهيري، نقلته قناة «الغدير»، أن «المقاومة المجاهدة» (أي المليشيات) هي من قامت بالقمع الدموي والقتل العمد لثوار تشرين «دفاعاً عن النظام السياسي» إياهم.
وقوبل اعتراف العامري، ونَعْته لانتفاضة تشرين بـ«فتنة تشرين»، ظلماً وعدواناً، بردود فعل قوية.
تساءل أ. فلاح المشعل: أية «مقاومة» هذه التي تقتل ثوار تشرين للحفاظ على نظام اللصوص الأراذل الذين استباحوا البلاد، ونهبوا خيراتها، وأفقروا شعبها؟
أية «مقاومة» تلك التي تدافع عن أفسد نظام سياسي في التاريخ؟!
وكتب أ. حسين العامل: «المقاومة التي تقمع تظاهرات سلمية دعمها الشعب وباركتها المرجعية الدينية، هي مقاومة ليست وطنية!
وعلقت أ. ماجدة الجبوري: «من يحاول تشويه انتفاضة تشرين أو شيطنتها، فما هو إلا الشيطان الأكبر في هذا الوطن».
وجاء في بيان المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي في 4/9/2026: «لقد كانت انتفاضة تشرين تعبيراً شعبياً واسعاً عن أزمة النظام السياسي ومنظومة المحاصصة والفساد، وعن تطلع مئات الآلاف من العراقيين، وفي مقدمتهم الشباب، إلى دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية والسيادة والقانون. وقدم المنتفضون في سبيل هذه المطالب تضحيات جسيمة، وسقط المئات منهم شهداء، وأصيب الآلاف، فيما تعرض ناشطون إلى الاختطاف والاغتيال والملاحقة والترهيب.
إن وصف هذه الانتفاضة الشعبية بـ«الفتنة» يمثل إساءة إلى شهدائها وجرحاها وإلى المطالب المشروعة التي حملها العراقيون إلى ساحات الاحتجاج. ويثير الحديث العلني عن دور جماعات مسلحة في التصدي لها، ووصف هذه الجماعات بـ«المقاومة»، سؤالاً جوهرياً لا يمكن تجاوزه: هل تكون المقاومة في مواجهة أبناء الشعب المطالبين بحقوقهم وحرياتهم؟
ولم يأت نعت تشرين بـ«الفتنة» صدفة، وإنما هو امتداد لنعوت أبواق السلطة لثوار تشرين والافتراء عليهم، ومنها: «جوكرية» و«عملاء سفارات» و«أبناء رفيقات». وبلغت الإساءة حد أن نعت شيخ من إياهم أمهات ثوار تشرين بـ«العاهرات»!!! ولم تتحرك ضده (لجنة المحتوى الهابط) التابعة لوزارة الداخلية.
لكن إساءة الشيخ المشينة لم تمر، إذ رد عليه العشرات من الكتاب. وأقام المئات من العراقيين والعراقيات من جميع المحافظات العراقية المنتفضة دعاوى قضائية ضده. وبانتظار القضاء العادل أن يقول كلمته..
ولكي نفضح كذب وافتراء أبواق المنظومة السلطوية الجائرة، نورد هنا بضعة مؤشرات هامة من دراسة واسعة ستنشر قريباً في كتاب خاص، حيث وثق فريق العمل، بالاستناد إلى العديد من المصادر الموثوقة، الأسماء الكاملة لـ 1132 شهيداً وشهيدة، من جميع المحافظات المنتفضة، مع صور شخصية لما يعادل 62.4 في المائة من مجموع الشهداء. وقدمنا تعريفاً وافياً لكل شهيد وشهيدة، وفق ما توفر لدينا من صور ومعلومات عن كل واحد منهم.
ورتبنا الأسماء حسب الأبجدية، وكل حسب محافظته، أو حسب مكان استشهاده، مع ذكر مكان سكنه أو محل ولادته. وقسمنا أعمار الشهداء إلى فئات عمرية: أقل من 18 عاماً، 18-20 عاماً، 21-25 عاماً، 26-30 عاماً، 31-40 عاماً، وأكبر من 40 عاماً.
وفقاً لنتائج بحثنا، قتل الأوباش 1132 شاباً وشابة من ثوار تشرين، عدا أكثر من 60 شهيداً من مجهولي الهوية، الذين شوهت الأسلحة وجوههم وأجسادهم، تشويهاً كاملاً لم يستطع أحد التعرف عليهم، فقامت وزارة الصحة بدفنهم وفقاً لتعليماتها التي تنص على دفن الجثمان الذي يبقى في مشرحة الطب العدلي ثلاثة أشهر ولم يتعرف عليه أحد.. وعندما طلب محامون من وزارة الصحة صورهم، امتنعت، بذريعة «أسرار دولة».
من مجموع شهداء العراق، ثمة 582 شاباً وشابة من ثوار تشرين استشهدوا في محافظة بغداد، و191 في محافظة ذي قار، و92 في النجف الأشرف، و88 في محافظة البصرة، و48 في محافظة القادسية، و43 في محافظة ميسان، و31 في محافظة كربلاء، و24 في محافظة واسط، و19 في محافظة بابل، و12 في محافظة ديالى، وشهيدان في محافظة القادسية.
وقد مثل عدد الذين استشهدوا في بغداد أكثر من نصف مجموع شهداء تشرين في العراق. وعدا هذا، ثمة 5 شهداء من أبناء بغداد استشهدوا في المحافظات الأخرى (شهيد واحد في النجف وشهيدان في ميسان وشهيدان في البصرة) – أوردنا أسماءهم هناك.
بالمقابل، استشهد 36 شهيداً من أبناء المحافظات الأخرى، الذين شاركوا في حراك تشرين، في ساحات: التحرير، الخلاني، السنك، الوثبة، الطيران، جسر الأحرار، جسر الجمهورية، وساحة وهران بمدينة الثورة/ الصدر. منهم: 7 شهداء من واسط، و7 شهداء من القادسية، و6 شهداء من ديالى، و5 شهداء من بابل، و4 شهداء من ميسان، وشهيدان من البصرة، وشهيدان من كربلاء، وشهيد واحد من كل من: الموصل، وأربيل، وهيت.
وعرفنا محل ولادة/سكن 99 في المائة من مجموع شهداء وشهيدات تشرين في العراق. ولدينا عناوين قبور أكثر من 150 شهيداً، ووضعنا في الكتاب أمثلة من 60 صورة لقبور شهداء تشرين. وأمثلة من 20 صورة لزيارات قامت بها (رابطة تفقد عوائل شهداء انتفاضة تشرين) لعوائل شهداء تشرين، من نحو 300 زيارة تفقدية، وثقتها بالصور وبالفيديوهات.
ووجدنا أن مجموع الشهيدات والشهداء الذين نعرف أعمارهم هم 809 من مجموع شهداء وشهيدات العراق. ويشكل الشهداء الشباب بعمر دون الـ 26 عاماً 540 من مجموع الشهيدات والشهداء الذين نعرف أعمارهم.
وشكلت الفئة العمرية أقل من 18 عاماً: 132 شهيداً وشهيدة، من بينهم صبيان وفتيان دون الـ 14 عاماً، وأطفال بعمر 12 و10 أعوام، وحتى بعمر 4 سنوات، كالطفل أنيس الذي ذبحه الأوباش ورموا جثمانه الطاهر أمام باب بيته انتقاماً لرفض والده الناشط المدني الانسحاب من الحراك التشريني.
وهنا نسأل المفترين: متى أصبح الأطفال والفتيان والصبيان الشهداء: «جوكرية» و«عملاء سفارات»؟!!
واستطراداً، بين بحثنا أن الغالبية من الذين شاركوا بالتظاهرات والاحتجاجات السلمية هم من مناطق سكنية فقيرة، مثل مدينة الثورة/ الصدر، التي قدمت 116 شهيداً وشهيدة.
وثمة أكثر من 200 شهيد يتامى، ومن أسر فقيرة، تركوا الدراسة في المرحلة الابتدائية أو المتوسطة مضطرين للعمل لإعالة عوائلهم. وبينهم صبيان لا تتجاوز أعمارهم الـ 16 عاماً، وأغلبهم عمل كاسباً وعمالة بأجور يومية أو سائق تكتك أو ستوتة.
وعدا هذا، ثمة مئات الشهداء من العاطلين عن العمل في المحافظات، وبضمنهم خريجو كليات. ومن بين الشهداء أساتذة جامعيون وإعلاميون ومهندسون ومحامون وأطباء وشخصيات وطنية واجتماعية، استشهدوا برصاص القوات القمعية لانضمامهم إلى الحراك التشريني السلمي.
ختاماً، إن التشرينيين الأبرار ليسوا فتنة.. الفتنة الحقيقية هي المنظومة السلطوية ونهجها الاستبدادي وتقاعسها طيلة عقدين من الزمن عن تقديم شيء يذكر، يؤمن الحياة الكريمة والمستقبل الأفضل لغالبية المواطنين والمواطنات. لكنها بارعة بامتياز بنهب وإخفاء المليارات من أموال الشعب...
هذه المفارقة المخزية تشكل لطخة عار في جبين المنظومة السلطوية الفاسدة، التي من «بركات» هيمنتها ونهبها للمال العام، دفعت آلاف العوائل إلى أن تعيش تحت خط الفقر، ويضطر أبناؤها الفتيان والصبيان إلى ترك مقاعد الدراسة ليعملوا لإعالة أسرهم، لأن السلطة الفاسدة، التي جاءت باسم المظلومية، لم تؤمن لعوائلهم سبل العيش الكريم. وعندما خرجوا يطالبون بحقوقهم المشروعة، تصدت لهم قواتها القمعية وعناصر مليشيات أحزابها بالقمع الدموي والقتل العمد بدم بارد وبكل استهتار ووحشية.