تقف المطالبة بمكافحة الفساد على رأس المطالب الشعبية المتواصلة، منذ احتجاجات تشرين في العام 2019، بينما لم تكن الاجراءات الحكومية ترقى لمستوى الاحتجاجات، عدا أحكام مخففة أصدرها القضاء هنا وهناك، لم تطَل “حيتان الفساد”، كما يعبّر ناشطون.

اعادة محاكمة

ونشر نشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي، مخاطبات رسمية “برلمانية”، لغرض مخاطبة مجلس القضاء الاعلى لإعادة محاكمة النائب السابق المحكوم “محمود الملا طلال”، وتحدث آخرون عن وجود نية لاعادة المحكمة اليوم 23 شباط الجاري، يذكر ان هيئة النزاهة اعلنت في 17 كانون الثاني 2020 عن تفاصيل قرار الحكم الصادر عن محكمة مكافحة الفساد المركزية، حضورياً بالسجن مدة ست سنوات مع غرامة مالية قدرها عشرة ملايين دينار بحق النائب المحكوم “ محمود ملا طلال” موضحة أن قرار الحكم جاء على خلفيَّة تنفيذ الدائرة عملية ضبط بحق المتهم.

وعلى مدى الاسبوعين الماضيين، كشفت هيئة النزاهة، عن إصدار أحكام مختلفة ضد مسؤولين سابقين: وزراء، محافظين، مدراء عامين ومسؤولين محليين. ويُلاحظ أن أغلب تلك الاحكام جاءت مخففة رغم “الإضرار الجسمي” بالمال العام.

فيما نشرت وسائل اعلام مختلفة بيانات صادرة عن الهيئة، تفيد بتنفيذ عمليات استباقية بحق الفاسدين.

وتعد جميع الأحكام التي تصدرها المحاكم أولية قابلة للطعن أمام محكمة التمييز الاتحادية خلال 30 يوما من تاريخ صدورها.

اعلانات فقط!

ويقلل الناشطون من أهمية الأخبار والتصريحات الحكومية عن استعادة أو منع هدر مبالغ مالية ضخمة وملاحقة المتهمين بالفساد، معتبرين انها “لا تعدو أن تكون مجرد إعلانات لا تضر بآفة الفساد”.

وفي شباط الجاري، أصدرت السلطات القضائية أحكاما بالحبس (لم تزد أشدها على ست سنوات)، ضد وزير سابق ومدراء مصارف حكومية ومدراء عامين، ومحافظين سابقين في نينوى وديالى، ومسؤولين محليين في ذي قار.

وخلال العام الماضي، أعلنت هيئة النزاهة عن إصدار أوامر توقيف تتجاوز الـ3 آلاف، بينها 82 دعوة بحق وزراء ومن بدرجتهم، شملت أوامر قبض واستقدام ومنع من السفر لوزراء في حكومة عبد المهدي.

ويعاني العراق أزمة اقتصادية ومالية كبيرة وصلت إلى عجز الحكومة عن تسديد رواتب موظفي الدولة، فيما يعزى أبرز أسباب ذلك إلى تفشي الفساد وهدر مئات المليارات من الدولارات، خلال السنوات التي تلت غزو العراق في العام 2003.

وفور تكليفه منصب رئيس الوزراء، تعهد مصطفى الكاظمي بمحاربة الفساد وتحريك عدد من الدعاوى القضائية ضد مسؤولين في الدولة بتهم السرقة وإهدار المال العام.

وضمن تقرير لمنظمة الشفافية الدولية للعام 2020 جاء ترتيب العراق في المرتبة 160 من مجموع 180 دولة على مؤشر الشفافية، ما يدل على أن الإجراءات الحكومية في مكافحة الفساد في مؤسسات الدولة لا تزال ضعيفة.

المتنفذون يغذون الظاهرة

يقول مصدر حكومي مطلع لمراسل “طريق الشعب”، إن “قضية الفساد تحتاج لجدية سياسية”، معتقدا ان الجهات المتصدية لمكافحة الفساد، لا تقوى على محاربته لوحدها، بسبب “أن أغلب الأحزاب المتنفذة تغذي تلك الظاهرة”.

ويضيف المصدر، ان صفقات الفساد تتعاظم في أربعة قطاعات، هي: المنافذ الحدودية، عقارات الدولة، تهريب النفط وصفقات الكهرباء.

ومرارا ما تقتصر معالجات الحكومة لهذه الظاهرة في القطاعات المذكورة على عزل الموظفين الصغار، فيما تواصل الرؤوس الكبار المرتبطة بالأحزاب سيطرتها على عمليات الفساد.

يقول الخبير القانوني والمحامي عدي اللامي، إن هناك نوعا من المحاباة بين الجهات الرقابية وبين المسؤولين من أصحاب النفوذ في مناصب الدولة.

وتساوقا مع ذهب اليه اللامي، يشير عامر الفايز، عضو لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان، الى أن “الإجراءات الحكومية لمكافحة الفساد في مؤسسات الدولة لا تزال ضعيفة”.

ويقول النائب: إن “العملية (مكافحة الفساد) تحتاج إلى إرادة سياسية وقوة حقيقية لفتح الملفات الكبيرة”.

ويضيف، أن “المحاصصة والفساد نهشا جسد الدولة، وبالتالي نحتاج إلى إجراءات حقيقية على أرض الواقع في مكافحة الفساد، وليس كلاما إعلاميا فقط”.

لا ترتقي الى مستوى الجريمة

وتكتسب الاحتجاجات الشعبية شرعية كبيرة من شعارات مكافحة الفساد “إنها لم تكن ضد مسؤول معين، انما تشمل كل من تآمر على المواطنين وعيشهم وخدماتهم”، بحسب نزار الحسيني، ناشط معني بحقوق الانسان. ويقول الحسيني، ان الحكومة الحالية لم تتوصل، حتى الان، الى “آليات جديدة وواضحة لعلاج الفساد”، مشددا على ضرورة “تفعيل دور المدعي العام لمحاسبة المتسببين بالفساد منذ العام 2003”.

ويضيف الحسيني، ان أخبار هيئة النزاهة الاخيرة، التي تضمنت كشفها عن أحكام قضائية بحق مسؤولين سابقين، لم تكن ترقى لمستوى الجريمة، مشيرا الى انه يأمل أن تعلن الهيئة عن محاسبة “الحيتان الكبيرة التي تتولى إدارة ملفات الفساد في مؤسسات الدولة”.

أما إبراهيم السليطي، ناشط في احتجاجات البصرة، فيرى أن ملفات الفساد لا تخص السرقات فحسب، بل “نجد ان تسويف مطالب محاكمة قتلة المحتجين، ضبط السلاح بيد الدولة، تحرير القضاء من سطوة الاحزاب، إيجاد حلول مناسبة لأزمة تفشي كورونا... كل هذه يمكن إدراجها في خانة الفساد، بسبب مماطلات الجهات المعنية في معالجتها”.

ويقول السليطي، إن أغلب الأحزاب السياسية “انخرطت في معركة تقاسم الموارد وتحاصص المناصب، ولم تتقدم خطوة واحدة في مشروع بناء الدولة”.

وبالتالي، يعتبر الناشط كلامه مبرراً كافياً لاستمرار الاحتجاجات في رفعها المطالب ذاتها التي دقتْ على جدران انتفاضة تشرين.