ازدادت في العراق، خلال الآونة الأخيرة، جرائم تعنيف الأطفال وقتلهم، وذلك بالترافق مع أزمات عدة تشهدها البلاد. لكنّ المفاجئ هو ارتفاع عدد الجرائم التي يرتكبها أحد الوالدين بحق أطفاله، في انعدام كامل للقيم التي تُبنى عليها الأسرة.

وتكشف أرقام حصلت عليها وكالات أنباء من مسؤولَين في وزارة الصحة، عن مقتل 23 طفلاً على يد ذويهم خلال العام الماضي 2020 ، في مدن متفرقة من العراق. اضافة إلى دخول نحو 50 آخرين إلى المستشفيات بسبب تعرضهم للضرب المبرح المفضي إلى الكسور أو الحروق.

وتصدرت بغداد وديالى والبصرة جرائم العنف ضد الأطفال، وسط استمرار عرقلة كتل برلمانية تمرير مقترح قانون مكافحة العنف الأسري، بدعوى أنّه “استنساخ لقوانين غربية تشجع الفتاة والمرأة والطفل على التمرد”!

عدد الضحايا أكبر

ويوضح مسؤول في وزارة الصحة، إنّ الضحايا الـ23 جرى تسجيل وفاتهم إما في المنازل أو في المستشفيات عقب نقلهم إليها، مبينا في حديث صحفي، ان أغلب الحالات سببها الضرب العنيف، باستثناء حالات عدة من جراء الطعن بالسكين، وحالتي رمي في النهر، ومثلهما في خزان ماء كبير.

ويرجح المسؤول، الذي فضل عدم ذكره اسمه، أن يكون العدد الحقيقي أكبر “بسبب عدم إحاطة السلطات الأمنية والصحية علماً بكلّ الحالات، خصوصاً في المناطق الريفية”، لافتا إلى أن أعمار الضحايا تتراوح بين بضعة أيام و13 عاماً.

مسؤول آخر في الوزارة نفسها، يشير إلى انّ بغداد ومحافظتي ديالى والبصرة، تحتل الصدارة في تلك الجرائم “وإذا ما جرى احتساب الأطفال حديثي الولادة الناجمين عن علاقات غير شرعية والذين يجري إلقاؤهم قرب المساجد أو في الساحات الخالية ليلاً للتخلص منهم ويموتون بسبب ذلك، فإنّ عدد الضحايا سيكون أكبر” – بحسب قوله.

ويضيف أنّ “هذه الظاهرة غير معهودة في المجتمع العراقي، لكن لا بدّ من التعامل معها كمشكلة اجتماعية مؤذية ومخجلة أيضاً”.

أسباب اقتصادية وصحية

ترى الباحثة الاجتماعية زينب ناطق، أن “تصاعد العنف ضد الأطفال بهذه الصورة المخيفة داخل المجتمع العراقي، يأتي نتيجة لمشكلات أمنية واقتصادية وصحية، خصوصاً بعد تفشي فيروس كورونا الذي أجبر الناس على التزام منازلهم وعدم الخروج في فترات الحجر الصحي، ما فاقم من المشكلات الأسرية بشكل لافت”.

وتضيف في حديث صحفي قائلة: “كانت للأطفال حصة كبيرة من هذا العنف الذي يؤثر في مستقبلهم ومستقبل البلاد، خصوصاً أنّ نسبة الذين قتلوا منذ مطلع العام الماضي حتى اليوم لا تقلّ عن طفلين كلّ شهر، بالإضافة إلى جثث الأطفال الرضّع التي وجدت في العراء”.

وتؤكد الباحثة، انه “لا يكاد يمر شهر دون أن نسمع عن جريمة مرعبة ضد الأطفال. والمدهش أنّ أغلب جرائم القتل يرتكبها أحد الأبوين في تطور خطير جداً يشير إلى التفكك الأسري. كما أنّ أغلب الآباء والأمهات الذين قتلوا أو عنفوا أطفالهم، هم في العشرينيات والثلاثينيات من العمر، وهو ما يفسر انعكاس ما يعيشه المجتمع من أزمات على الوضع الأسري وعدم تمكن المتزوجين من تحمل مسؤولية الأسرة والأطفال”.

وتلفت، إلى انه “لا يمكن أن تصل جميع حالات العنف ضد الأطفال إلى مسامع المحاكم، أو حتى وسائل الإعلام، ومهما لاحظنا من ارتفاع في حالات العنف فهي أقل بكثير من الحقيقة”.

إلى ذلك، تقول د. أسماء عبد الجبار، إنّ “العنف الواقع على الأطفال له دوافع عدة، في مقدمها المشكلات الأسرية، ومنها العزلة الاجتماعية وضعف الروابط العائلية بين أفراد الأسرة الواحدة، وغياب التنظيم، وطغيان الفوضى على الحياة اليومية، وقلة معرفة الأبوين بطريقة تربية الأطفال والتعامل الصحيح معهم”.

وتتابع قائلة، أنه “يجب أن لا نغفل عن الأسباب الاقتصادية للمشكلة، كالفقر وتراجع الوضع المعيشي للأسرة، والبطالة، والسكن غير الملائم”.