اخر الاخبار

يتحدث كثير من أعداء ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة، من بقايا الملاك والإقطاعيين ومن تضررت مصالحهم بعد الثورة، عن منجزاتها كأنها جاءت بالخراب وتخلّف القطاع الزراعي. وهم يحرّفون الوقائع والتاريخ رغم حداثته، فيضربون المثل بهجرة الفلاحين من الريف إلى المدينة كأنها وقعت بعد الثورة لا قبلها، ويتغافلون عن أسبابها، وعن أنها جرت في عقدي الأربعينيات والخمسينيات حتى قيام الثورة. وهم ينسون في المقابل ما أنجزته الثورة من قوانين وأثرها في المجتمع العراقي، وأهمها قانون الإصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958.

ومن أراد الحديث عن هذا القانون فعليه أن يستذكر ما كان يعانيه الريف والفلاح من العلاقات الاجتماعية السائدة آنذاك، والقوانين المتحكمة فيها، والنظام الاستعماري الإنكليزي الذي حماها ودافع عنها. فقانون دعاوى العشائر لعام 1918، وقانون العلاقات الزراعية لعام 1919، وقوانين التسوية الصادرة في الثلاثينيات، كلها وضعت الفلاح تحت رحمة الملاك والإقطاعيين. وكانت السخرة مفروضة عليه، ففي عام 1926 شُغّل أكثر من 51,350 فلاحاً بنظام السخرة في بناء المعسكرات الإنكليزية. وكان الملاك والإقطاعيون يشغّلونه بلا مقابل في كري الأنهر والبزول في مناطقهم، ومن يرفض يتعرض لشتى أنواع التعذيب والإهانة والتجاوز عليه وعلى عائلته. ولا يمنحه قانون القسمة أكثر من 25 في المائة من الحاصل، ويكبّله بديون للمالك والإقطاعي لا يستطيع الفكاك منها بسبب قانون دعاوى العشائر. فكان أن هجر الفلاحون أراضيهم إلى مراكز المدن، ومنها بغداد، في وقت كان فيه الإقطاعيون والملاك، وهم 1 في المائة من السكان، يمتلكون 75 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة. ولهذا وقف الفلاحون إلى جانب الثورة منذ يومها الأول.

ولا يمكن النظر إلى القانون رقم 30 بمعزل عن القرارات والقوانين التي سبقته وتلته. فبعد اثني عشر يوماً من الثورة أُلغي قانون دعاوى العشائر، وفي اليوم التالي صدر قرار بتنفيذ القرار الصادر عام 1954 القاضي بأن تكون حصة الفلاح 50 في المائة بدلاً من 25 في المائة. وبعد نحو سبعة أشهر صدر القانون رقم 79 لسنة 1959، قانون اتحاد الجمعيات الفلاحية التعاونية، الذي أُسست بموجبه أكثر من ثلاثة آلاف جمعية فلاحية في عموم الريف العراقي. أما القانون رقم 30 فقد استفادت منه أكثر من 400 ألف عائلة ريفية، يتجاوز عدد أفرادها ثلاثة ملايين نسمة، بمساحات تفاوتت بحسب المنطقة ونوع الزراعة. وقد سبقه تشكيل لجنة ضمّت السيد هديب الحاج حمود وعدداً من الخبراء القانونيين والفنيين، وبُني على مسوّغات اجتماعية واقتصادية وسياسية.

ففي الجانب الاجتماعي، سعى القانون إلى تحقيق المساواة وإزالة الفوارق، وإلغاء السخرة، والتخلص من الظلم الاجتماعي وسوء توزيع الدخل الناجم عن سوء توزيع الملكية، والقضاء على النظم والأعراف والارتباطات القبلية والعشائرية. وفي الجانب الاقتصادي، هدف إلى إضعاف تعلق كبار الملاك بالأرض وتمركزها بأيديهم، وتوجيه الجزء الأكبر من دخولهم، بدل شراء أراضٍ جديدة، إلى القطاعات الإنتاجية القومية الأخرى، أي كبح رأس المال في صورة ملكية عقارية. وهدف كذلك إلى تحسين دخل المنتجين ورفع قدرتهم الشرائية وزيادة ميلهم إلى الادخار، بما يسهم في تطوير الإنتاج. وفي الجانب السياسي، أراد تجريد الإقطاع من نفوذه الواسع والحد من سلطته وتقليص إمكانياته المادية، والقضاء على الصراعات الطبقية الناجمة عن العلاقات الاستغلالية التي كانت تدعم أنظمة الحكم الاستعمارية، ومساعدة الفلاحين على التعبئة السياسية والجماهيرية.

وأنجزت اللجنة عملها، وصدر القانون في أيلول من عام 1958 بإعلان من رئيس الوزراء الشهيد عبد الكريم قاسم، وكان له صدى واسع في الريف.

غير أن المتضررين من القانون لم يسكتوا، فما إن استعادوا أنفاسهم حتى بدأوا التحرك لعرقلة القانون وغيره من القوانين، مستفيدين من بقاء كثير من الكوادر الوظيفية السابقة في مواقعها ومن الخلافات السياسية. فعمدوا إلى تغيير قانون الجمعيات الفلاحية بتعديل الفقرات الخاصة بتأسيس الجمعية، فبعد أن كانت تؤسس بموافقة اللجنة التنفيذية للاتحاد العام، صارت الموافقة تصدر من وزارة الداخلية. فانخفض عدد الجمعيات من ثلاثة آلاف إلى النصف، أي 1500 جمعية، وقلّ بذلك تأثير ممثلي الجمعيات في لجان التوزيع والاستيلاء، وتعثّر تنفيذ القانون. وزاد على ذلك ممارسات الإقطاعيين والملاك، الذين استخدموا السلاح واغتالوا عدداً من نشطاء الفلاحين. وقد عرقلت هذه العوامل وغيرها تنفيذ القانون كثيراً، لكنها لم تتمكن من وأده وإنهاء دوره.

ألف تحية لذكرى صدور قانون الإصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958، والمجد والخلود للشهداء الذين ضحّوا من أجل استمراريته وديمومته.

ـــــــــــــــــــــــــ

* مهندس زراعي استشاري