تناول المادة (38) من مدونة الأحكام الشرعية حكم الزواج من بعض المنتحلين للإسلام ممن يُحكم بكفرهم، وقد استندت في أصلها إلى فتاوى أجرى مشرّع المدونة تعديلات جوهرية على نصوصها؛ إذ استبدل مصطلحي (المؤمن والمؤمنة) ب (المسلم والمسلمة)، وحذف الإشارة إلى النواصب وغيرهم ممن ورد ذكرهم في أحكام الطهارة، مكتفيًا بذكر بعض الغلاة. وهذه التعديلات ليست مجرد تغيير في الألفاظ، بل ترتبت عليها إشكالات فقهية وتشريعية؛ لأن اصطلاح (المؤمن) في الفقه يختص بالشيعي الإمامي، بينما يشمل لفظ (المسلم) جميع المسلمين، مما أوجد تناقضًا بين النص المنقول ودلالته الفقهية.
ويعكس هذا الاستبدال محاولة لتجنب التصريح بحرمة زواج الشيعي من غير الشيعي، مع أن الفتاوى الفقهية التي اعتمدت عليها المدونة لا تخلو من قيود أو أحكام تتعلق بزواج أتباع المذاهب الإسلامية الأخرى. كما أن حذف ذكر النواصب جاء اتقاءً لما قد يثيره المصطلح من حساسية اجتماعية، لكونه سيُفهم على أنه يشمل شرائح واسعة من المسلمين غير الشيعة الإمامية.
إن هؤلاء الفقهاء متفقون في حرمة الزواج ممن يُسمّون بالنواصب، لكن تفاصيل آرائهم في الزواج من بقية المخالفين تتراوح بين الحرمة عند خوف الضلال، والجواز مع الكراهة، والاحتياط بالترك. ومع ذلك، فإن المدونة، بصيغتها الحالية، لم تنقل الرأي الفقهي بدقة، إذ استخدمت مصطلحات عامة توحي بخطاب موجه إلى جميع المسلمين، في حين أن الأصل الفقهي الذي استندت إليه يخاطب خصوص الشيعة الإمامية.
وهذا الخلط بين المفاهيم أدى إلى تعارض بين النص الفقهي وصياغته القانونية، وأوقع المدونة في إشكال تشريعي؛ لأنها من جهة اعتمدت فتاوى خاصة بمذهب معين، ومن جهة أخرى استخدمت ألفاظًا عامة لا تنسجم مع تلك الفتاوى، مما يجعل النص عرضة للالتباس في التطبيق والتفسير.
وعند المقارنة بين المدونة وقانون الأحوال الشخصية العراقي النافذ، نجد أن القانون الحالي يوحّد جميع المسلمين ضمن إطار قانوني واحد، بينما تؤدي المدونة إلى التفريق بينهم على أساس الانتماء المذهبي. وهذا التفريق قد يهدد استقرار أسر عراقية قائمة على الزواج بين أبناء المذاهب الإسلامية المختلفة، كما قد يقيّد مستقبلًا إمكان قيام مثل هذه العلاقات، الأمر الذي ينعكس سلبًا على السلم المجتمعي في بلد لا يزال يعاني آثار الانقسامات والعنف الطائفي.
إن استمرار العمل بالمدونة يمثل خطرًا على وحدة المجتمع واستقرار الأسرة العراقية؛ لذا ندعو إلى إلغائها، لما تتضمنه من نصوص تكرّس التمييز والانقسام المذهبي، كما نطالب في المقابل بتفعيل القوانين التي تجرّم خطاب الكراهية والطائفية، ونحث مجلس النواب على الامتناع عن تشريع قوانين تؤدي إلى تعزيز الانقسام المجتمعي على أسس دينية أو مذهبية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الحلقة العاشرة من عدد من معالجات الباحث لقضايا الأحوال الشخصية.
** مختص بفقه الإمامية وباحث في مشاريع تعديل قانون الأحوال الشخصية.