تواصل معدلات التضخم في العراق ارتفاعها بشكل ملحوظ ومتسارع منذ العام 2020، بعد إقدام الحكومة السابقة على خفض قيمة الدينار العراقي امام الدولار الأمريكي، في خطوة لمعالجة اثار الازمة الاقتصادية جراء انخفاض قيمة اسعار النفط إبان فترة جائحة كورونا، وكان ذلك على حساب المواطن.

وبررت الحكومة في حينها الامر بمنع تهريب الدولار الى خارج البلاد، ومن أجل دعم المنتج المحلي، لكن اي شيء من هذا لم يحدث، انما تحمل المواطن البسيط وحده تبعات السياسات الاقتصادية الفاشلة والفساد المستشري في مؤسسات الدولة المختلفة.

ورغم ان الحكومة الجديدة جاءت بوعود كثيره، لكن الحديث دائما ما يكون اسهل من التطبيق، فقد فشلت الحكومة ومنذ تشكيلها في وضع حدٍ لتقلبات الاسعار مع وصول قيمة الدينار الى مستويات قياسية امام الدولار.

ارتفاع المعدلات

ويوم الجمعة الماضي، اعلنت وزارة التخطيط ارتفاع معدلات التضخم في البلاد خلال العام الماضي بنسبة تتراوح بين 6-7 في المائة.

ويعزو المتحدث باسم وزارة التخطيط هذا الارتفاع إلى “ارتفاع أسعار بعض الخدمات وحجم التداول النقدي في الأسواق”، مشيرا الى “تأثر العراق بالتداعيات العالمية وسعر الصرف الذي تغير خلال الفترة الأخيرة”. 

ويحاول الهنداوي أن يخفف من وطأة الأزمة التي تعيشها البلاد بالقول ان “العالم أجمع يشهد ارتفاعا في مؤشرات التضخم نتيجة لتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية وظروف المناخ التي أسهمت في ارتفاع أسعار الصناعات والطاقة إلى أعلى المستويات، وبالتالي انعكست على مؤشرات التضخم فارتفعت بشكل ملحوظ في بلدان العالم”.

ويرهن الهنداوي عملية الحد من التضخم بـ”دعم المنتج المحلي والمحافظة على قيمة العملة الوطنية وتقنين الاستيراد”، مبينا ان “الحكومة تقوم بجملة من الإجراءات للحد من حالات التضخم، وهناك سياسات ضمن التوجهات المستقبلية لدعم الصناعة والزراعة للتقليل من حجم الاستيراد وتقنينه بما يتناسب مع الحاجة الفعلية، من اجل الاسهام في الحد من الارتفاعات غير المنطقية للتضخم في البلاد”.

إضرار بقيمة الدخل

وفي هذا الشأن، تقول الخبيرة الاقتصادية سلام سميسم ان “ارتفاع معدلات التضخم في البلاد هو نتيجة لعدم السيطرة الحكومية على علاقة الدينار بالدولار، الامر الذي انعكس سلبا على الواقع الاقتصادي”، مضيفة ان “معدلات التضخم الحالية تضر بقيمة الدخل الحقيقية وليست النقدية”.

وتضيف سميسم في حديث لـ”طريق الشعب”، ان “القيمة الحقيقية هي التي يتمكن بموجبها المواطنون من الحصول على الغذاء والدواء بالامكانيات المالية التي يتحصلون عليها شهريا، وبالتالي ما يجري من ارتفاع بنسب التضخم، يعود سلبا على القدرة الشرائية للمواطنين”.

وتستغرب سميسم من “التباهي الحكومي بتحقيق اكبر احتياطي نقدي، بينما هناك شعب يعاني الامرين من ارتفاع أسعار المواد الغذائية والعلاجية”، مشيرة الى أن “القائمين على الإدارة المالية في البلاد يفتقرون الى رؤية مالية، وان واقع البلاد بحاجة الى خلية أزمة لمعالجة المشكلات المالية الراهنة”.

وحول الحلول المقترحة في مواجهة التضخم، تبيّن الخبيرة الاقتصادية ان الامر بحاجة الى “وقفة جادة لاعادة هيكلية السياسة النقدية وإعادة النظر في سياسات التكافل الاقتصادي والاجتماعي من خلال دعم مفردات البطاقة التموينية وجعلها منتظمة، إضافة الى العمل على منح المواطنين بطاقة دوائية”.

المتضرر الأكبر

اما الخبير الاقتصادي نبيل التميمي، فيذكّر رئيس الحكومة ببرنامجه الانتخابي الذي وعد من خلاله بدعم الفقراء الذين هم اليوم الأكثر تضررا نتيجة ارتفاع نسب التضخم في البلاد.

ويبيّن التميمي في حديث لـ”طريق الشعب”، ان “الإعلان الحكومي عن ارتفاع نسب التضخم هو بمثابة اعتراف بالفشل في تحقيق الوعود التي تطلقها الجهات المسؤولة في السيطرة على أسعار السوق المحلية”، مشيرا الى ان “ما يجري من تدهور اقتصادي في البلاد متوقع منذ سنوات، وذلك بناء على اعتماد الحكومات المتعاقبة على الاستيراد الخارجي دون التفاتة تذكر، لدعم المنتج المحلي على الرغم من توفر الإمكانيات”.

ويعتقد التميمي ان هناك امكانية للسيطرة على التضخم خاصة في ظل الوضع المالي الجيد للعراق في الوقت الحالي، شريطة وضع ورقة عمل للسياسة المالية من قبل خبراء في الشأنين المالي والاقتصادي، على أن يلتزم الجانب الحكومي بتنفيذها، داعيا الى ضرورة دعم مفردات البطاقة التموينية لتقليل الضغط على العوائل ذات الدخل المحدود، إضافة الى تعزيز رواتب المستفيدين من الرعاية الاجتماعية باعتبارهم الشرائح الاوسع.

عرض مقالات: